الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 1475 (بَابٌ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْعِيدَيْنِ) وَهُوَ فِي النَّوَوِيِّ فِي: (كِتَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) . (حَدِيثُ الْبَابِ) وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ النَّوَوِيُّ ص 179-180 ج6 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ [عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: "الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ" . فَأَمَّا الْحُيَّضُ، فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ. وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا" .] السراج الوهاج (الشَّرْحُ) (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا"، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطَرِ، وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقُ) جَمْعُ: "عَاتِقٍ". وَهِيَ الْجَارِيَةُ الْبَالِغَةُ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : هِيَ الَّتِي قَارَبَتِ الْبُلُوغَ. قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ تَبْلُغَ، إِلَى أَنْ تُعَنِّسَ، مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ. " وَالتَّعْنِيسُ ": طُولُ الْمَقَامِ (فِي بَيْتِ أَبِيهَا) بِلَا زَوْجٍ، حَتَّى تَطْعَنَ فِي السِّنِّ. قَالُوا: سُمِّيَتْ "عَاتِقًا"؛ لِأَنَّهَا: عُتِقَتْ مِنَ امْتِهَانِهَا فِي الْخِدْمَةِ، وَالْخُرُوجِ فِي الْحَوَائِجِ. وَقِيلَ: قَارَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ، فَتُعْتَقَ مِنْ قَهْرِ أَبَوَيْهَا، وَأَهْلِهَا، وَتَسْتَقِلَّ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا. "وَالْحُيَّضُ" جَمْعُ: حَائِضٍ. "وَذَوَاتُ الْخُدُورِ"، أَيِ: الْبُيُوتُ. وَقِيلَ: "الْخِدْرُ": سِتْرٌ، يَكُونُ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: "وَالْمُخَبَّأَةُ ". وَهِيَ بِمَعْنَى: ذَاتِ الْخِدْرِ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ النِّسَاءِ، غَيْرُ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ، وَالْمُسْتَحْسَنَاتُ، فِي الْعِيدَيْنِ. دُونَ غَيْرِهِنَّ. وَأَجَابُوا عَنْ إِخْرَاجِ ذَوَاتِ الْخُدُورِ وَالْمُخَبَّأَةِ: بِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، كَانَتْ مَأْمُونَةً، بِخِلَافِ الْيَوْمِ. وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ : ( لَوْ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ، لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَإِنِّي لَا أَرْضَى بِهَذَا الْفَرْعِ، فَإِنَّهُ يُخَالِفُ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ. وَالْفِتْنَةُ مُحْتَمَلَةٌ فِي الْبَيْتِ أَيْضًا، وَغَيْرُ مُحْتَمَلَةٍ فِي الْإِخْرَاجِ وَالْخُرُوجِ. وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، بِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَالْمُصَلَّى. فَلَوْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي عَدَمِهِ، لَنَبَّهَ عَلَيْهِ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ وَالْفِعْلِ. وَلَيْسَ فِيمَا فَهِمَتْهُ عَائِشَةُ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) وَرَأَتْهُ، حُجَّةٌ. وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الرِّوَايَةِ، دُونَ الرَّأْيِ. كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ. قَالَ عِيَاضٌ : وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي خُرُوجِهِنَّ لِلْعِيدَيْنِ؛ فَرَأَى جَمَاعَةٌ ذَلِكَ: حَقًّا عَلَيْهِنَّ. مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُنَّ ذَلِكَ. مِنْهُمْ: عُرْوَةُ، وَالْقَاسِمُ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ . وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مَرَّةً. وَمَنَعَهُ مَرَّةً. انْتَهَى. وَالرَّاجِحُ الصَّحِيحُ: هُوَ الْخُرُوجُ. (فَأَمَّا الْحُيَّضُ، فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ) . فِيهِ: مَنْعُ الْحُيَّضِ مِنَ الْمُصَلَّى. وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْمَنْعِ؛ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ مَنْعُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ. وَسَبَبُهُ: الصِّيَانَةُ وَالِاحْتِرَازُ، مِنْ مُقَارَنَةِ النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا صَلَاةٍ. وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَسْجِدًا. وَقِيلَ: يَحْرُمُ الْمُكْثُ فِي الْمُصَلَّى (عَلَى الْحَائِضِ) ، كَمَا يَحْرُمُ مُكْثُهَا فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ: مَوْضِعٌ لِلصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ الْمَسْجِدَ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ. (وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ) . فِيهِ: اسْتِحْبَابُ حُضُورِ مَجَامِعِ الْخَيْرِ، وَدُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَحِلَقِ الذِّكْرِ، وَالْعِلْمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِحْدَانَا، لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ) . قَالَ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٌ : هُوَ ثَوْبٌ، أَقْصَرُ وَأَعْرَضُ مِنَ الْخِمَارِ. وَهِيَ "الْمَقْنَعَةُ" تُغَطِّي بِهَا الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا. وَقِيلَ: هُوَ ثَوْبٌ وَاسِعٌ، دُونَ الرِّدَاءِ. تُغَطِّي بِهِ صَدْرَهَا، وَظَهْرَهَا. وَقِيلَ: هُوَ كَالْمِلَاءَةِ، وَالْمِلْحَفَةِ. وَقِيلَ: هُوَ الْإِزَارُ. وَقِيلَ: الْخِمَارُ. (قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا ") . الصَّحِيحُ: أَنَّ مَعْنَاهُ: لِتُلْبِسْهَا "جِلْبَابًا"، لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَارِيَةٍ. وَفِيهِ: الْحَثُّ (عَلَى حُضُورِ الْعِيدِ) لِكُلِّ أَحَدٍ. وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ. وَفِيهِ: الْحَثُّ عَلَى الْمُوَاسَاةِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهَا "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا": (كُنَّا نُؤْمَرُ "بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ"، وَالْمُخَبَّأَةُ، وَالْبِكْرُ. قَالَ: "الْحُيَّضُ" يَخْرُجْنَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ. يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ) . وَفِي هَذَا: دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْبِيرِ، لِكُلِّ أَحَدٍ، فِي الْعِيدَيْنِ. قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَيُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ: لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ، وَحَالَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ، عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. قَالَ عِيَاضٌ : التَّكْبِيرُ فِيهِمَا، فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ: فِي السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ، (إِلَى حِينِ يَخْرُجُ الْإِمَامُ) ، وَفِي الصَّلَاةِ، وَفِي الْخُطْبَةِ، وَبَعْدَ الصَّلَاةِ. أَمَّا الْأَوَّلُ، فَاسْتَحَبَّهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالسَّلَفِ. فَكَانُوا يُكَبِّرُونَ إِذَا خَرَجُوا، حَتَّى يَبْلُغُوا الْمُصَلَّى. يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ : وَزَادَ اسْتِحْبَابُهُ، لَيْلَةَ الْعِيدَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُكَبِّرُ فِي الْخُرُوجِ لِلْأَضْحَى، دُونَ الْفِطْرِ. وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ؛ فَقَالُوا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا التَّكْبِيرُ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ؛ فَمَالِكٌ يَرَاهُ. وَغَيْرُهُ يَأْبَاهُ. وَأَمَّا التَّكْبِيرُ الْمَشْرُوعُ فِي أَوَّلِ صَلَاةِ الْعِيدِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ سَبْعٌ فِي الْأُولَى، غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ، غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، كَذَلِكَ. لَكِنْ: سَبْعٌ فِي الْأُولَى، إِحْدَاهُنَّ: تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : خَمْسٌ فِي الْأُولَى. وَأَرْبَعٌ فِي الثَّانِيَةِ. "بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالْقِيَامِ". وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، يَرَى هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ، مُتَوَالِيَةً مُتَّصِلَةً. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ: "ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى". وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَأَمَّا التَّكْبِيرُ "بَعْدَ الصَّلَاةِ" فِي عِيدِ الْأَضْحَى، فَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فِيهِ: عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ مَذَاهِبَ. هَلِ ابْتِدَاؤُهُ: مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَوْ ظُهْرِهِ. أَوْ صُبْحِ يَوْمِ النَّحْرِ، أَوْ ظُهْرِهِ؟ وَهَلِ انْتِهَاؤُهُ: فِي ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، أَوْ ظُهْرِ أَوَّلِ أَيَّامِ النَّفْرِ. أَوْ فِي صُبْحِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَوْ ظُهْرِهِ، أَوْ عَصْرِهِ. وَاخْتَارَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ: ابْتِدَاءَهُ، مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ. وَانْتِهَاءَهُ، صُبْحَ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ: إِلَى الْعَصْرِ، مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: وَقَوْلٌ: أَنَّهُ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ. هَذَا كَلَامُ النَّوَوِيِّ . وَفِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْفُرُوعِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مِنَ السُّنَّةِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ "فِي كَوْنِ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ"، شَيْءٌ أَصْلًا. بَلْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ: حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَوْ صَحِيحٌ. وَأَمَّا تَقْدِيمُ التَّكْبِيرِ "فِي الرَّكْعَتَيْنِ" عَلَى الْقِرَاءَةِ، فَفِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَمْرٍو : ( قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ: سَبْعٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ. وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا" ) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ . وَأَخْرَجَهُ "مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ، عَلَى الْقِرَاءَةِ " أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَةَ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ : إِسْنَادُهُ صَالِحٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ "فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدَةِ"، عَنِ الْبُخَارِيِّ : أَنَّهُ قَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ : "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي الْأُولَى: سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ . وَفِي إِسْنَادِهِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْنِ بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ : إِنَّهُ رُكْنٌ، مِنْ أَرْكَانِ الْكَذِبِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : لَهُ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ: عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي "التَّلْخِيصِ": وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ تَحْسِينَهُ، عَلَى التِّرْمِذِيِّ . وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ "فِي الْخُلَاصَةِ " الْمُنْكِرِينَ عَلَى التِّرْمِذِيِّ؛ فَقَالَ: لَعَلَّهُ اعْتَضَدَ بِشَوَاهِدَ وَغَيْرِهَا. قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلتِّرْمِذِيِّ : إِنَّ التِّرْمِذِيَّ، إِنَّمَا تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْبُخَارِيَّ فَقَطْ. قَالَ فِي كِتَابِ "الْعِلَلِ الْمُفْرَدَةِ": سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْبَابِ شَيْءٌ، أَصَحُّ مِنْهُ. وَبِهِ أَقُولُ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَةَ، عَنْ سَعْدِ الْقُرَظِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ: فِي الْأُولَى سَبْعًا، قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَفِي الْآخِرَةِ خَمْسًا، قَبْلَ الْقِرَاءَةِ" وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ، يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، فَتَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا، فِي كَوْنِ التَّكْبِيرِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. وَفِي كَوْنِ التَّكْبِيرِ: سَبْعَةٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسَةٌ فِي الثَّانِيَةِ. وَقَدْ وَرَدَتْ رِوَايَاتٌ أُخْرَى، فِي عَدَدِ التَّكْبِيرِ، مُقَوِّيَةٌ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ، لَازَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَمْ يَتْرُكْهَا فِي عِيدٍ مِنَ الْأَعْيَادِ. وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهَا، حَتَّى أَمَرَ بِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ الْعَوَاتِقِ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَالْحُيَّضِ. وَهَذَا كُلُّهُ، يَدُلُّ عَلَى: أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ "وُجُوبًا مُؤَكَّدًا" عَلَى الْأَعْيَانِ، لَا عَلَى الْكِفَايَةِ. وَهِيَ: أَنْ يُكَبِّرَ الْمُصَلِّي لِلْإِحْرَامِ، ثُمَّ يُكَبِّرَ فِي الْأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقْرَأَ "الْفَاتِحَةَ" وَمَا تَيَسَّرَ مَعَهَا، مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يَقُومَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَيُكَبِّرَ خَمْسًا، ثُمَّ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ، وَمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِالْقِرَاءَةِ، الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، قَرَأَ فِي الْأُولَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى . وَفِي الثَّانِيَةِ: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ . أَوْ قَرَأَ فِي الْأُولَى بـ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ .وَفِي الثَّانِيَةِ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ . فَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قِرَاءَتِهِ فِي الْعِيدَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَدِلَّةِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ "فِي كُلِّ رَكْعَةٍ"، مَا يَنْبَغِي اعْتِبَارُهَا هُنَا؛ وَهَكَذَا الْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي: "صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ". يَفْعَلُهَا الْمُؤْتَمُّ، كَمَا يَفْعَلُهَا الْإِمَامُ، فَلَا يَكُونُ الْمُؤْتَمُّ، مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ؛ إِلَّا بِقِرَاءَةِ فَاتِحَتِهَا، وَالْإِتْيَانِ بِمَا شُرِعَ فِيهَا: مِنَ التَّكْبِيرِ. وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالذِّكْرِ: فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَةِ. قَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ . وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُطْلَقُ التَّكْبِيرِ. وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ: "يَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ". وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، بِلَفْظِ: "فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ". وَثَبَتَ (فِي الصَّحِيحِ) عَنْ عُمَرَ: " أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيُكَبِّرُ بِتَكْبِيرِهِمْ مَنْ فِي الْأَسْوَاقِ". وَأَنَّهُ كَانَ يَقَعُ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ، وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الْأَوْقَاتِ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: الِاسْتِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ خُصُوصًا: التَّكْبِيرُ. وَالْمُرَادُ: مُطْلَقُ التَّكْبِيرِ. وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ". وَيُكَرِّرُ ذَلِكَ فِي الْأَوْقَاتِ. وَمِنْ جُمْلَتِهَا: عَقِبَ الصَّلَوَاتِ. لَا تَخْصِيصُهُ بِعَقِبِهَا. وَلَا يَجْعَلُ (يَوْمَ عَرَفَةَ) مِنْ جُمْلَةِ الْأَيَّامِ، الَّتِي يُسْتَحَبُّ فِيهَا: تَكْبِيرُ التَّشْرِيقِ. فَإِنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، هِيَ أَيَّامُ النَّحْرِ: وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ. وَأَمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ، فَهُوَ مِنَ الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ. وَهِيَ: "عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ"، الَّتِي قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهَا: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ . وَثَبَتَ فِيهَا "كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَغَيْرِهِ"، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا، أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ". يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ". ) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ " ابْنِ عُمَرَ "، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ: مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ. فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ: مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ". وَالْمَأْثُورُ فِي الْعِيدَيْنِ: أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ فِي الْجَبَّانَةِ إِلَّا لِعُذْرٍ: مِنْ مَطَرٍ، أَوْ نَحْوِهِ. وَأَنْ يُخَالِفَ الْإِمَامُ وَمَنْ مَعَهُ الطَّرِيقَ. فَيَرْجِعُونَ فِي طَرِيقٍ، غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي جَاءُوا مِنْهَا. وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ. وَتَعْجِيلُ الْخُرُوجِ، لِصَلَاةِ الْأَضْحَى. وَتَأْخِيرُهُ، لِصَلَاةِ الْفِطْرِ. وَأَنْ لَا يَغْدُوَ لِصَلَاةِ الْفِطْرِ، حَتَّى يَطْعَمَ. وَيَخْرُجُ لِصَلَاةِ الْأَضْحَى، قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ. وَأَنْ لَا يُصَلِّيَ: قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا بَعْدَهَا. وَأَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ، وَيَتَطَيَّبَ بِأَجْوَدِ مَا يَجِدُ. وَأَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ، مَاشِيًا. وَأَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ الْمَوْعِظَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَيُرَغِّبَهُمْ فِي الصَّدَقَةِ. هَذَا كُلُّهُ، دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ: مِنَ السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، فِي كُتُبِ الْإِسْلَامِ، وَدَوَاوِينِ الْإِيمَانِ، وَصَحَائِفِ الْإِحْسَانِ. وَأَصْلُ كُلِّ صَلَاةٍ: أَنْ تَصِحَّ فُرَادَى، كَمَا تَصِحُّ جَمَاعَةً. وَصَلَاةُ الْعِيدِ مِنَ الصَّلَوَاتِ. فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فُرَادَى، كَانَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وَلَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا صَلَّاهَا إِلَّا جَمَاعَةً. فَإِنَّ ذَلِكَ، غَايَةُ مَا فِيهِ: أَنَّ التَّجْمِيعَ فِي الْعِيدِ أَوْلَى. وَلَا شَكَّ فِي ذَلِكَ. وَمَحَلُّ النِّزَاعِ: الصِّحَّةُ. فَمَنْ نَفَاهَا، فَهُوَ الْمُحْتَاجُ إِلَى الدَّلِيلِ. وَهَكَذَا الْجَهْرُ، هُوَ الثَّابِتُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَكِنَّهُ لَا يَنْفِي صِحَّةَ الْإِسْرَارِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية