الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              جزء صفحة
                                                                                              صحيح مسلم 911 [ 469 ] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ فَدَعَا بِهَا ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى بَاسِطَهَا عَلَيْهَا . وَفِي رِوَايَةٍ : وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (580) (114 وَ 115)، وَأَبُو دَاوُدَ (987)، وَالتِّرْمِذِيُّ (254)، وَالنَّسَائِيُّ (2 \ 237)، وَابْنُ مَاجَهْ (913) . المفهم وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ ، وَقَدْ بَيَّنَ هَذَا بَيَانًا شَافِيًا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : وَجَعَلَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ قَبَضَ اثْنَتَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً . وَإِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِوَائِلٍ هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقَالُوا بِالتَّحْلِيقِ ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ ، أَخْذًا بِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ; حَيْثُ حَكَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ . وَمَنْ قَالَ بِالتَّحْلِيقِ ; مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ التَّحْلِيقَ بِرُءُوسِ الْأَنَامِلِ ، وَهُوَ الْخَطَّابِيُّ . وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ هُوَ أَنْ يَضَعَ أُنْمُلَةَ الْوُسْطَى بَيْنَ عُقْدَتَيِ الْإِبْهَامِ ، وَالْأَمْرُ قَرِيبٌ ، وَيُفِيدُ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ التَّخْيِيرَ . وَقَوْلُهُ : وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ ; يَعْنِي بِهَا الْمِسْبَحَةَ ، وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَأَشَارَ بِهَا ; مَعْنَاهُ مَدَّهَا فِي الْقِبْلَةِ . وَهَلْ حَرَّكَهَا أَمْ لَا ؟ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ ، فَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِذَا دَعَا وَلَا يُحَرِّكُهَا ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ ، فَمَنَعَ مِنْ تَحْرِيكِهَا ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا رَأَوْا : أَنَّ مَدَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى دَوَامِ التَّوْحِيدِ . وَمِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَحَلَّقَ حَلْقَةً : ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا . ثُمَّ مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيكِ ، فَهَلْ يُوَالِيهِ أَوْ لَا يُوَالِيهِ ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَاذَا يُعَلَّلُ بِهِ ذَلِكَ التَّحْرِيكُ ؟ فَأَمَّا مَنْ وَالَى التَّحْرِيكَ ، فَتَأَوَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا مُذَكِّرَةٌ بِمُوَالَاةِ الْحُضُورِ فِي الصَّلَاةِ ، وَبِأَنَّهَا مَقْمَعَةٌ وَمَدْفَعَةٌ لِلشَّيْطَانِ . وَمَنْ لَمْ يُوَالِ رَأَى تَحْرِيكَهَا عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ فَقَطْ . وَتَأَوَّلَ فِي الْحَرَكَةِ : كَأَنَّهَا نُطْقُ تِلْكَ الْجَارِحَةِ بِالتَّوْحِيدِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُخْتَارِ مِنْ كَيْفِيَّةِ الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ . فَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ جُلُوسٍ فِي الصَّلَاةِ هُوَ عَلَى هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ ; وَهُوَ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى الْأَرْضِ بِأَيْسَرِ وِرْكَيْهِ ، وَيَقْعُدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ ، وَيَضَعَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ سَاقِهِ الْيُمْنَى ، وَيَنْصِبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى مُسْتَقْبِلًا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ الْقِبْلَةَ ، تَمَسُّكًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ عَلَّمَ الْجُلُوسَ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ ، وَقَالَ : هُوَ سُنَّةُ الصَّلَاةِ ، وَبِمِثْلِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، غَيْرَ أَنَّهُ يَفْرِشُ قَدَمَهُ الْيُسْرَى تَحْتَ مَقْعَدَتِهِ ، وَيَقْعُدُ عَلَيْهَا ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجِلْسَةِ الْوُسْطَى ، وَبِمَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ فِي الْآخِرَةِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا تَمَسُّكًا بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ الَّذِي خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ، وَنَصَبَ الْأُخْرَى ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَنَصَبَ الْيُمْنَى ، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوِرْكِهِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَالتَّمَسُّكُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَوْلَى ; فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ .

                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                              الخدمات العلمية