الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                                      التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                                                                      المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الْإِعْرَابُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالُوا سَلَامًا : قَالَ الْفَرَّاءُ: (السِّلْمُ) وَ (السَّلَامُ) بِمَعْنًى؛ مِثْلُ: (الْحِلُّ) وَ (الْحَلَالُ) . وَقِيلَ: (السَّلَامُ) : السَّلَامَةُ، وَ (السِّلْمُ) : الصُّلْحُ، وَالرَّفْعُ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ: أَمْرِي سَلَامٌ، وَنَحْوِهِ، أَوْ عَلَى مَعْنَى: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، إِذَا جُعِلَ بِمَعْنَى السَّلَامِ الَّذِي هُوَ التَّحِيَّةُ. فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ : فِي {لَبِثَ} -عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ- ضَمِيرُ اسْمِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَ {أَنْ} فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِسُقُوطِ الْجَارِّ. وَقِيلَ: (مَا) بِمَعْنَى: (الَّذِي) ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ؛ وَالتَّقْدِيرُ: فَالَّذِي لَبِثَ إِبْرَاهِيمُ قَدْرُ مَجِيئِهِ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَفِي {لَبِثَ} ضَمِيرُ الْفَاعِلِ؛ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: إِنَّ (مَا) نَافِيَةٌ، وَفِي {لَبِثَ} ضَمِيرُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: إِنَّ (مَا لَبِثَ) مَصْدَرٌ؛ وَالتَّقْدِيرُ: فَلُبْثُهُ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ؛ أَيْ: إِبْطَاؤُهُ؛ فَبَيْنَ الْإِبْطَاءِ، فَـ {أَنْ} عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى: فَمَا لَبِثَ مَجِيئُهُ؛ أَيْ: مَا أَبْطَأَ مَجِيئُهُ، فَـ {أَنْ} أَيْضًا فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَلَا ضَمِيرَ فِي {لَبِثَ}. وَفَتْحُ الْحَاءِ مِنْ {فَضَحِكَتْ} غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَقَوْلُهُ: وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ : مَنْ نَصَبَ؛ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى؛ التَّقْدِيرُ: وَهَبْنَا لَهَا إِسْحَاقَ، وَوَهَبْنَا لَهَا مِنْ وَرَائِهِ يَعْقُوبَ. وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ، وَالْأَخْفَشُ، وَأَبُو حَاتِمٍ: أَنْ يَكُونَ {يَعْقُوبَ} فِي مَوْضِعِ جَرٍّ؛ عَلَى مَعْنَى: وَبَشَّرْنَاهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ بِيَعْقُوبَ، وَلَمْ يُجِزْهُ سِيبَوَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجَارَّ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْرُورِ، وَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاوِ. وَمَنْ رَفَعَ؛ جَازَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءً مُؤَخَّرًا مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ؛ وَالْمَعْنَى: وَيَعْقُوبُ يَحْدُثُ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَعْمَلُ فِي وَمِنْ وَرَاءِ ؛ كَأَنَّ الْمَعْنَى: وَثَبَتَ لَهَا مِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ. وَقَوْلُهُ: وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا : {شَيْخًا}: حَالٌ، وَكَذَلِكَ الْجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ؛ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَأَنَا عَجُوزٌ ، وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِ الْإِشَارَةُ، أَوِ التَّنْبِيهُ، وَالْحَالُ مِنَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ؛ فَهُوَ كَقَوْلِكَ: (هَذَا زِيدٌ قَائِمًا)، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ بِذَلِكَ إِلَى تَعْرِيفِ مَنْ لَا يَعْرِفُ زَيْدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ: زِيدٌ مَا دَامَ قَائِمًا. وَرَفْعُ (شَيْخٍ) يَحْتَمِلُ عَلَى أَنْ يَكُونَ (هَذَا) ابْتِدَاءً، وَ {بَعْلِي}: خَبَرُهُ، وَ {شَيْخٌ}: خَبَرًا ثَانِيًا؛ كَأَنَّكَ قُلْتَ: هَذَا شَيْخٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ {بَعْلِي}: بَدَلًا مِنْ {هَذَا} ؛ [فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَعْلِي شَيْخٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ {بَعْلِي}: مُبَيِّنًا عَنْ {هَذَا} ؛ كَأَنَّهُ أَرَادَ: هَذَا شَيْخٌ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ هُوَ بِقَوْلِهِ: {بَعْلِي}. وَقَوْلُهُ: وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ : أَكْثَرُ مَا يَجِيءُ فِي جَوَابِ (لَمَّا) الْمَاضِي، وَالْمُضَارِعُ هَهُنَا حِكَايَةُ حَالٍ قَدْ مَضَتْ؛ فَالْمَعْنَى: أَخَذَ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ، فَلَمْ يَذْكُرْ (أَخَذَ) ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ كَلَامٍ يُخَاطَبُ بِهِ الْمُخَاطَبُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْحَالُ مَعْنَى (أَخَذَ). أَبُو عَلِيٍّ: إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ حَالًا مِنْ {إِبْرَاهِيمَ}، وَإِنْ شِئْتَ مِنْ ضَمِيرِهِ الَّذِي هُوَ الْهَاءُ فِي {جَاءَتْهُ}، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا؛ كَأَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا فَحَذَفَ (قُلْنَا) ؛ لِكَثْرَةِ حَذْفِ مِثْلِهِ فِي التَّنْزِيلِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِعُ وَقَعَ مَوْقِعَ الْمَاضِي. وَمَنْ قَرَأَ: {هُنَّ أَطْهَرَ لَكُمْ} ؛ بِالنَّصْبِ؛ فَوَجْهُهُ: أَنَّ {هُنَّ} خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، وَالْمُبْتَدَأُ {بَنَاتِي} ؛ فَهُوَ كَقَوْلِكَ: (زِيدٌ أَخُوكَ هُوَ)، وَيَكُونُ {أَطْهَرَ لَكُمْ} حَالًا مِنْ {هُنَّ}، أَوْ مِنْ {بَنَاتِي}، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الْإِشَارَةِ؛ كَقَوْلِكَ: (هَذَا زِيدٌ هُوَ قَائِمًا)، وَأَنْكَرَ سِيبَوَيْهِ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ، وَقَالَ فِيهَا: (احْتَبَى ابْنُ مَرْوَانَ فِي لَحْنِهِ) ؛ يَعْنِي: مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ جَعَلَ {هُنَّ} فَصْلًا، وَلَيْسَتْ مِنَ الْجُزْأَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ؛ أَعْنِي: هَؤُلَاءِ بَنَاتِي ؛ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِكَ: (كَانَ زَيْدٌ هُوَ الْقَائِمَ) ؛ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ قَبُحَتِ الْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ. وَالرَّفْعُ فِي {أَطْهَرُ} عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ : مَنْ نَصَبَ {آوِي} ؛ فَإِنَّهُ عَطَفَ {آوِيَ} عَلَى {قُوَّةً} ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ أُوِيًّا إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ؛ أَيْ: أَوْ أَنْ آوِيَ، فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ (أَنْ)، وَمِثْلُهُ قَوْلُ مَيْسُونَ بِنْتِ بِحَدْلٍ الْكَلْبِيَّةِ: [مِنَ الْوَافِرِ]. لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي [أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ فَنَصْبُ (وَتَقَرَّ عَيْنِي) ؛ عَلَى مَعْنَى: لَأَنْ أَلْبَسَ عَبَاءَةً وَتَقَرَّ عَيْنِي]. وَعَلَيْهِ مَا أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ: [مِنَ الطَّوِيلِ] فَلَوْلَا رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أَعِزَّةً وَآلُ سُبَيْعٍ أَوْ أَسُوءَكَ عَلْقَمًا التَّقْدِيرُ: أَوْ أَنْ أَسُوءَكَ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: أَوْ مَسَاءَتِي إِيَّاكَ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا امْرَأَتَكَ : مَنْ قَرَأَ بِالرَّفْعِ؛ فَعَلَى الْبَدَلِ مِنْ {أَحَدٌ}، فَهُوَ كَقَوْلِكَ: (لَا يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ)، فَالنَّهْيُ لِلُوطٍ، وَاللَّفْظُ لِغَيْرِهِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: انْهَهُمْ أَلَّا يَلْتَفِتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ، وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الرَّفْعَ عَلَى الْبَدَلِ، وَقَالَ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ {يَلْتَفِتْ}، وَيَكُونُ نَفْيًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَصِيرُ إِذَا أَبْدَلْتَ وَجَزَمْتَ {يَلْتَفِتْ}: أَنَّ الْمَرْأَةَ أُبِيحَ لَهَا الِالْتِفَاتُ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ. وَمِنْ نَصَبَ؛ فَعَلَى الِاسْتِثْنَاءِ؛ الْمَعْنَى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ. وَقَوْلُهُ: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ : مَنْ قَرَأَهُمَا بِالتَّاءِ؛ فَالْمَعْنَى: مَا تَشَاءُ أَنْتَ يَا شُعَيْبُ. وَمَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ؛ فَعَلَى مَعْنَى: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ نَحْنُ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، وَيَجُوزُ لِمَنْ قَرَأَهُمَا بِالتَّاءِ أَنْ يَعْطِفَ {أَوْ أَنْ تَفْعَلَ} ؛ عَلَى مَفْعُولِ {نَتْرُكَ} ؛ وَهُوَ {مَا}، أَوْ عَلَى مَفْعُولِ {تَأْمُرُكَ} ؛ وَهُوَ {أَنْ}. وَمَنْ قَرَأَ: {نَفْعَلَ} ؛ بِالنُّونِ، وَ {تَشَاءَ} ؛ بِالتَّاءِ؛ كَانَ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ مَعْطُوفًا عَلَى مَفْعُولِ {تَأْمُرُكَ} ؛ وَهُوَ {أَنْ}، [وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ قَرَأَهُمَا بِالنُّونِ أَنْ يَعْطِفَ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ عَلَى مَفْعُولِ {تَأْمُرُكَ} ؛ وَهُوَ {أَنْ} ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتَغَيَّرُ، وَإِنَّمَا يُعْطَفُ عَلَى مَفْعُولِ {نَتْرُكَ} ؛ وَهُوَ {مَا} ؛ فَالتَّقْدِيرُ: تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ، أَوْ تَأْمُرُكَ أَنْ نَفْعَلَ. وَمَنْ رَفَعَ {مِثْلُ} فِي قَوْلِهِ: أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ؛ فَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ (يُصِيبُ)، وَمِنْ نَصَبَ؛ فَعَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ التَّقْدِيرُ: أَنْ يُصِيبَكُمُ الْعَذَابُ إِصَابَةً مِثْلَ إِصَابَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. وَمَنْ ضَمَّ الْعَيْنَ مِنْ {بَعُدَتْ ثَمُودُ} ؛ فَهِيَ لُغَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَمَصْدَرُهَا الْبُعْدُ، وَ {بَعِدَتْ}: تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ خَاصَّةً؛ يُقَالُ: بَعِدَ يَبْعُدُ بُعْدًا، فَـ (الْبُعْدُ) عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ بِمَعْنَى: اللَّعْنَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ مَعْنَى اللُّغَتَيْنِ؛ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْمَعْنَى، فَيَكُونُ مِمَّا جَاءَ مَصْدَرُهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ؛ لِتَقَارُبِ الْمَعَانِي. * * *

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية