الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                                      التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                                                                      المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَقَوْلُهُ: وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا : قِيلَ: (الْآيَاتُ) : الْعِبَرُ، وَقِيلَ: يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمَوْتُ الذَّرِيعُ. وَقَوْلُهُ: وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ أَيْ: عَصَمَكَ مِنْهُمْ، عَنِ الْحَسَنِ. وَقَوْلُهُ: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ يَعْنِي: مَا أَرَاهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ: كَانَتْ رُؤْيَا يَقَظَةٍ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ النَّاسَ فُتِنُوا بِهَا، وَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَا نَوْمٍ; لَمْ يُفْتَنُوا بِهَا; إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يُرَى فِي النَّوْمِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى فِي الْيَقَظَةِ; فَلَا يُسْتَبْشَعُ، وَمَا كَانَتْ تَكُونُ فِيهَا آيَةٌ; إِذْ قَدْ يَرَى غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ فِي النَّوْمِ مِثْلَهَا. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهَا رُؤْيَا نَوْمٍ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ مُخَالِفَةٌ لِرُؤْيَا غَيْرِهِمْ; لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ تَنَامُ عُيُونُهُمْ، وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: أَنَّ مَعْنَى {الرُّؤْيَا} هَهُنَا لَيْسَ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ; وَإِنَّمَا هِيَ رُؤْيَا رَآهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأَى بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ; فَعَجَّلَ إِلَيْهَا قَبْلَ الْأَجَلِ; فَرَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ; فَافْتَتَنَ بِهِ الْمُرْتَابُونَ. وَقَوْلُهُ: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمَا: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ; وَالْمَعْنَى: الْمَلْعُونُ آكِلُهَا، وَكَانَتْ فِتْنَتُهُمْ بِهَا قَوْلَ أَبِي جَهْلٍ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: إِنَّ جَهَنَّمَ تَأْكُلُ الْحِجَارَةَ، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا تُنْبِتُ الشَّجَرُ! وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعَامٍ مَكْرُوهٍ: (مَلْعُونٌ) . وَقَوْلُهُ: {وَنُخَوِّفُهُمْ} أَيْ: بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ، وَشِبْهِهَا مِنَ الْعَذَابِ، فَمَا يَزِيدُهُمْ التَّخْوِيفُ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا أَيْ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ: لِمَ فَضَّلْتَهُ وَقَدْ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ؟ فَحُذِفَ لِعِلْمِ السَّامِعِ. وَمَعْنَى {لَأَحْتَنِكَنَّ} فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَأَسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ، مُجَاهِدٌ: لَأَحْتَوِيَنَّهُمْ، ابْنُ زَيْدٍ: لَأُضِلَّنَّهُمْ، وَرُوِيَ عَنِ الْعَرَبِ: (احْتَنَكَ الْجَرَادُ الزَّرْعَ) ; إِذَا ذَهَبَ بِهِ كُلِّهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لَأَسُوقَنَّهُمْ كَيْفَ شِئْتُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: (حَنَكَ الدَّابَّةَ يَحْنِكُهَا) ; إِذَا رَبَطَ حَبْلًا فِي حَنَكِهَا الْأَسْفَلِ وَسَاقَهَا، وَحُكِيَ: (أَحْنَكْتُهَا) بِمَعْنَى: (حَنَكْتُهَا) . وَقَوْلُهُ: جَزَاءً مَوْفُورًا أَيْ: وَافِرًا، عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ. وَإِنَّمَا ظَنَّ إِبْلِيسُ هَذَا الظَّنَّ; لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ مِنْ خَبَرِ الْخَلِيفَةِ الَّذِي يُجْعَلُ فِي الْأَرْضِ وَذُرِّيَّتِهِ، قَالَ الْحَسَنُ: ظَنَّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ وَسْوَسَ إِلَى آدَمَ; فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ أَيِ: اسْتَزِلَّ وَاسْتَخِفَّ، وَأَصْلُهُ: الْقَطْعُ، وَمِنْهُ: (تَفَزَّزَ الثَّوْبُ) ; إِذَا انْقَطَعَ; وَالْمَعْنَى: اسْتَزِلَّهُ بِقَطْعِكَ إِيَّاهُ عَنِ الْحَقِّ. وَ (صَوْتُهُ) : كُلُّ دَاعٍ دَعَا إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. مُجَاهِدٌ: الْغِنَاءُ، وَالْمَزَامِيرُ، وَاللَّهْوُ. وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ أَيِ: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ مَكَايِدِكَ، وَأَصْلُ (الْإِجْلَابِ) : السَّوْقُ بِجَلَبَةٍ مِنَ السَّائِقِ، وَ (الرَّجْلُ) : جَمْعُ (رَاجِلٍ) . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ أَيْ: [بِالسَّائِبَةِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا، وَمُشَارَكَتُهُ فِي الْأَوْلَادِ]: تَسْمِيَتُهُمْ عَبْدَ الْحَارِثِ، وَعَبْدَ الْعُزَّى، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنْهُ أَيْضًا: أَنَّ مُشَارَكَتَهُ فِي الْأَوْلَادِ: الْمَوْءُودَةُ. الْحَسَنُ: (مُشَارَكَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ) : مَا أَنْفَقُوهُ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَ (فِي الْأَوْلَادِ) : مَنْ هَوَّدُوهُ، وَمَنْ نَصَّرُوهُ. وَقِيلَ: (الْمُشَارَكَةُ فِي الْأَمْوَالِ) : مَا اكْتَسَبُوهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ، وَقِيلَ: مَا ذَبَحُوهُ لِآلِهَتِهِمْ. وَقِيلَ: (مُشَارَكَتُهُ فِي الْأَوْلَادِ) : أَوْلَادُ الزِّنَا. {وَعِدْهُمْ} ; أَيْ: وَعِدْهُمُ النُّصْرَةَ عَلَى مَنْ أَرَادَهُمْ بِسُوءٍ. وَهَذَا الْأَمْرُ لِلشَّيْطَانِ تَهَدُّدٌ وَوَعِيدٌ لَهُ، وَقِيلَ: اسْتِخْفَافٌ بِهِ وَبِمَنِ اتَّبَعَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ أَيْ: يُجْرِيهَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِهِمَا، وَأَصْلُهُ: السَّوْقُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، وَجَاءَ هَذَا كُلُّهُ بِإِثْرِ قَوْلِهِ: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ; فَالْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ يَبْعَثُكُمْ، كَمَا قَدَرَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا. وَقَوْلُهُ: وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ : هَذَا خِطَابٌ لِلْمُشْرِكِينَ; فَمَعْنَى {أَعْرَضْتُمْ} أَيْ: أَعْرَضْتُمْ عَنِ الَّذِي نَجَّاكُمْ، وَرَجَعْتُمْ إِلَى شِرْكِكُمْ. وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا يَعْنِي: رَحْمَةَ الدُّنْيَا. وَقَوْلُهُ: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَيْ: كَمَا خَسَفَ بِقَوْمِ لُوطٍ، وَقَارُونَ. أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا يَعْنِي: رِيحًا شَدِيدَةً، وَهِيَ الَّتِي تَرْمِي بِالْحَصْبَاءِ; وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ تَحْصِبُهُمْ; كَمَا فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ. أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى يَعْنِي: فِي الْبَحْرِ. فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ : (الْقَاصِفُ) : الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَكْسِرُ بِشِدَّةٍ. ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا أَيْ: لَا يَتْبَعُنَا بِذَلِكَ أَحَدٌ يَنْتَصِرُ لَكُمْ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ أَيْ: فَضَّلْنَاهُمْ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: فُضِّلُوا بِأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ بِأَيْدِيهِمْ، بِخِلَافِ الْبَهَائِمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فُضِّلُوا بِالْفَهْمِ وَالتَّمْيِيزِ، وَقِيلَ: فُضِّلَ ابْنُ آدَمَ بِمَشْيِهِ قَائِمًا. وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَيْ: طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا : احْتَجَّ بِهَذَا مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْآدَمِيِّينَ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ النَّبِيُّ أَفْضَلَ مِنَ الْمَلَكِ، لَقَالَ: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كُلِّ مَنْ خَلَقْنَا.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية