الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
[ الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ عَزَمَ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ مَا ] وَالْعَبْدُ إذَا عَزَمَ عَلَى فِعْلِ أَمْرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ أَوَّلًا هَلْ هُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةٌ فَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ طَاعَةً ، فَإِذَا بَانَ لَهُ أَنَّهُ طَاعَةٌ فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْظُرَ هَلْ هُوَ مُعَانٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَانًا عَلَيْهِ فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ فَيُذِلَّ نَفْسَهُ ، وَإِنْ كَانَ مُعَانًا عَلَيْهِ بَقِيَ عَلَيْهِ نَظَرٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَهُ مِنْ بَابِهِ ; فَإِنْ أَتَاهُ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ أَضَاعَهُ أَوْ فَرَّطَ فِيهِ أَوْ أَفْسَدَ مِنْهُ شَيْئًا ; فَهَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ أَصْلُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَفَلَاحِهِ ، وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ الْعَبْدِ : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } الْفَاتِحَةَ فَأَسْعَدُ الْخَلْقِ أَهْلُ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَالْهِدَايَةِ إلَى الْمَطْلُوبِ ، وَأَشْقَاهُمْ مَنْ عُدِمَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وَنَصِيبُهُ مِنْ { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } مَعْدُومٌ أَوْ ضَعِيفٌ ; فَهَذَا مَخْذُولٌ مُهِينٌ مَحْزُونٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } قَوِيًّا وَنَصِيبُهُ مِنْ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } ضَعِيفًا أَوْ مَفْقُودًا ; فَهَذَا لَهُ نُفُوذٌ وَتَسَلُّطٌ وَقُوَّةٌ ، وَلَكِنْ لَا عَاقِبَةَ لَهُ ، بَلْ عَاقِبَتُهُ أَسْوَأُ عَاقِبَةً ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وَلَكِنْ نَصِيبُهُ مِنْ الْهِدَايَةِ إلَى الْمَقْصُودِ ضَعِيفٌ جِدًّا ، كَحَالِ كَثِيرٍ مِنْ الْعِبَادِ وَالزُّهَّادِ الَّذِينَ قَلَّ عِلْمُهُمْ بِحَقَائِقِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ . وَقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " فَمَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ فِي الْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ " إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي قِيَامُهُ فِي الْحَقِّ لِلَّهِ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِهِ ، حَتَّى يَكُونَ أَوَّلَ قَائِمٍ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَحِينَئِذٍ يُقْبَلُ قِيَامُهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يُقْبَلُ الْحَقُّ مِمَّنْ أَهْمَلَ الْقِيَامَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ ؟ وَخَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا تَسْمَعُونَ ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ : لَا نَسْمَعُ ، فَقَالَ عُمَرُ : وَلِمَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ : إنَّك قَسَّمْت عَلَيْنَا ثَوْبًا ثَوْبًا وَعَلَيْك ثَوْبَانِ ، فَقَالَ : لَا تَعْجَلْ . يَا عَبْدَ اللَّهِ ، يَا عَبْدَ اللَّهِ ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَقَالَ : لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : نَشَدْتُك اللَّهَ الثَّوْبُ الَّذِي ائْتَزَرْتُ بِهِ أَهْوَ ثَوْبُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، اللَّهُمَّ نَعَمْ ، فَقَالَ سَلْمَانُ : أَمَّا الْآنَ فَقُلْ نَسْمَعْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية