الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
( وَ ) يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ الْعَامِّ أَيْضًا ( بِالْقِيَاسِ ) قَطْعِيًّا كَانَ أَوْ ظَنِّيًّا ، ثُمَّ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا خُصَّ بِهِ الْعَامُّ قَطْعًا . قَالَهُ الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا . فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَشْعَرِيُّ وَالْأَكْثَرُ : جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِهِ . وَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالطُّوفِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا : يُخَصَّصُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ دُونَ غَيْرِهِ . وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ . وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ . فَقِيلَ : الْجَلِيُّ قِيَاسُ الْعِلَّةِ . وَالْخَفِيُّ قِيَاسُ الشَّبَهِ . وَقِيلَ : الْجَلِيُّ : مَا تَبَادَرَتْ عِلَّتُهُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ سَمَاعِ الْحُكْمِ . كَتَعْظِيمِ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ سَمَاعِ قَوْله تَعَالَى ( فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ) وَقِيلَ : الْجَلِيُّ مَا يَنْقُضُ قَضَاءَ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ وَالْخَفِيُّ خِلَافُهُ ، وَقَالَ ابْنُ أَبَانَ : يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ إنْ كَانَ الْعَامُّ مُخَصَّصًا . فَقَالَ : إنْ خُصَّ الْعَامُّ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ . جَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ وَإِلَّا فَلَا . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَمَنَعَ قَوْمٌ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً . وَعُزِيَ إلَى الْحَنَفِيَّةِ ; لِأَنَّ التَّخْصِيصَ عِنْدَهُمْ نَسْخٌ . وَلَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِالْقِيَاسِ وَلَوْ كَانَ جَلِيًّا . وَاسْتَدَلَّ لِلتَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ خَاصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ . وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا ، فَقَدَّمَ التَّخْصِيصَ بِهِ ( وَيُصْرَفُ بِهِ ) أَيْ بِالْقِيَاسِ مَعْنًى ( ظَاهِرٌ غَيْرُ عَامٍّ ) مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ ، هُوَ فِي أَحَدِهِمَا ظَاهِرٌ وَفِي الْآخَرِ مَرْجُوحٌ ( إلَى احْتِمَالٍ مَرْجُوحٍ ) أَيْ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَرْجُوحٌ لِكَوْنِ اللَّفْظِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فِيهِ لِأَجْلِ مُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ ( وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَنَحْوُهَا ) وَهِيَ صَرْفُ الظَّاهِرِ إلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ ( ظَنِّيَّةٌ ) لِأَنَّ أَدِلَّتَهَا ظَنِّيَّةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ . فَتَكُونَ مِنْ ظَاهِرِ بَابِ الظُّنُونِ . وَخَالَفَ الْبَاقِلَّانِيُّ ، لِلْقَطْعِ بِالْعَمَلِ بِالظَّنِّ الرَّاجِحِ ( وَفِعْلِ الْفَرِيقَيْنِ ) مِنْ الصَّحَابَةِ ( إذْ قَالَ ) النَّبِيُّ . ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لَهُمْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْأَحْزَابِ وَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْمَسِيرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ( لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ . يَرْجِعُ إلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ وَعَدَمِهِ ) . فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ : أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ فِي الطَّرِيقِ فِي الْوَقْتِ ، وَطَائِفَةً صَلَّتْ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ الْوَقْتِ : لَمْ يَعِبْ طَائِفَةً مِنْهُمَا . فَمَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى وَصَلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ، أَخَذَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ وَمَنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ، أَخَذَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ : التَّأْكِيدُ فِي سُرْعَةِ الْمَسِيرِ إلَيْهِ ، لَا فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا ( وَالْمُصِيبُ ) مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ ( الْمُصَلِّي فِي الْوَقْتِ فِي قَوْلٍ ) اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ : التَّأَهُّبُ وَسُرْعَةُ الْمَسِيرِ ، لَا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ هُنَا أَرْجَحُ ، وَأَنَّ الْمُؤَخِّرَ لِلصَّلَاةِ حَتَّى وَصَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ هُوَ الْمُصِيبُ فِي فِعْلِهِ . وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الرَّاجِحِ مِنْ الْفِعْلَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَعَلَ مَا فَعَلَهُ بِاجْتِهَادٍ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَنِّفْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِفَةً مِنْهُمَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية