الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 3295 بَابُ إِعْطَاءِ الْقَاتِلِ سَلَبَ الْمَقْتُولِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : ( بَابُ اسْتِحْقَاقِ الْقَاتِلِ سَلَبَ الْقَتِيلِ) . وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى: (بَابُ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخْمُوسٍ) . حَدِيثُ الْبَابِ وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ \ النَّوَوِيُّ ص 57 - 61 جـ 12 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [ وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ ، وَحَرْمَلَةُ (وَاللَّفْظُ لَهُ)، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ (مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ )، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ . فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ . قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ، حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ . وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً، وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ . ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي . فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ اللَّهِ. ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا . وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ : "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ: فَلَهُ سَلَبُهُ" . قَالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ . ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ، الثَّالِثَةَ. فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ! " فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي. فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : لَا هَا اللَّهِ! إِذًا، لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَدَقَ. فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ" فَأَعْطَانِي. قَالَ: فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ ] . وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَلَّا، لَا يُعْطِيهِ أُضَيْبِعَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَيَدَعُ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ ] . السراج الوهاج (الشَّرْحُ) (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ. فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ. أَيْ: حَرَكَةٌ، فِيهَا اخْتِلَاطٌ. وَهَذِهِ الْجَوْلَةُ كَانَتْ قَبْلَ الْهَزِيمَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ : "جَوْلَةٌ"، أَيِ انْهِزَامٌ وَخِيفَةٌ، ذَهَبُوا فِيهَا. وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضِ الْجَيْشِ. وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَطَائِفَةٌ مَعَهُ: فَلَمْ يُوَلُّوا، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِذَلِكَ مَشْهُورَةٌ. وَقَدْ نَقَلُوا إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: انْهَزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ قَطُّ: أَنَّهُ انْهَزَمَ بِنَفْسِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فِي مَوْطِنٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ. بَلْ ثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِإِقْدَامِهِ وَثَبَاتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فِي جَمِيعِ الْمُوَاطِنِ. انْتَهَى. (قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) . يَعْنِي: ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَأَشْرَفَ عَلَى قَتْلِهِ. أَوْ صَرَعَهُ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ لِقَتْلِهِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمَيْهِمَا. (فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ، حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ، فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ) هُوَ مَا بَيْنَ الْعُنُقِ وَالْكَتِفِ. قَالَ فِي النَّيْلِ: " حَبْلُ الْعَاتِقِ ": عَصَبُهُ. " وَالْعَاتِقُ ": مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِنَ الْمَنْكِبِ. (وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً، وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ) أَيْ: شِدَّةٌ كَشِدَّةِ الْمَوْتِ. أَوْ قَارَبَتِ الْمَوْتَ. وَأَشْعَرَ ذَلِكَ: بِأَنَّ هَذَا الْمُشْرِكَ، كَانَ شَدِيدَ الْقُوَّةِ جِدًّا. (ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي) أَيْ: أَطْلَقَنِي. (فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . فِي السِّيَاقِ: حَذْفٌ تُبَيِّنُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى، مِنْ حَدِيثِهِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ، بِلَفْظِ: "ثُمَّ قَتَلْتُهُ. وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَانْهَزَمَتْ مَعَهُمْ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَخْ ". فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) أَيْ: حُكْمُ اللَّهِ وَمَا قَضَى بِهِ. (ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ ") . " السَّلَبُ " بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ، بَعْدَهَا مُوَحَّدَةً: هُوَ مَا يُوجَدُ مَعَ الْمُحَارِبِ، مِنْ مَلْبُوسٍ وَغَيْرِهِ، عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا تَدْخُلُ فِيهِ الدَّابَّةُ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ: يَخْتَصُّ بِأَدَاةِ الْحَرْبِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ، فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو ثَوْرٍ؛ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَغَيْرُهُمْ: يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ سَلَبَ الْقَتِيلِ؛ فِي جَمِيعِ الْحُرُوبِ. سَوَاءٌ قَالَ أَمِيرُ الْجَيْشِ قَبْلَ ذَلِكَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، أَمْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ. قَالُوا: وَهَذِهِ فَتْوَى مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَإِخْبَارٌ عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ، فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَوْلِ أَحَدٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمَالِكِيَّةُ: لَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ سَلَبَ الْقَتِيلِ. بَلْ هُوَ لِجَمِيعِ الْغَانِمِينَ، كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ. إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْأَمِيرُ قَبْلَ الْقِتَالِ: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ". وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا. وَجَعَلُوا هَذَا إِطْلَاقًا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ بِفَتْوَى. وَإِخْبَارٌ عَامٌّ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ضَعِيفٌ. لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا، بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْقِتَالِ، وَاجْتِمَاعِ الْغَنَائِمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ إِنَّ الشَّافِعِيَّ، يُشْتَرَطُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ: أَنْ يَتَفَرَّدَ بِنَفْسِهِ، فِي قَتْلِ كَافِرٍ مُمْتَنِعٍ فِي حَالِ الْقِتَالِ. وَالْأَصَحُّ. أَنَّ الْقَاتِلَ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ رَضْخٌ وَلَا سَهْمَ لَهُ، كَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ: اسْتَحَقَّ السَّلَبَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا الْمُقَاتِلُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّامِيُّونَ: لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ، إِلَّا فِي قَتِيلٍ قَتَلَهُ قَبْلَ الْتِحَامِ الْحَرْبِ. فَأَمَّا مَنْ قُتِلَ فِي الْتِحَامِ الْحَرْبِ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْمِيسِ السَّلَبِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَا يُخَمَّسُ. وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَآخَرُونَ. وَقَالَ مَكْحُولٌ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُخَمَّسُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ رَاهَوَيْهِ: يُخَمَّسُ، إِذَا كَثُرَ. وَاخْتَارَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي: أَنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ؛ إِنْ شَاءَ خَمَّسَهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَخْمِيسِ السَّلَبِ: بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ) فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ شَيْئًا. وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: " إِنَّهُ لَا خُمْسَ فِيهِ ": بِحَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَخَالِدٍ، وَحَدِيثِ الْبَابِ. وَجَعَلُوهَا مُخَصَّصَةً لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَهُوَ الصَّوَابُ. وَفِي قَوْلِهِ: " لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ ": تَصْرِيحٌ بِالدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ السَّلَبَ، لَا يُعْطَى إِلَّا لِمَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُعْطَى بِقَوْلِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ. لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ السَّلَبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُحَلِّفْهُ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ أَنَّهُ الْقَاتِلُ، بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَا تُلْغَى. وَقَدْ يَقُولُ الْمَالِكِيُّ: هَذَا مَفْهُومٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ. وَيُجَابُ بُقُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى " الْحَدِيثَ. فَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ، هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي دَلِيلِ الشَّافِعِيِّ. وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُهُمْ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ، إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِإِقْرَارِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، فَضَعِيفٌ. لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إِنَّمَا يَنْفَعُ، إِذَا كَانَ الْمَالُ مَنْسُوبًا إِلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ. وَالْمَالُ هُنَا مَنْسُوبٌ إِلَى جَمِيعِ الْجَيْشِ، وَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَاقِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (قَالَ: فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: فَقُمْتُ، مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ، الثَّالِثَةَ. قَالَ: فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ: " مَا لَكَ ؟ يَا أَبَا قَتَادَةَ ! فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ! " سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي. فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (لَاهَا اللَّهِ ! إِذًا) هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْمُحْدَثِينَ وَغَيْرِهِمْ: "لَاهَا اللَّهِ إِذًا " بِالْأَلِفِ وَأَنْكَرَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ وَقَالُوا: هُوَ تَغْيِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ. وَصَوَابُهُ: "لَاهَا اللَّهِ ذَا " بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ. قَالُوا: "وَهَا " مَعْنَى الْوَاوِ الَّتِي يُقْسَمُ بِهَا. فَكَأَنَّهُ قَالَ: " لَا وَاللَّهِ ! ذَا ". قَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْنَاهُ: "لَاهَا اللَّهِ ذَا يَمِينِي " أَوْ ذَا قَسَمِي. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: "ذَا" زَائِدَةٌ. وَفِي "هَا"، لُغَتَانِ: الْمَدُّ، وَالْقَصْرُ. قَالُوا: وَيَلْزَمُ الْجَرُّ بَعْدَ " هَا " كَمَا يَلْزَمُ بَعْدَ الْوَاوِ. قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. فَلَا يُقَالُ: "لَاهَا وَاللَّهِ ". وَقَدْ أَطَالَ فِي النَّيْلِ، فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، إِلَى وَرَقَةٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّاجِحَ: أَنَّ "إِذَا " الْوَاقِعَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا شَابَهَهَا: حَرْفُ جَوَابٍ وَجَزَاءٍ. وَالتَّقْدِيرُ: "لَا وَاللَّهِ ! حِينَئِذٍ ". ثُمَّ أَرَادَ بَيَانَ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: (لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ) . أَيْ: لَا يَقْصِدُ رَسُولُ اللَّهِ، إِلَى رَجُلٍ كَأَنَّهُ أَسَدٌ فِي الشَّجَاعَةِ. وَضَبَطُوهُ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ. وَكَذَا قَوْلُهُ بَعْدَهُ " فَيُعْطِيكَ " بِالْيَاءِ وَالنُّونِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَكِلَاهُمَا ظَاهِرٌ. (يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَآلِهِ (وَسَلَّمَ) . أَيْ: يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ وَشَرِيعَةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَلِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا. (فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ) . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي إِفْتَائِهِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتِدْلَالِهِ لِذَلِكَ، وَتَصْدِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ. وَفِيهِ: مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي قَتَادَةَ. فَإِنَّهُ سَمَّاهُ: أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ تَعَالَى، يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ. وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ جَلِيلَةٌ مِنْ مَنَاقِبِهِ. وَفِيهِ: أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ، لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَلَكَهُ. فَقَالَ: " يُعْطِيكَ سَلَبَهُ ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ. فَأَعْطَانِي. قَالَ: فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا، فِي بَنِي سَلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ. وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، مِنْ قَوْمِ أَبِي قَتَادَةَ. " وَالْمَخْرَفُ"، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ عِيَاضٌ : رُوِّينَاهُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ. كَالْمَسْجِدِ وَالْمَسْكِنِ، بِكَسْرِ الْكَافِ. وَالْمُرَادُ " بِالْمَخْرَفِ " هُنَا: الْبُسْتَانُ. وَقِيلَ: السِّكَّةُ مِنَ النَّخْلِ، تَكُونُ صَفَّيْنِ. يَخْرِفُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ. أَيْ: يَجْتَنِي. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: هِيَ الْجَنِينَةُ الصَّغِيرَةُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ نَخْلَاتٌ يَسِيرَةٌ. وَأَمَّا " الْمِخْرَفُ"، بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، فَهُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ مَا يُجْتَنَى مِنَ الثِّمَارِ. وَيُقَالُ: " اخْتَرَفَ الثَّمَرَ ": إِذَا جَنَاهُ، وَهُوَ ثَمَرٌ مَخْرُوفٌ. ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ: " حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ. وَأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ سَبْعَ أَوَاقٍ. (فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ) . هُوَ بِالثَّاءِ بَعْدَ الْأَلْفِ. أَيِ اقْتَنَيْتُهُ وَتَأَصَّلْتُهُ. وَأَثْلَةُ الشَّيْءِ: أَصْلُهُ. تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ " الْجُزْءُ السَّادِسُ " وَيَلِيهِ الْجُزْءُ السَّابِعُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَوَّلُهُ بَابُ (إِعْطَاءِ السَّلَبِ بَعْضَ الْقَاتِلِينَ بِالِاجْتِهَادِ) .

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية