الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 2703 بَابُ تَخْيِيرِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : (بَابُ بَيَانِ أَنَّ تَخْيِيرَهُ امْرَأَتَهُ، لَا يَكُونُ طَلَاقًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ) وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى: (بَابُ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَاتِ، إِذَا نَوَاهُ بِهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ) . حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيُّ ص 80 - 81 جـ 10 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا، قَالَ: فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ: فَقُلْنَ: وَاللَّهِ! لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ حَتَّى بَلَغَ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ. قَالَتْ؛ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ: لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا ]. السراج الوهاج (الشَّرْحُ) (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ وَسَلَّمَ، (فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَمْ يُؤْذِنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأَذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فَدَخَلَ ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا) بِالْجِيمِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ الَّذِي اشْتَدَّ حُزْنُهُ، حَتَّى أَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ. يُقَالُ: "وَجَمَ" بِفَتْحِ الْجِيمِ "وُجُومًا" (سَاكِتًا. قَالَ: فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ) . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: (يُضْحِكُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ) . وَفِيهِ: اسْتِحْبَابُ مِثْلِ هَذَا، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا رَأَى صَاحِبَهُ مَهْمُومًا حَزِينًا، يُسْتَحَبُّ لَهُ: أَنْ يُحَدِّثَهُ بِمَا يُضْحِكُهُ، أَوْ يَشْغَلُهُ وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ. وَفِيهِ: فَضِيلَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ. "قَالَهُ النَّوَوِيُّ ". وَفَضِيلَةُ عُمْرِ أَيْضًا. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ ! سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا) بِالْجِيمِ وَبِالْهَمْزَةِ. يُقَالُ: "وَجَأَ يَجَأُ": إِذَا طَعَنَ. (فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ. وَقَالَ: "هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ"، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا. وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا. كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟ قُلْنَ: وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ شَيْئًا أَبَدًا، لَيْسَ عِنْدَهُ. ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا، أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ. ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ } (حَتَّى بَلَغَ { لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ. فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ، حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ". ظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِ، فِي جَوَابِ التَّخْيِيرِ. لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ، إِلَّا أَنْ يَقَعَ التَّصْرِيحُ مِنَ الزَّوْجِ بِالْفُسْحَةِ لِأَمْرٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَيَتَرَاخَى. كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ خِيَارٍ كَذَلِكَ. انْتَهَى. (قَالَتْ: وَمَا هُوَ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَتَلَا عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَسْتَشِيرُ أَبَوِيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. وَأَسْأَلُكَ: أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ. قَالَ: "لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ، إِلَّا أَخْبَرْتُهَا. إِنَّ اللَّهَ) تَعَالَى (لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا. وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا". فِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَائِشَةَ، ثُمَّ لِسَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ". وَفِيهِ: الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْخَيْرِ، وَإِيثَارُ أُمُورِ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا. وَفِيهِ: نَصِيحَةُ الْإِنْسَانِ صَاحِبَهُ، وَتَقَدُّمُهُ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذِهِ الْمُنَافَسَةُ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلِمُطْلَقِ الْعِشْرَةِ، وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ وَحُظُوظِهَا، الَّتِي تَكُونُ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ، بَلْ هِيَ مُنَافَسَةٌ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَالْقُرْبِ مِنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَالرَّغْبَةِ فِيهِ، وَفِي خِدْمَتِهِ، وَمُعَاشَرَتِهِ، وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْهُ، وَفِي قَضَاءِ حُقُوقِهِ وَحَوَائِجِهِ، وَتَوَقُّعِ نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَالْوَحْيِ عَلَيْهِ عِنْدَهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَقَعُ بِالتَّخْيِيرِ شَيْءٌ، إِذَا اخْتَارَتِ الزَّوْجَ. وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا; هَلْ يَقَعُ طَلْقَةً وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً، أَوْ بَائِنَةً، أَوْ يَقَعُ ثَلَاثًا؟ فَعَنْ عَلِيٍّ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا: وَاحِدَةً بَائِنَةً. وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا: فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: ثَلَاثٌ إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا. وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا: فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ. وَعَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا: فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ. وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا: فَلَا شَيْءَ. وَبِهَذَا أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ. قَالَ الْحَافِظُ: لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ، لَا يَكُونُ طَلَاقًا. بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ. لِأَنَّ فِيهَا: { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ } ، أَيْ: بَعْدَ الِاخْتِيَارِ. وَدَلَالَةٌ الْمَنْطُوقِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَفْهُومِ. وَالتَّخْيِيرُ تَمْلِيكٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ - بِشَرْطِ الْمُبَادَرَةِ مِنْهَا - وَفِي قَوْلٍ: لَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ مَا دَامَ الْمَجْلِسُ. وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية