الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
( وَيَجُوزُ ثُبُوتُ كُلِّ الْأَحْكَامِ بِنَصٍّ مِنْ الشَّارِعِ ) عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْأَكْثَرِ . وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا تَتَنَاهَى فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا نُصُوصٌ مُتَنَاهِيَةٌ ؟ وَرُدَّ بِأَنَّهَا تَتَنَاهَى لِتَنَاهِي التَّكْلِيفِ بِالْقِيَامَةِ ، ثُمَّ يَجُوزُ أَنْ تَحْدُثَ نُصُوصٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ . وَ ( لَا ) يَجُوزُ ثُبُوتُ كُلِّ الْأَحْكَامِ ( بِالْقِيَاسِ ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ ; وَلِأَنَّ فِي الْأَحْكَامِ - مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ ، كَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ . فَإِجْرَاءُ الْقِيَاسِ فِي مِثْلِهِ مُتَعَذِّرٌ ; لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ تَعَقُّلِ الْمَعْنَى الْمُعَلَّلِ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ فِيهَا مَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ فَلَا يَجْرِي فِيهِ . وَقِيلَ : بَلَى . كَمَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا كُلُّهَا بِالنَّصِّ يَجُوزُ إثْبَاتُهَا كُلُّهَا بِالْقِيَاسِ . وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ - وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ - أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَبَيَّنَّا ذَلِكَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ . ( وَمَعْرِفَتُهُ ) أَيْ مَعْرِفَةُ الْقِيَاسِ ( فَرْضُ كِفَايَةٍ ) عِنْدَ تَعَدُّدِ الْمُجْتَهِدِينَ ( وَيَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ ) فِي صُورَةٍ ، وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ وَاحْتَاجَ إلَى الْقِيَاسِ لِنُزُولِ حَادِثَةٍ ، وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِي حَقِّهِ فَرْضَ عَيْنٍ . وَغَايَرَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي مُقْنِعِهِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، فَقَالَ : فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَقِيلَ : فَرْضُ عَيْنٍ . وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ( وَهُوَ ) أَيْ الْقِيَاسُ ( مِنْ الدِّينِ ) عِنْدَ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّهُ مِمَّا تَعَبَّدَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ، وَكُلُّ مَا تَعَبَّدَنَا اللَّهُ بِهِ فَهُوَ دِينٌ ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ بِصِيغَةِ " افْعَلْ " دَلِيلُهُ : قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - ( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ) قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ : الْقِيَاسُ دِينٌ ، وَعِنْدَ أَبِي الْهُذَيْلِ : لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ دِينٍ ، وَهُوَ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْقَاضِي . وَعِنْدَ الْجُبَّائِيِّ : الْوَاجِبُ مِنْهُ دِينٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ : الْقِيَاسُ عِنْدَنَا دِينُ اللَّهِ وَحُجَّتُهُ وَشَرْعُهُ . انْتَهَى . ( وَالنَّفْيُ ) ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا نَفْيٌ ( أَصْلِيٌّ ) وَهُوَ الْبَقَاءُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ ، كَانْتِفَاءِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ ، فَهُوَ مُبْقًى بِاسْتِصْحَابِ مُوجَبِ الْعَقْلِ ، فَلَا يَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الْعِلَّةِ ، لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لَهُ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ ، حَتَّى يُطْلَبَ لَهُ عِلَّةٌ شَرْعِيَّةٌ ، بَلْ هُوَ نَفْيُ حُكْمِ الشَّرْعِ . وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ لِمَا يَتَجَدَّدُ ، لَكِنْ ( يَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ ) وَهُوَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِانْتِفَاءِ حُكْمِ شَيْءٍ عَلَى انْتِفَائِهِ عَنْ مِثْلِهِ . وَيَكُونُ ذَلِكَ ضَمَّ دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ ( فَيُؤَكَّدُ بِهِ الِاسْتِصْحَابُ ) أَيْ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ . وَهَذَا وَهُوَ كَوْنُهُ : لَا يَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الْعِلَّةِ ، وَيَجْرِي فِيهِ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ ، هُوَ الصَّحِيحُ . اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيُّ ، وَعَزَاهُ الْهِنْدِيُّ لِلْمُحَقِّقِينَ . ( وَ ) الضَّرْبُ الثَّانِي : نَفْيٌ ( طَارِئٌ ، كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ) مِنْ الدَّيْنِ ، وَنَحْوُهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ( يَجْرِي فِيهِ هُوَ ) أَيْ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ حَادِثٌ . فَهُوَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْوُجُودِيَّةِ . قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ عَقِبَ الْمَسْأَلَةِ : وَيُسْتَعْمَلُ الْقِيَاسُ عَلَى وَجْهِ التَّلَازُمِ ، فَيُجْعَلُ حُكْمُ الْأَصْلِ فِي الثُّبُوتِ مَلْزُومًا . وَفِي النَّفْيِ نَقِيضَهُ لَازِمًا ، نَحْوَ لَمَّا وَجَبَتْ زَكَاةُ مَالِ الْبَالِغِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِ الصَّبِيِّ : وَجَبَتْ فِيهِ ، وَلَوْ وَجَبَتْ فِي حُلِيٍّ وَجَبَتْ فِي جَوْهَرٍ قِيَاسًا ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ ، فَيَنْتَفِي مَلْزُومُهُ . انْتَهَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية