الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                                      التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                                                                      المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      التَّفْسِيرُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي: أَنَّهُ يَقْدُمُهُمْ إِلَى النَّارِ. وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ أَيْ: بِئْسَ مَا أَوْرَدَهُمْ. وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَقَوْلُهُ: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أَيْ: أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمُ اللَّعْنَةَ بَدَلًا مِنَ الْعَطِيَّةِ، وَ {الرِّفْدُ}: الْمَعُونَةُ؛ وَالتَّقْدِيرُ: بِئْسَ الرِّفْدُ رِفْدُ الْمَرْفُودِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ : قَالَ قَتَادَةُ: (الْقَائِمُ): مَا كَانَ خَاوِيًا عَلَى عُرُوشِهِ، وَ (الْحَصِيدُ): مَا لَا أَثَرَ لَهُ. وَقِيلَ: (الْقَائِمُ): الْعَامِرُ، وَ (الْحَصِيدُ): الْخَرَابُ. وَالْإِشَارَةُ بِـ {ذَلِكَ} إِلَى (النَّبَأِ) ؛ وَالْمَعْنَى: ذَلِكَ النَّبَأُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى. وَقَوْلُهُ: وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ : (التَّتْبِيبُ): التَّخْسِيرُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ أَيْ: وَمِثْلُ أَخْذِ هَذِهِ الْقُرَى الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا أَخْذُ رَبِّكَ. وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَعْنَى {مَشْهُودٌ}: يَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْنِي: لَا تَكَلَّمُ بِحُجَّةٍ وَلَا شَفَاعَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي نَحْوِ هَذَا. وَقَوْلُهُ: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ : الضَّمِيرُ فِي {فَمِنْهُمْ} لِجَمِيعِ الْخَلْقِ؛ وَالْمَعْنَى: فَمِنَ النُّفُوسِ الَّتِي لَا تَتَكَلَّمُ إِلَّا بِإِذْنِهِ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ : (الزَّفِيرُ): تَرْدِيدُ النَّفَسِ مَعَ الصَّوْتِ مِنَ الْحُزْنِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الشِّدَّةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ لِلشَّدِيدِ الْخَلْقِ: (مَزْفُورٌ). (وَالشَّهِيقُ): صَوْتٌ يَخْرُجُ مِنَ الْجَوْفِ بِامْتِدَادِ النَّفَسِ، وَأَصْلُهُ: الطُّولُ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: (جَبَلٌ شَاهِقٌ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَى زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ : صَوْتٌ شَدِيدٌ، وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ. أَبُو الْعَالِيَةِ: (الزَّفِيرُ): فِي الْحَلْقِ، وَ (الشَّهِيقُ): فِي الصَّدْرِ، وَعَنْهُ أَيْضًا ضِدُّ ذَلِكَ. وَقِيلَ: (الزَّفِيرُ): أَوَّلُ نُهَاقِ الْحِمَارِ، وَ (الشَّهِيقُ): آخِرُهُ، عَنْ قَتَادَةَ، وَقَالَ: هُوَ صَوْتُ الْكَافِرِ فِي النَّارِ. وَقَوْلُهُ: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ : قِيلَ: مَعْنَاهُ: أَبَدًا، فَهُوَ خِطَابٌ لِلْخَلْقِ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ تُبَدَّلَانِ؛ فَتَكُونُ الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ، وَتَكُونُ النَّارُ فِي الْأَرْضِ، وَيَخْلُدُونَ مَا دَامَ ذَلِكَ، وَهُوَ دَائِمٌ أَبَدًا لَا يَنْقَطِعُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ أَصْلُهُ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ، وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي الْآخِرَةِ تُرَدَّانِ إِلَى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ؛ فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُورِ الْعَرْشِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ : قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّأْوِيلِ: يَعْنِي: مِنَ الزِّيَادَةِ فِي عَذَابِهِمْ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ، وَالْحَيَّاتِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ مُقَامِهِمْ فِي الْقُبُورِ. وَقِيلَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ وُقُوفِهِمْ لِلْحِسَابِ. وَقِيلَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنْ خُرُوجِ مَنْ يَخْرُجُ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَـ {مَا} عَلَى هَذَا بِمَعْنَى: (مَنْ). وَقِيلَ: الْمَعْنَى: سِوَى مَا شَاءَ رَبُّكَ مِنَ الْخُلُودِ وَالْحَيَاةِ، وَمِثْلُهُ مَا حَكَاهُ الْكُوفِيُّونَ مِنْ قَوْلِهِمْ: (لَكَ عِنْدِي أَلْفٌ إِلَّا أَلْفَيْنِ) ؛ أَيْ: سِوَى أَلْفَيْنِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِمَّا يَسْبِقُهُمْ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنْ دُخُولِ النَّارِ؛ لِأَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا زُمْرَةً بَعْدَ زُمْرَةٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا)، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ فَخَاطَبَهُمْ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ؛ كَمَا قَالَ: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الْفَتْحُ: 27]. فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فِي خَبَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِجَمِيعِ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ خُرُوجِ مَنْ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، [فَأَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: اسْتُثْنِيَ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ فِي النَّارِ حَتَّى يَخْرُجَ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هُمُ الَّذِينَ سُعِدُوا؛ فَهُمْ أَشْقِيَاءُ حِينَ كَوْنِهِمْ فِي النَّارِ، وَسُعِدُوا إِذَا أُخْرِجُوا مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: إِنَّ {إِلَّا} بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ وَالْمَعْنَى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا شَاءَ رَبُّكَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [مِنَ الْوَافِرِ] وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ فَـ {إِلَّا} بِمَعْنَى الْوَاوِ]. وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ زِيَادَةِ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الْعَذَابِ يَكُونُ زِيَادَةً لِأَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالثَّوَابِ. وَقَوْلُهُ: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أَيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ أَيْ: فَلَا تَكُ فِي شَكٍّ مِنَ الْآلِهَةِ الَّتِي يَعْبُدُهَا الْمُشْرِكُونَ أَنَّهَا بَاطِلٌ. وَقَوْلُهُ: وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ أَيْ: مَا كُتِبَ لَهُمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ الْعَذَابِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية