الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
( وَعُمُومُ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَالْمُتَعَلِّقَات ) عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ : الْعَامُّ فِي الْأَشْخَاصِ عَامٌّ فِي الْأَحْوَالِ . هَذَا الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . فِي قَوْله تَعَالَى ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ) ظَاهِرُهَا عَلَى الْعُمُومِ : أَنَّ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ وَلَدِهِ فَلَهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُعَبِّرُ عَنْ الْكِتَابِ : أَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا قَصَدَتْ لِلْمُسْلِمِ لَا لِلْكَافِرِ . انْتَهَى وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمْعٌ ، مِنْهُمْ الْقَرَافِيُّ ، قَالَ - وَتَابَعَهُ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ - بِأَنَّ صِيَغَ الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فِي الْأَشْخَاصِ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ فِي الْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَالْأَحْوَالِ والْمَتَعَلِّقاتِ فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ لَا عُمُومَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ ثُبُوتِ الْعُمُومِ فِي غَيْرِهَا ، حَتَّى يُوجَدَ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ ، نَحْوَ : لَأَصُومَنَّ الْأَيَّامَ ، وَلَأُصَلِّيَنَّ فِي جَمِيعِ الْبِقَاعِ ، وَلَا عَصَيْت اللَّهَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، وَلَأَشْتَغِلَنَّ بِتَحْصِيلِ جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ . وَرَدَّ ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ . فَقَالَ : أُولِعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ - وَمَا قَرُبَ مِنْهُ - بِأَنْ قَالُوا : صِيغَةُ الْعُمُومِ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الذَّوَاتِ مَثَلًا ، أَوْ عَلَى الْأَفْعَالِ : كَانَتْ عَامَّةً فِي ذَلِكَ مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمُتَعَلِّقَات ، ثُمَّ يَقُولُونَ : الْمُطْلَقُ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِصُورَةٌ وَاحِدَةٌ . فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا عَدَاهُ . وَأَكْثَرُوا مِنْ هَذَا السُّؤَالِ فِيمَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَصَارَ ذَلِكَ دَيْدَنًا لَهُمْ فِي الْجِدَالِ . قَالَ : وَهَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ ، بَلْ الْوَاجِبُ أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى الْعُمُومِ فِي الذَّوَاتِ - مَثَلًا - يَكُونُ دَالًّا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ ذَاتٍ تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهَا ذَاتٌ إلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّهَا . فَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الذَّوَاتِ ، فَقَدْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ - إلَى أَنْ قَالَ - مِثَالُ ذَلِكَ : إذَا قَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا . فَتَقْتَضِي الصِّيغَةُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ ذَاتٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا الدَّاخِلَةُ . فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ : هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْأَزْمَانِ فَأَعْمَلُ بِهِ فِي الذَّوَاتِ الدَّاخِلَةِ الدَّارِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَثَلًا ، وَلَا أَعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ; لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ ، وَقَدْ عَمِلْت بِهِ مَرَّةً ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ أُخْرَى لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ . قُلْنَا لَهُ : لَمَّا دَلَّتْ الصِّيغَةُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ دَخَلَتْ الدَّارَ ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الذَّوَاتُ الدَّاخِلَةُ فِي آخِرِ النَّهَارِ . فَإِذَا أَخْرَجْت بَعْضَ تِلْكَ الذَّوَاتِ ، فَقَدْ أَخْرَجْت مَا دَلَّتْ الصِّيغَةُ عَلَى دُخُولِهِ وَهِيَ كُلُّ ذَاتٍ . وَقَوْلُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . " فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ ، فَنَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ عَامٌّ فِي الْمَكَانِ . انْتَهَى . وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ : أَنَّهُ يَعُمُّ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لَا بِطَرِيقِ الْوَضْعِ ، وَجَمَعُوا بَيْنَ الْمَقَالَتَيْنِ ( وَصِيغَتُهُ ) أَيْ الْعُمُومِ ( اسْمُ شَرْطٍ ، وَ ) اسْمُ ( اسْتِفْهَامٍ كَمَنْ فِي عَاقِلٍ ) نَحْوَ " . قَوْله تَعَالَى . ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) ، ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ) وَتَقُولُ فِي الِاسْتِفْهَامِ : مَنْ الَّذِي عِنْدَك ؟ ( وَمَا فِي غَيْرِهِ ) أَيْ غَيْرِ الْعَاقِلِ . نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ) ( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ) وَتَقُولُ فِي الِاسْتِفْهَامِ : مَا الَّذِي عِنْدَك ؟ وَاسْتِعْمَالُ " مَنْ " فِيمَنْ يَعْقِلُ وَ " مَا " فِيمَا لَا يَعْقِلُ شَائِعٌ . قَدْ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ . وَقِيلَ : تَكُونُ " مَا " لِمَنْ يَعْقِلُ وَلِمَنْ لَا يَعْقِلُ فِي الْخَبَرِ وَالِاسْتِفْهَامِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . قَالَ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ وَغَيْرُهُ " مَنْ ، وَمَا " فِي الِاسْتِفْهَامِ لِلْعُمُومِ . فَإِذَا قُلْنَا : مَنْ فِي الدَّارِ ؟ حَسُنَ الْجَوَابُ بِوَاحِدٍ . فَيُقَالُ مَثَلًا : زَيْدٌ ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِلسُّؤَالِ . فَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ قَوْمٌ . وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْعُمُومَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الِاسْتِفْهَامِ ، لَا بِاعْتِبَارِ الْكَائِنِ فِي الدَّارِ . فَالِاسْتِفْهَامُ عَمَّ جَمِيعَ الرُّتَبِ . فَالْمُسْتَفْهِمُ عَمَّ بِسُؤَالِهِ كُلَّ وَاحِدٍ يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ فِي الدَّارِ . فَالْعُمُومُ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الْوُقُوعِ ، بَلْ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِفْهَامِ وَاشْتِمَالِهِ عَلَى كُلِّ الرُّتَبِ الْمُتَوَهَّمَةِ ( وَ مِنْ ) صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا ( أَيْنَ ، وَأَنَّى ، وَحَيْثُ لِلْمَكَانِ ) نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ) وقَوْله تَعَالَى ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ) فِي الْجَزَاءِ . وَتَقُولُ مُسْتَفْهِمًا : أَيْنَ زَيْدٌ ؟ ( وَمَتَى ) لِزَمَانٍ مُبْهَمٍ نَحْوَ : مَتَى تَقُمْ أَقُمْ . وَلَا يُقَالُ : مَتَى طَلَعَتْ الشَّمْسُ ؟ ، لِأَنَّ زَمَنَ طُلُوعِهَا غَيْرُ مُبْهَمٍ . وَاسْتُدِلَّ لِمَتَى بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ وَتَقُولُ فِي الِاسْتِفْهَامِ : مَتَى جَاءَ زَيْدٌ ؟ ( وَأَيُّ لِلْكُلِّ ) يَعْنِي أَنَّ " أَيَّ " الْمُضَافَةَ تَكُونُ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِ الْعَاقِلِ . فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ( لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَمِنْ الثَّانِي : قَوْله تَعَالَى ( أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ) وَتَقُولُ فِي الِاسْتِفْهَامِ : أَيُّ وَقْتٍ تَخْرُجُ ؟ ( وَتَعُمُّ مَنْ وَأَيَّ الْمُضَافَةَ إلَى الشَّخْصِ ضَمِيرُهُمَا ، فَاعِلًا ) كَانَ ، نَحْوَ قَوْلِهِ : مَنْ قَامَ مِنْكُمْ ؟ أَوْ أَيُّكُمْ قَامَ فَهُوَ حُرٌّ ( أَوْ ) كَانَ ( مَفْعُولًا ) نَحْوَ قَوْلِهِ : مَنْ أَقَمْته مِنْكُمْ ، أَوْ أَيُّكُمْ أَقَمْته فَهُوَ حُرٌّ . فَقَامُوا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، أَوْ أَقَامَهُمْ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ . قَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ : وَ " أَيُّ " عَامَّةٌ فِيمَا تُضَافُ إلَيْهِ مِنْ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَحْوَالِ . وَمِنْهُ : أَيُّ امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا . وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهَا بِالِاسْتِفْهَامِيَّةِ أَوْ الشَّرْطِيَّةِ أَوْ الْمَوْصُولَةِ ، لِتَخْرُجَ الصِّفَةُ . نَحْوَ : مَرَرْت بِرَجُلٍ أَيِّ رَجُلٍ ، وَالْحَالُ نَحْوَ : مَرَرْت بِزَيْدٍ أَيِّ رَجُلٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ : لَا عُمُومَ فِي الْمَوْصُولَةِ ، نَحْوَ : يُعْجِبُنِي أَيُّهُمْ هُوَ قَائِمٌ . فَلَا عُمُومَ فِيهَا ، بِخِلَافِ الشَّرْطِيَّةِ نَحْوَ " . قَوْله تَعَالَى . ( أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) وَالِاسْتِفْهَامِيَّةِ نَحْوَ " قَوْله تَعَالَى ( أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ) ( وَ ) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا : الِاسْمُ ( الْمَوْصُولُ ) سَوَاءٌ كَانَ مُفْرَدًا كَاَلَّذِي وَاَلَّتِي . أَوْ مَثْنًى نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ ) أَوْ مَجْمُوعًا نَحْوَ " . قَوْله تَعَالَى . ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى ) ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ) ( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ) ( وَ ) مِنْ صِيَغِهِ أَيْضًا ( كُلُّ ) وَهِيَ أَقْوَى صِيَغِهِ . وَلَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى إضَافَتِهَا مَعَانٍ . مِنْهَا أَنَّهَا إذَا أُضِيفَتْ إلَى نَكِرَةٍ . فَهِيَ لِشُمُولِ أَفْرَادِهِ نَحْوَ " قَوْله تَعَالَى ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ) وَمِنْهَا : أَنَّهَا إذَا أُضِيفَتْ لِمَعْرِفَةٍ ، وَهِيَ جَمْعٌ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ . فَهِيَ لِاسْتِغْرَاقِ أَفْرَادِهِ أَيْضًا ، نَحْوَ كُلُّ الرِّجَالِ وَكُلُّ النِّسَاءِ عَلَى وَجَلٍ إلَّا مَنْ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي الْحَدِيثِ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو ، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا وَمِنْهَا : أَنَّهَا إذَا أُضِيفَتْ لِمَعْرِفَةٍ مُفْرَدٍ ، فَهِيَ لِاسْتِغْرَاقِ أَجْزَائِهِ أَيْضًا ، نَحْوَ كُلُّ الْجَارِيَةِ حَسَنٌ ، أَوْ كُلُّ زَيْدٍ جَمِيلٌ . إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَمَادَّتُهَا تَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ وَالشُّمُولَ كَالْإِكْلِيلِ لِإِحَاطَتِهِ بِالرَّأْسِ ، وَالْكَلَالَةِ لِإِحَاطَتِهَا بِالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ . فَلِهَذَا كَانَتْ أَصَرْحَ صِيَغِ الْعُمُومِ لِشُمُولِهَا الْعَاقِلَ وَغَيْرَهُ ، الْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ ، الْمُفْرَدَ وَالْمَثْنَى وَالْجَمْعَ ، وَسَوَاءٌ بَقِيَتْ عَلَى إضَافَتِهَا كَمَا مَثَّلْنَا ، أَوْ حُذِفَ الْمُضَافُ إلَيْهِ . نَحْوَ قَوْله تَعَالَى . ( كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ) قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ : لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ أَعَمُّ مِنْهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ مُبْتَدَأَةً وَتَابِعَةً لِتَأْكِيدِ الْعَامِّ . نَحْوَ جَاءَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ . وَهُنَا : فَوَائِدُ . مِنْهَا : أَنْ مَا سَبَقَ مِنْ كَوْنِهَا تَسْتَغْرِقُ الْأَفْرَادَ فِيمَا إذَا أُضِيفَتْ لِجَمْعٍ مُعَرَّفٍ ، كَمَا لَوْ أُضِيفَتْ إلَى نَكِرَةٍ . فَتَكُونُ مِنْ الْكُلِّيَّةِ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا عِبَادِي : كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته - الْحَدِيثَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ مِنْ الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ ، لَا مِنْ الْكُلِّيَّةِ . وَمِنْهَا : إذَا دَخَلَتْ " كُلُّ " عَلَى جَمْعٍ مُعَرَّفٍ بِأَلْ ، وَقُلْنَا بِعُمُومِهَا . فَهَلْ الْمُفِيدُ لِلْعُمُومِ الْأَلْفُ وَاللَّامُ وَ " كُلٌّ " تَأْكِيدٌ ، أَوْ اللَّامُ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ وَ " كُلٌّ " لِتَأْسِيسِ إفَادَةِ الْعُمُومِ ؟ وَالثَّانِي : أَظْهَرُ ; لِأَنَّ " كُلًّا " إنَّمَا تَكُونُ مُؤَكِّدَةً إذَا كَانَتْ تَابِعَةً . وَقَدْ يُقَالُ : اللَّامُ أَفَادَتْ عُمُومَ مَرَاتِبِ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ، وَ " كُلٌّ " أَفَادَتْ اسْتِغْرَاقَ الْأَفْرَادِ . فَنَحْوَ : كُلُّ الرِّجَالِ ، تُفِيدُ فِيهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ عُمُومَ مَرَاتِبِ جَمْعِ الرَّجُلِ ، وَكُلُّ اسْتِغْرَاقِ الْآحَادِ . وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ : إنَّ " كُلَّ " لَا تَدْخُلُ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ إذَا أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْعُمُومُ . انْتَهَى . وَلِهَذَا مَنَعَ دُخُولَ أَلْ عَلَى " كُلٍّ " وَعَيَّبَ قَوْلَ بَعْضِ النُّحَاةِ : بَدَلُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ . وَمِنْهَا : أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دُخُولِهَا عَلَى الْمُفْرَدِ وَالْمُعَرَّفِ . نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ الطَّلَاقِ وَاقِعٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ ، حَتَّى تَكُونَ لِاسْتِغْرَاقِ الْأَفْرَادِ لَا الْأَجْزَاءِ . وَمِنْهَا : أَنَّ مَحَلَّ عُمُومِهَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا نَفْيٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا نَحْوَ لَمْ يَقُمْ كُلُّ الرِّجَالِ . فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لِلْمَجْمُوعِ ، وَالنَّفْيُ وَارِدٌ عَلَيْهِ . وَسُمِّيَتْ سَلْبَ الْعُمُومِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا . نَحْوَ : كُلُّ إنْسَانٍ لَمْ يَقُمْ . فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لِاسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ فِي كُلِّ فَرْدٍ ، وَيُسَمَّى عُمُومُ السَّلْبِ . وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَيَانِ . وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِقَوْلِهِ أَنَسِيت أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ ؟ أَيْ لَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، لَكِنْ بِحَسَبِ ظَنِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلِذَلِكَ صَحَّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ أَيِّ الْأَمْرَيْنِ وَقَعَ ، وَلَوْ كَانَ لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ ، وَلَا لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ فَإِنَّ السَّلْبَ الْكُلِّيَّ يَقْتَضِيهِ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ . وَأَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِمْ : . تُقَدَّمُ النَّفْيُ لِسَلْبِ الْعُمُومِ . نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) فَيَنْبَغِي أَنْ تُقَيَّدَ الْقَاعِدَةُ بِأَنْ لَا يَنْتَقِضَ النَّفْيُ . فَإِنْ انْتَقَضَ كَانَتْ لِعُمُومِ السَّلْبِ ، وَقَدْ يُقَالُ : انْتِقَاضُ النَّفْيِ قَرِينَةُ إرَادَةِ عُمُومِ السَّلْبِ . قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ ( وَ ) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا ( جَمِيعُ ) وَهِيَ مِثْلُ كُلِّ ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا إلَى مَعْرِفَةٍ ، فَلَا يُقَالُ : جَمِيعُ رَجُلٍ ، وَتَقُولُ جَمِيعُ النَّاسِ ، وَجَمِيعُ الْعَبِيدِ ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ بِطَرِيقِ الظُّهُورِ ، بِخِلَافِ كُلٍّ فَإِنَّهَا بِطَرِيقِ النُّصُوصِيَّةِ . وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلًّا تَعُمُّ عَلَى جِهَةِ الِانْفِرَادِ ، وَجَمِيعَ عَلَى جِهَةِ الِاجْتِمَاعِ . ( وَنَحْوَهُمَا ) أَيْ وَمِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا : كُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ كُلٍّ وَجَمِيعٍ ، مِثْلَ أَجْمَعَ وَأَجْمَعِينَ ( وَ ) كَذَلِكَ ( مَعْشَرَ وَمَعَاشِرَ وَعَامَّةً وَكَافَّةً وَقَاطِبَةً ) قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ( لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) وَقَالَ تَعَالَى ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) وَقَالَ تَعَالَى ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ ، مَا . تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ قَاطِبَةً " قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَيْ جَمِيعُهُمْ ، لَكِنَّ مَعْشَرَ وَمَعَاشِرَ : لَا يَكُونَانِ إلَّا مُضَافَيْنِ ، بِخِلَافِ قَاطِبَةً وَعَامَّةً وَكَافَّةً فَإِنَّهَا لَا تُضَافُ ( وَ ) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا ( جَمْعٌ مُطْلَقًا ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِمُذَكَّرٍ أَوْ لِمُؤَنَّثٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَالِمًا أَوْ مُكَسَّرًا ، وَسَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ قِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ ( مُعَرَّفٌ ) ذَلِكَ الْجَمْعُ ( بِلَامٍ أَوْ إضَافَةٍ ) مِثَالُ السَّالِمِ مِنْ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ : قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ) وَمِثَالُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ مِنْ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ الرِّجَالُ وَالصَّوَاحِبُ . وَجَمْعُ الْقِلَّةِ : الْأَفْلَسُ وَالْأَكْبَادُ ، وَمِثَالُ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِالْإِضَافَةِ قَوْله تَعَالَى " ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وقَوْله تَعَالَى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) وَقِيلَ : إنَّ الْجَمْعَ الْمُذَكَّرَ لَا يَعُمُّ ، فَلَا يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ . وَاسْتَدَلَّ لِلْأَوَّلِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّحِيحُ عَنْهُمْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فِي التَّشَهُّدِ . فَإِنَّكُمْ إذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ : فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَعَلَى هَذَا الْأَصَحُّ : أَنَّ أَفْرَادَهُ آحَادٌ فِي الْإِثْبَاتِ وَغَيْرِهِ . وَعَلَيْهِ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فِي اسْتِعْمَالِ الْقُرْآنِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) أَيْ كُلَّ مُحْسِنٍ وقَوْله تَعَالَى ( فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ . وَيُؤَيِّدُهُ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ الْوَاحِدِ مِنْهُ ، نَحْوَ جَاءَ الرِّجَالُ إلَّا زَيْدًا . وَقِيلَ : إنَّ أَفْرَادَهُ جُمُوعٌ ، وَكَوْنُهُ فِي الْآيَاتِ آحَادٌ بِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ ( وَ ) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا ( اسْمُ جِنْسٍ مُعَرَّفٍ تَعْرِيفَ جِنْسٍ ) وَهُوَ مَا لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ . كَالنَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَنَحْوِهَا ، حَمْلًا لِلتَّعْرِيفِ عَلَى فَائِدَةٍ لَمْ تَكُنْ ، وَهُوَ تَعْرِيفُ جَمِيعِ الْجِنْسِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَالْجَمْعِ ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) وَ ( لَا ) يَعُمُّ ( مَعَ قَرِينَةِ عَهْدٍ ) اتِّفَاقًا . وَذَلِكَ كَسَبْقِ تَنْكِيرٍ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) لِأَنَّهُ يَصْرِفُهُ إلَى ذَلِكَ فَلَا يَعُمُّ إذَا عُرِفَ . وَنَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ) وَنَحْوَ قَوْله تَعَالَى ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ) ( وَيَعُمُّ مَعَ جَهْلِهَا ) أَيْ جَهْلِ قَرِينَةِ الْعَهْدِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ تَقْيِيدَ الْعُمُومِ بِانْتِفَاءِ الْعَهْدِ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الِاسْتِغْرَاقُ . وَلِهَذَا احْتَاجَ الْعَهْدُ إلَى قَرِينَةٍ فِيمَا احْتَمَلَ الْعَهْدَ وَالِاسْتِغْرَاقَ ، لِانْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَصْلِ ، وَهُوَ الِاسْتِغْرَاقُ لِعُمُومِ فَائِدَتِهِ . وَقِيلَ : إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعَهْدِ . وَقِيلَ : إنَّهُ مُجْمَلٌ لِكَوْنِهِ مُحْتَمَلًا احْتِمَالًا عَلَى السَّوَاءِ ( وَإِنْ عَارَضَ الِاسْتِغْرَاقَ عُرْفٌ أَوْ احْتِمَالُ تَعْرِيفِ جِنْسٍ لَمْ يَعُمَّ ) وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ : لَوْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا أَفْعَلُ كَذَا ، وَحَنِثَ ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ إلَّا وَاحِدَةٌ : لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَعْتَقِدُونَهُ ثَلَاثًا ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْأَجْنَاسِ . لِلِاسْتِغْرَاقِ . وَلِهَذَا يُنْكِرُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَ ثَلَاثًا ، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ طَلَّقَ إلَّا وَاحِدَةً . فَمُقْتَضَى اللَّفْظِ فِي ظَنِّهِمْ وَاحِدَةٌ ، فَلَا يُرِيدُونَ إلَّا مَا يَعْتَقِدُونَهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِمْ . فَيَصِيرُ كَأَنَّهُمْ نَوَوْا وَاحِدَةً ، وَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ الِاسْتِغْرَاقِ كَثِيرًا . كَقَوْلِهِمْ : وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ ، وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الطَّلَاقَ ، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ الِاسْتِغْرَاقُ . إذَا تَقَرَّرَ هَذَا : فَلَا يُحْمَلُ عَلَى التَّعْمِيمِ إلَّا بِنِيَّةٍ صَارِفَةٍ إلَيْهِ . قَالَهُ فِي الْمُغْنِي . وَهَذَا الْأَصَحُّ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يَعُمُّ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا . وَنَحْوَ : وَاَللَّهِ لَا أَشْتَرِي الْعَبِيدَ يَحْنَثُ بِوَاحِدٍ . قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ ( وَ ) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا ( مُفْرَدٌ مُحَلًّى بِلَامٍ غَيْرِ عَهْدِيَّةٍ لَفْظًا ) كَالسَّارِقِ وَالزَّانِي وَالْمُؤْمِنِ وَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ وَالْحُرِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . فِي الرِّسَالَةِ : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وَنَحْوَهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ ، وَأَيْضًا لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِآيَةِ السَّرِقَةِ وَآيَةِ الزِّنَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَلِوُقُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ ، وَهُوَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى . " ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) - الْآيَةَ . وَأَيْضًا فَيُوصَفُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ . كَمَا قَالَ تَعَالَى ( أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ) وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَقِيلَ : إنَّهُ يُفِيدُ الْجِنْسَ لَا الِاسْتِغْرَاقَ فَلَا يَعُمُّ . وَقِيلَ : هُوَ مُجْمَلٌ ، فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ . وَقِيلَ : إنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ إنْ كَانَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ وَاحِدُهُ بِالتَّاءِ ، وَلَكِنْ لَا يَتَشَخَّصُ لَهُ وَاحِدٌ ، وَلَا يَتَعَدَّدُ . كَالذَّهَبِ وَالْعَسَلِ ، بِخِلَافِ مَا يَتَشَخَّصُ مَدْلُولُهُ . كَالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالرَّجُلِ . وَقِيلَ بِالْفَرْقِ فِيمَا إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَلْ بَيْنَ مَا فِيهِ تَاءُ التَّأْنِيثِ الدَّالَّةُ عَلَى الْوَحْدَةِ كَضَرْبَةٍ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْعُمُومِ وَالْجِنْسِ ، بِخِلَافِ مَا لَا هَاءَ فِيهِ كَرَجُلٍ ; أَوْ فِيهِ وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ : كَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ . فَالْمُقْتَرِنُ بِ ( أَلْ ) مِنْ ذَلِكَ عَامٌّ . وَعَلَى الْأَوَّلِ - الَّذِي هُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّ عُمُومَهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ . وَقِيلَ : مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى . وَقَالَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ : عُمُومُ الْمُفْرَدِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَلْ غَيْرُ عُمُومِ الْجَمْعِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَلْ . فَالْأَوَّلُ : يَعُمُّ الْمُفْرَدَاتِ . وَالثَّانِي : يَعُمُّ الْجُمُوعَ ; لِأَنَّ أَلْ تَعُمُّ أَفْرَادَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ . وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى جَمْعٍ . وَفَائِدَةُ هَذَا : تَعَذُّرُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْجَمْعِ عَلَى مُفْرَدٍ فِي حَالَةِ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ ; لِأَنَّ الْعُمُومَ وَارِدٌ عَلَى أَفْرَادِ الْجُمُوعِ ، وَالْوَاحِدُ لَيْسَ بِجَمْعٍ ( وَ ) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ أَيْضًا ( مُفْرَدٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ ) كَعَبْدِك وَامْرَأَتِك عِنْدَ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ ، تَبَعًا لِعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَحَكَاهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ الْأَكْثَرِ . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ) ( وَ ) مِنْ صِيَغِهِ أَيْضًا ( نَكِرَةٌ فِي نَفْيٍ ، وَ ) كَذَا فِي ( نَهْيٍ ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّفْيِ . صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ الْعَامِلُ النَّكِرَةَ ، نَحْوَ : مَا أَحَدٌ قَائِمًا ، أَوْ يُبَاشِرَ الْعَامِلُ فِيهَا . نَحْوَ : مَا قَامَ أَحَدٌ . أَوْ كَانَتْ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَلَمْ يُبَاشِرْهَا ، نَحْوَ لَيْسَ فِي الدَّارِ رَجُلٌ . وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي أَنَّهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ . وَهُوَ . مَخْصُومٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى ) رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ ( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَمَا حَصَلَ بِهِ الرَّدُّ . وَمِنْ أَمْثِلَةِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ نَحْوُ : قَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) وقَوْله تَعَالَى ( وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ ) ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ) ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) إذَا عَلِمْت ذَلِكَ : فَإِنَّ عُمُومَ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالنَّهْيِ يَكُونُ ( وَضْعًا ) بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِسَلْبِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ بِالْمُطَابِقَةِ . وَقِيلَ : إنَّ عُمُومَهَا لُزُومًا ، بِمَعْنَى أَنَّ نَفْيَ فَرْدٍ مِنْهُمْ يَقْتَضِي نَفْيَ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ ضَرُورَةً . وَالْأَوَّلُ : اخْتِيَارُ الْقَرَافِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ . وَالثَّانِي : اخْتِيَارُ السُّبْكِيّ وَمَنْ وَافَقَهُ . وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ : صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ بِالِاتِّفَاقِ . فَدَلَّ عَلَى تَنَاوُلِهَا لِكُلِّ فَرْدٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية