الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
تَحْكِيمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَالَ تَعَالَى : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ أَيْ : يَجْعَلُوكَ حَكَمًا بَيْنَهُمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ ، لَا يُحَكِّمُونَ أَحَدًا غَيْرَكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ; أَيِ : اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ الْحَرَجُ : الضِّيِقُ ، وَقِيلَ : الشَّكُّ ، وَقِيلَ : الْإِثْمُ . وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النِّسَاءِ : 65] . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا شَامِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ فِي كُلِّ حُكْمٍ ، كَمَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النِّسَاءِ : 64] فَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَقْصُودِينَ بِقَوْلِهِ : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [النِّسَاءِ : 60] . وَهَذَا فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا بَعْدَ مَمَاتِهِ ، فَتَحْكِيمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ : تَحْكِيمُ الْحَاكِمِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ ، إِذَا كَانَ لَا يَحْكُمُ بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ ، مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا ، وَكَانَ يَعْقِلُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ حُجَجِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ; بِأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ، مِنْ نَحْوٍ وَتَصْرِيفٍ ، وَمَعَانٍ ، وَبَيَانٍ ، عَارِفًا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ ، بَصِيرًا بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ ، مُمَيِّزًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ ، وَالضَّعِيفِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ ، مُنْصِفًا ، غَيْرِ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ ، وَلَا لِنِحْلَةِ مِنَ النِّحَلِ ، وَرِعًا لَا يَحِيفُ وَلَا يَمِيلُ فِي حُكْمِهِ . فَمَنْ كَانَ هَكَذَا ، فَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ النُّبُوَّةِ ، مُتَرْجِمٌ عَنْهَا ، حَاكِمٌ بِأَحْكَامِهَا . وَفِي هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ مَا تَقْشَعِرُّ لَهُ الْجُلُودُ ، وَتَرْجُفُ لَهُ الْأَفْئِدَةُ . فَإِنَّهُ أَوَّلًا : أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ مُؤَكِّدًا لِهَذَا الْقَسَمِ ، بِحَرْفِ النَّفْيِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ . فَنَفَى عَنْهُمُ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ رَأْسُ مَالِ صَالِحِي عِبَادِ اللَّهِ ، حَتَّى حَصَلَ لَهُمْ غَايَةٌ هِيَ تَحْكِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ : ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ، فَضَمَّ إِلَى التَّحْكِيمِ أَمْرًا آخَرَ هُوَ عَدَمُ وُجُودِ حَرَجٍ فِي صُدُورِهِمْ ، فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدُ التَّحْكِيمِ وَالْإِذْعَانِ بِاللِّسَانِ كَافِيًا ، حَتَّى يَكُونَ مِنْ صَمِيمِ الْقَلْبِ ، عَنْ رِضَاءِ خَاطِرٍ ، وَاطْمِئْنَانِ خَلَدٍ ، وَانْثِلَاجِ قَلْبٍ ، وَطِيبَةِ نَفْسٍ . ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهَذَا كُلِّهِ ، بَلْ ضَمَّ إِلَيْهِ قَوْلَهُ : وَيُسَلِّمُوا ، أَيْ : يُذْعِنُوا وَيَنْقَادُوا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا . ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ ، بَلْ ضَمَّ إِلَيْهِ الْمَصْدَرَ الْمُؤَكِّدَ ، فَقَالَ : تَسْلِيمًا ، فَلَا يَثْبُتُ الْإِيمَانُ لِعَبْدٍ حَتَّى يَقَعَ مِنْهُ التَّحْكِيمُ ، ثُمَّ لَا يَجِدُ الْحَرَجَ فِي صَدْرِهِ بِمَا قَضَى عَلَيْهِ ، وَيُسَلِّمُ لِحَكَمِهِ وَشَرْعِهِ تَسْلِيمًا لَا يُخَالِطُهُ رَدٌّ ، وَلَا تَشُوبُهُ مُخَالَفَةٌ . وَهَذَا يَسِيرُ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ بِإِخْلَاصِ الدِّينِ ، وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ . وَقَدْ ذَهَبَ هَذَا التَّحْكِيمُ مِنْ بَيْنِ الْأُمَّةِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ عَرِيضٍ; لِقُرْبِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مِنْهَا . فَلَا تَرَى أَحَدًا يُحَكِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ . بَلْ قُصْوَى جُهْدِهِمْ فِي دَفْعِ بَعْضِهِمْ دَلِيلَ بَعْضٍ فِي الْمَسَائِلِ الِاخْتِلَافِيَّةِ ، وَالْأَحْكَامِ الْفُرُوعِيَّةِ وَالْأُصُولِيَّةِ : الِاسْتِدْلَالُ بِأَقْوَالِ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ، وَالْأَئِمَّةِ ، وَأَتْبَاعِهِمُ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَ هَؤُلَاءِ إِيَّاهُمْ ، وَالِاحْتِجَاجُ بِالْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ وَالْفِقْهِيَّاتِ ، وَجَرُّ الرِّوَايَاتِ مِنْهَا . وَهِيَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، بَلْ هِيَ مُجَرَّدُ اجْتِهَادَاتٍ مِنْ أَهْلِهَا وَخَيَالَاتٍ ، وَاسْتِخْرَاجَاتٍ ، وَقِيَاسَاتٍ لَا تَسْتَنِدُ إِلَى نَصٍّ مِنَ اللَّهِ وَلَا مِنْ رَسُولِهِ ، وَلَمْ يُنَزِّلِ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ . قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ الْمُتَكَلِّمُ الْوَاحِدُ فِي «تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ» : ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالْقِيَاسِ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ مُتَابَعَةُ قَوْلِهِ وَحُكْمِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ . وَمِثْلُ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، قَلَّمَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّكَالِيفِ ، وَذَلِكَ يُوجِبُ تَقْدِيمَ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ عَلَى حُكْمِ الْقِيَاسِ . وَقَوْلُهُ : ثُمَّ لَا يَجِدُوا إِلَى آخِرِهِ ، مُشْعِرٌ بِذَلِكَ; لِأَنَّهُ مَتَى خَطَرَ بِبَالِهِ قِيَاسٌ ، يُفْضِي إِلَى نَقِيضِ مَدْلُولِ النَّصِّ ، فَهُنَاكَ يَحْصُلُ الْحَرَجُ فِي النَّفْسِ . فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُكْمُلُ إِيمَانُهُ إِلَّا بَعْدَ أَلَّا يَلْتَفِتَ إِلَى الْحَرَجِ ، وَيُسَلِّمَ النَّصَّ (2) ، تَسْلِيمًا كُلِّيًّا . قَالَ فِي «فَتْحِ الْبَيَانِ» : وَهَذَا الْكَلَامُ قَوِيٌّ حَسَنٌ ، لِمَنْ أَنْصَفَ . انْتَهَى . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْأَنْصَارِيِّ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ : قِصَّةَ «الزُّبَيْرِ» ، وَأَنَّهَا سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَحَدِيثَ: رَدَّ رَجُلٌ خُصُومَتَهُ إِلَى عُمَرَ بَعْدَ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، وَقَتَلَ عُمَرُ إِيَّاهُ ، وَكَانَ مُنَافِقًا . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّخَلُّفَ وَالتَّحَرُّجَ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نِفَاقٌ مِنَ النِّفَاقَاتِ ، مُنَافٍ لِلْإِيمَانِ ، سَالِبٌ لَهُ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ . فَدَعْ كُلَّ قَوْلٍ دُونَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَمَا آمِنٌ فِي دِينِهِ كَمُخَاطِرِ وَالْآيَاتُ الشَّرِيفَةُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية