الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 5188 [ 2814 ] وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تُقَاتِلُونَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطَرَّقَةُ ، حُمْرُ الْوُجُوهِ صِغَارُ الْأَعْيُنِ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ ، وَلَا تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ ذُلْفَ الْآنُفِ . وَفِي أُخْرَى : حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ ، قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ الْمُطَرَّقَةِ ، يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ . رَوَاهُ أَحْمَدُ (2 \ 271) ، وَمُسْلِمٌ (2912) (64 وَ 66) ، وَأَبُو دَاوُدَ (4303) ، وَالنَّسَائِيُّ (6 \ 44) . المفهم وَ (قَوْلُهُ : " يُقَاتِلُونَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطَرَّقَةُ ") الْمَجَانُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ : جَمْعُ مِجَنٍّ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - وَهُوَ التُّرْسُ . وَالْمُطَرَّقَةُ : الَّتِي أَلْبَسَتِ الْعَقِبَ طَاقَةً فَوْقَ أُخْرَى ، وَمِنْهُ طَارَقْتُ النَّعْلَ : إِذَا أَطْبَقْتَ طَاقَةً فَوْقَ أُخْرَى ، وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ : أَنَّ وُجُوهَهُمْ غَالِبًا عِرَاضُ الْأَعَالِي مُحَدَّدَةُ الْأَذْقَانِ صُلْبَةٌ . وَ (قَوْلُهُ : " نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ " ، وَفِي رِوَايَةٍ : " يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ ") أَيْ : يَصْنَعُونَ مِنَ الشَّعَرِ حِبَالًا ، وَيَصْنَعُونَ مِنْهُ نِعَالًا ، كَمَا يَصْنَعُونَ مِنْهُ ثِيَابًا . وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : " يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ " . هَذَا ظَاهِرُهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ شُعُورَهُمْ كَثِيفَةٌ طَوِيلَةٌ ، فَهِيَ إِذَا سَدَلُوهَا كَاللِّبَاسِ ، وَذَوَائِبُهَا لِوُصُولِهَا إِلَى أَرْجُلِهِمْ كَالنِّعَالِ . وَ (قَوْلُهُ : " ذُلْفَ الْأُنُوفِ ") وَيُرْوَى : الْآنُفِ ، فَالْأَوَّلُ جَمْعُ الْكَثْرَةِ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ ، وَالثَّانِي جَمْعُ قِلَّةٍ كَأَفْلُسٍ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا آنَافًا ، وَأَنْفُ كُلِّ شَيْءٍ أَوَّلُهُ ، وَالذُّلْفُ فِي الْإِنْسَانِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ : صِغَرُ الْأَنْفِ وَاسْتِوَاءُ الْأَرْنَبَةِ وَقِصَرُهَا . وَقِيلَ : تَطَامُنُ الْأَرْنَبَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَعْرَفُ وَأَشْهَرُ ، تَقُولُ : رَجُلٌ أَذْلَفُ بَيِّنُ الذُّلْفِ ، وَقَدْ ذَلِفَ . وَالْمَرْأَةُ ذَلْفَاءُ مِنْ نِسَاءٍ ذُلْفٍ ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ هِيَ أَوْصَافُ التُّرْكِ غَالِبًا ، وَقَدْ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، فَقَالَ : ( يُقَاتِلُ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ " ، وَهَذَا الْخَبَرُ قَدْ وَقَعَ عَلَى نَحْوِ مَا أَخْبَرَ ، فَقَدْ قَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي عِرَاقِ الْعَجَمِ مَعَ سُلْطَانِ خَوَارِزْمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكَانَ اللَّهُ قَدْ نَصَرَهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ رَجَعَتْ لَهُمُ الْكَرَّةُ فَغَلَبُوا عَلَى عِرَاقِ الْعَجَمِ وَغَيْرِهِ ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ أُمَمٌ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَرُدُّهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا اللَّهُ ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ، أَوْ مُقَدِّمَتُهُمْ ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُهْلِكَهُمْ وَيُبَدِّدَ جَمْعَهُمْ . وَلَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ وَحِدَّةَ شَوْكَتِهِمْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ " . لَكِنَّا نَرْجُو مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى النَّصْرَ عَلَيْهِمْ وَالظَّفَرَ بِهِمْ ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " تُقَاتِلُكُمِ التُّرْكُ ، قَوْمٌ صِغَارُ الْأَعْيُنِ " ، قَالَ : يَعْنِي التُّرْكَ . قَالَ : " تَسُوقُونَهُمْ ثَلَاثَ مِرَارٍ حَتَّى تُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ " فَأَمَّا فِي السِّيَاقَةِ الْأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ ، وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَيُصْطَلَمُونَ .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية