الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        معلومات الكتاب

        الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

        خالد المشيقح - أ.د/ خالد بن علي بن محمد المشيقح

        جزء صفحة
        الْمَبْحَثُ الثَّانِي: الدِّيَةُ إِذَا قَتَلَ الْمُوصِي وَأُخِذَتِ الدِّيَةُ فَهَلْ تَدْخُلُ الدِّيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الدِّيَةَ تَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ. لَكِنْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ : تَدْخُلُ الْوَصِيَّةُ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ; لِأَنَّ دِيَةَ الْعَمْدِ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْمُوصِي. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الدِّيَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْوَصِيَّةِ. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الظَّاهِرِيَّةِ . الْأَدِلَّةُ: أَدِلَّةُ الرَّأْيِ الْأَوَّلِ: (196 ) 1 - مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: مَا أَرَى الدِّيَةَ إِلَّا لِلْعَصَبَةِ; لِأَنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ، فَهَلْ سَمِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ الْكِلَابِيُّ - وَكَانَ اسْتَعْمِلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْأَعْرَابِ - كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « أَنْ أُورِثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا » ، فَأَخَذَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- . وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ الرَّسُولَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ بِتَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ لِلْمَقْتُولِ أَوَّلًا، وَلِذَا أَضَافَهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ: دِيَةُ زَوْجِهَا، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إِلَى وَرَثَتِهِ، وَلَوْ كَانَتِ الدِّيَةُ تَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً لَمَا أَمَرَ الرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالتَّوْرِيثِ، بَلْ يَقُولُ: أَعْطِهَا حَقَّهَا مِنَ الدِّيَةِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ - : « فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِلْمَقْتُولِ، ثُمَّ تُنْقَلُ مِنْهُ إِلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ » . (197 ) 2 - مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا خَرَجَ مُسَافِرًا فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلْثِ مَالِهِ، فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ ، فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ ثُلْثَ الْمَالِ وَثُلْثَ الدِّيَةِ » . 3 - أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ نَفْسِهِ، وَنَفْسُهُ لَهُ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهُ. 4 - أَنَّ دِيَةَ أَطْرَافِهِ فِي حَالَةِ حَيَاتِهِ لَهُ، فَكَذَلِكَ دِيَةُ نَفْسِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. 5 - أَنَّ الْمَقْتُولَ أَسْقَطَ الدِّيَةَ عَنِ الْقَاتِلِ بَعْدَ جُرْحِهِ إِيَّاهُ كَانَ صَحِيحًا، وَلَيْسَ لَهُ إِسْقَاطُ حَقِّ الْوَرَثَةِ، فَدَلَّ أَنَّهَا تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ. 6 - أَنَّ الدِّيَةَ مَالٌ مَوْرُوثٌ عَنِ الْمَقْتُولِ بِالْإِجْمَاعِ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ أَمْوَالِهِ، وَحَيْثُ ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُنَفَّذُ مِنْهَا وَصَايَاهُ. أَدِلَّةُ الرَّأْيِ الثَّانِي: 1 - أَنَّ الدِّيَةَ سَبَبُهَا الْمَوْتُ، فَلَا يَجُوزُ وُجُوبُهَا قَبْلَهُ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبُهُ.وَنُوقِشَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ: بِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ يُنْزِلُ مَنْزِلَةَ مُسَبِّبِهِ وَهُوَ الْوُجُوبُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّبَبَ وُجِدَ فِي حَيَاتِهِ، وَهُوَ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ. 2 - أَنَّ الدِّيَةَ إِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِالْمَوْتِ تَزُولُ أَمْلَاكُ الْمَيِّتِ الثَّابِتَةُ لَهُ، فَكَيْفَ يَتَجَدَّدُ لَهُ مِلْكٌ؟. وَنُوقِشَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَزُولُ مِنْ أَمْلَاكِهِ مَا اسْتُغْنِيَ عَنْهُ، فَأَمَّا مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُهُ فَلَا. يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ تَجْهِيزَهُ مِنْهَا بِلَا نِزَاعٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَنْ نَصَبَ شَبَكَةً فَسَقَطَ فِيهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ بِحَيْثُ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُ ، وَيُجَهَّزُ، فَكَذَلِكَ دِيَتُهُ. 3 - أَنَّ الدِّيَةَ مَالٌ لِلْأَهْلِ حَدَثَ لَهُمْ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ، وَلَمْ يَرِثُوهُ قَطُّ عَنْهُ ; إِذْ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، فَمِنَ الْبَاطِلِ أَنْ يُنَفَذَّ مِنْهُ وَصِيَّتُهُ. وَيُنَاقَشُ هَذَا الدَّلِيلُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَرِثُوا الدِّيَةَ عَنْ مُوَرِّثِهِمْ; بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَ بِتَوْرِيثِ امْرَأَةِ أَشْيَمَ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَالدِّيَةُ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ نَفْسِهِ فَهُوَ أَحَقُّ أَنْ تُقْضَى مِنْهَا حَوَائِجُهُ مِنْ وَرَثَتِهِ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُجَهَّزُ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ. التَّرْجِيحُ: يَظْهَرُ لِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - رُجْحَانُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ; لِقُوَّةِ أَدِلَّتِهِ، وَلِضَعْفِ أَدِلَّةِ الْقَوْلِ الثَّانِي بِمَا وَرَدَ عَلَيْهَا مِنَ الْمُنَاقَشَةِ.

        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


        الخدمات العلمية