الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
لَا تَقْلِيدَ فِي الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ قَاطِعٌ وَبُرْهَانٌ سَاطِعٌ عَلَى رَدِّ التَّقْلِيدِ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسَعْ لِمُوسَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اتِّبَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمِنْ ذَاكَ الَّذِي يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَاتِّبَاعُهُ فِي الدِّينِ؟ . وَفِي لَفْظَةِ «الْبَيْضَاءِ النَّقِيَّةِ» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَحْكَامَهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدِ إِيضَاحٍ بِإِلْحَاقِ الْأَقْيِسَةِ وَالْآرَاءِ ، وَضَمِّ التَّفَارِيعِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْأَهْوَاءِ; لِأَنَّهَا إِذًا تَكُونُ مُحْتَاجَةً إِلَى ذَلِكَ ، فَلَا يَصِحُّ الْقَصْرُ عَلَيْهَا . وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ اتِّبَاعُهَا إِذَا ثَبَتَ كَوْنُهَا كَامِلَةً تَامَّةً وَاضِحَةً غَيْرَ خَفِيَّةٍ . وَهِيَ كَذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا . فَهَذِهِ الْمِلَّةُ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ السَّهْلَةُ الْبَيْضَاءُ النَّقِيَّةُ ، أَدِلَّتُهَا وَافِيَةٌ كَافِيَةٌ شَافِيَةٌ لِفَصْلِ جَمِيعِ الْخُصُومَاتِ ، وَقَطْعِ الْمُنَازَعَاتِ ، وَقَضَايَا الْحَوَادِثِ الْآتِيَاتِ ، بِعُمُومَاتِهَا وَخُصُوصَاتِهَا ، لَا مُلْجِئَ لِعَارِفِهَا إِلَى إِدْرَاكِ مَا قَرَّرَهُ أَهْلُ الرَّأْيِ ، وَحَرَّرَهُ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ . وَلَوْلَا ذَلِكَ ، لَمَا قَالَ تَعَالَى : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ، ثُمَّ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ : إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، فَأَفَادَ أَنَّ الرَّدَّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إِلَى غَيْرِهِمَا مُنَافٍ لِلْإِيمَانِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ذَلِكَ ; أَيِ : الرَّدُّ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النِّسَاءِ : 59] . إِنَّكَ يَا مِسْكِينُ إِذَا تَأَمَّلْتَ فِي صَنَائِعِ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْهَوَى ، أَدْرَكْتَ أَنَّ كُلَّ آفَةٍ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِ ، وَكُلَّ غُرْبَةٍ جَاءَتْ فِيهِ إِنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ عَدَمِ الرَّدِّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَالرَّدِّ إِلَى الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ، وَتَقْدِيمِ أَقْوَالِهِمْ عَلَى الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَاتِ ، بِنَوْعٍ مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ وَالِانْتِحَالِ . اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ ، وَجَنِّبْنَا عَمَّا يُهْلِكُنَا فِي الْحَالِ ، أَوْ فِي الْمَآلِ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ ، فَسَكَتَ ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ ، وَوَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَغَيَّرُ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ ، أَمَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ ، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي ، لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي ، لَاتَّبَعَنِي» رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ . وَهَذَا أَوْضَحُ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَفِيهِ الْقَضَاءُ بِالضَّلَالِ عَلَى مَنْ تَبِعَ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَوْ كَانَ فِي أَعْلَى مَرْتَبَةٍ مِنَ النُّبُوَّةِ ، فَكَيْفَ بِاتِّبَاعِ مَنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ ، وَلَا بِرَسُولٍ بَلْ مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ ، وَمُتَعَبِّدٍ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْعُبَّادِ; مِثْلَ أَئِمَّةِ الْمِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ؟! وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ تَقْلِيدَ الرِّجَالِ ، وَاتِّبَاعَ الْقِيلِ وَالْقَالِ ، ضَلَالٌ وَجَهْلٌ وَوَبَالٌ . وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا فِي شَيْءٍ ، حَتَّى يُوَافِقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الرَّسُولِ الْمَعْصُومِ عَنِ الْخَطَأِ . فَيَكُونُ اتِّبَاعُهُ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ ، لَا تَقْلِيدُ ذَلِكَ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ . وَحَيْثُ إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ الْجَهَلَةِ ، لَا يَعْلَمُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَالِاتِّبَاعِ ، يَطْعَنُونَ فِي الْعَامِلِينَ بِالْحَدِيثِ عَلَى قَبُولِ الدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَفِقْهِ السُّنَّةِ ، وَلَا يَدْرُونَ أَنَّ بَيْنَ قَبُولِ الرَّأْيِ وَقَبُولِ الرِّوَايَةِ بَوْنًا بَعِيدًا . وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا ، فَلَيْسَ أَهْلًا لِلْخِطَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . ذَمُّ الْجَدَلِ وَمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ زَوَاجِرِ النُّصُوصِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ ، إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ» . الْجَدَلُ - بِفَتْحَتَيْنِ - : الشِّدَّةُ فِي الْخُصُومَةِ ، وَالْعِنَادُ ، وَالتَّعَصُّبُ ، وَالْمِرَاءُ لِتَرْوِيجِ الْمَذْهَبِ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نُصْرَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ الْوَارِدَةِ فِي جَدَلِ الْكُفَّارِ وَخُصُومَتِهِمْ : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزُّخْرُفِ : 58] . قَالَ فِي «أَشِعَّةِ اللَّمَعَاتِ» : سَبَبُ نُزُولِهَا : أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ : 98] ، فَرِحَ الْمُشْرِكُونَ ، وَصَاحُوا : إِنَّ آلِهَتَنَا لَيْسَتْ بِخَيْرٍ مِنَ الْمَسِيحِ ، فَإِذَا كَانَ عِيسَى مَعْبُودَ النَّصَارَى فِي النَّارِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَنَحْنُ رَاضُونَ بِكَوْنِ آلِهَتِنَا فِيهَا ، يَعْنِي : شادم كه أَزر قيبان دامن فشان كذشتي كومشت خاك مم بربا درفته باشد فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَخْ; يَعْنِي بَحْثَهُمْ هَذَا مَعَكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَدَلِ وَالْخِصَامِ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَا تَعْبُدُونَ شَامِلًا لِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ-; لِأَنَّ كَلِمَةَ «مَا» لِغَيْرِ ذَوِي الْعُقُولِ ، كَمَا أَنَّ كَلِمَةَ «مِنْ» لَهُمْ . وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ يَعْلَمُونَ أَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ هَكَذَا فَبَحْثُهُمْ بَعْدَ هَذَا الْعِلْمِ مَحْضُ الْجَدَلِ ، وَالتَّعَصُّبِ الصِّرْفِ . قِيلَ إِنَّ ابْنَ الزِّبَعْرَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَحَثَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَا أَجْهَلَكَ بِلِسَانِ قَوْمِكَ !» انْتَهَى . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى ذَمِّ الْجَدَلِ ، وَقُبْحِهِ . وَفِيهِ اسْتِدْلَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْآيَةِ النَّازِلَةِ فِي شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ ، عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ; تَحْذِيرًا لَهُمْ عَنْ مُثْلِ هَذَا الصَّنِيعِ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ الَّتِي أُوتِيَتْ هُدًى ثُمَّ سَرَى فِيهَا الْجَدَلُ وَالْخِصَامُ . وَمِثْلُ هَذَا اسْتِدْلَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُوَحِّدِينَ بِالْآيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاحْتِجَاجِهِمْ بِهَا عَلَى مُشْرِكِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَعَابِدِي الْقُبُورِ وَالْأَمْوَاتِ . فَكَانَ هَذَا أَيْضًا حُجَّةً عَلَى صِحَّةِ هَذَا الطَّرِيقِ الِاسْتِدْلَالِيِّ . كَيْفَ وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْلَامِ الْفُحُولِ؟! فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهَا مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ وَرَدَتْ فِي حَقِّهِ ، وَلَا يَتَعَدَّى حَكَمُهَا إِلَى غَيْرِهِ مِنْ مُشْرِكِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْإِسْلَامَ وَيَقُولُونَ بِالْكَلِمَةِ ، وَيُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ ، وَيَحُجُّونَ ، وَيُزَكُّونَ ، وَهُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ ، وَالْأَهْوَاءِ الْمُوبِقَةِ ، فَاعِلُونَ لِأَنْوَاعِ الْإِشْرَاكِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ ، فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ; لِأَنَّ الَّذِي جَاءَ إِلَيْنَا بِالْقُرْآنِ ، جَاءَ بِهَذَا الْبَيَانِ ، وَلَيْسَتْ قَرْيَةٌ وَرَاءَ عَبَّادَانَ . وَأَيْضًا أَفَادَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ الْجَدَلَ خِلَافُ الْهُدَى ، وَحُكْمَهُ حُكْمُ الضَّلَالَةِ ، وَصَاحِبَهُ ضَالٌّ غَيْرُ مَهْدِيٍّ ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ . وَلَكِنْ سَوَّلَ إِبْلِيسُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ، حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ الْعِلْمَ هُوَ هَذَا الْجَدَلُ . وَطَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ دُوِّنَتْ طَوَامِيرُ كَثِيرَةٌ ، وَدَفَاتِرُ عَظِيمَةٌ ، حَتَّى دَخَلَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ كُلِّهَا ، وَيَئِسَ أَهْلُ الْحَقِّ عَنْ أَهْلِهِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَيَأْخُذُوا الْهُدَى مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَمِنْ عَظَائِمِ الْعَاهَاتِ : أَنَّ هَذَا الْجَدَلَ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ ، فِي كُلِّ جِيلٍ وَقَبِيلٍ ، إِلَّا شِرْذِمَةً قَلِيلَةً مُتَّبِعَةً لِلْأَخْبَارِ ، وَهُمْ غُرَبَاءُ الْإِسْلَامِ ، أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْقُرْآنِ ، فَطُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ ، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ» ، أَوْ كَمَا قَالَ . فَتَقَرَّرَ أَنَّ تَارِكَ الْجِدَالِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ، وَصَاحِبُ الْجِدَالِ مِنْ أَرْبَابِ الضَّلَالِ . اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا . وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : «لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» ; أَيْ : بِارْتِكَابِ الرِّيَاضَاتِ الصَّعْبَةِ ، وَالْمُجَاهَدَاتِ الشَّاقَّةِ ، الَّتِي لَا تُطِيقُهَا النَّفْسُ وَبِالْتِزَامِهَا عَلَيْهَا ، وَتَحْرِيمِ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَأَحَلَّهُ وَيَسَّرَهُ . قَالَ فِي «الْمِرْقَاةِ» : كَصَوْمِ الدَّهْرِ ، وَإِحْيَاءِ اللَّيْلِ كُلِّهِ ، وَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَكَمَا يُحْكَى عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّلُوكِ الْمُتَصَوِّفَةِ الْجَهَلَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَكَمَا يَحْكِيهَا أَهْلُ الْمَذَاهِبِ عَنِ الْأَئِمَّةِ ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِي مَنَاقِبِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَعْبُدُ كَذَا وَكَذَا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَشْبَاهِ هَذِهِ الْفَضَائِلِ ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ سَنَدٌ مُتَّصِلٌ إِلَيْهِ حَتَّى يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ . وَالظَّاهِرُ : أَنَّ ذَلِكَ حُسْنُ ظَنٍّ مِنْ مُقَلِّدِيهِمْ بِهِمْ ، وَاعْتِبَارٌ بِأَفْوَاهِ الْعَامَّةِ فِيهِمْ . وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا كَذَلِكَ فِي هَذِهِ الصَّنَائِعِ ، فَبِاللَّهِ عَلَيْكَ ! قُلْ لِي : هَلْ هَذَا التَّشْدِيدُ مُسْتَحْسَنٌ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؟ أَمْ هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عَلَى لِسَانِ الشَّارِعِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي الْقُرْآنِ؟ وَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ التَّحْرِيمُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ . وَكَيْفَ يُسَوَّغُ لِأَحَدٍ مِنْ آحَادِ الْأُمَّةِ أَنْ يَتَجَرَّأَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَيَأْتِيَ بِمَا نُهِي عَنْهُ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَرْتَكِبَهُ مَنْ هُوَ فِي أَعْلَى مَرْتَبَةٍ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالتَّقْوَى؟ فَأَيْنَ أَنْتَ - يَا قَاصِرَ الْعَقْلِ - مِنِ اعْتِقَادِ مِثْلِ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ؟! بَلْ فِي ذِكْرِ نَحْوِ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ نَقْصٌ عَلَى أَصْحَابِهَا ، وَمَوْقِعُ ضَحِكٍ لِأَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . «فَيُشَدِّدُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ» ; أَيْ : يَفْرِضُهَا عَلَيْكُمْ ، فَتَقَعُوا فِي الشِّدَّةِ ، أَوْ بِأَنْ يُفَوِّتَ عَنْكُمْ بَعْضَ مَا أَوْجَبَ عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ ضَعْفِكُمْ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : فَيُشَدِّدُ عَلَيْكُمْ فِي الْعِقَابِ عَلَى ابْتِدَاعِ هَذِهِ الْبِدَعِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالرِّيَاضَاتِ; لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى كَمَالِ الدِّينِ; «فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ» . الصَّوْمَعَةُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ - : مَعْبَدُ النَّصَارَى ، وَالدَّيْرُ : مَعْبَدُ الرُّهْبَانِ . وَنَظِيرُهَا فِي الْإِسْلَامِ : الْمَسَاجِدُ وَالْخَانِقَاتُ . وَالْأَوَّلُ : مَعْبَدُ الْأَحْبَارِ . وَالثَّانِي : مَعْبَدُ الرُّهْبَانِ مِنْ هَذِهِ الْمِلَّةِ ، وَمَا أَشْبَهَ اللَّيْلَةَ بِالْبَارِحَةِ! وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ الْمُرَادُ بِهَا الْمُبَالَغَةُ فِي الْعِبَادَةِ وَالرِّيَاضَةِ ، وَفِي الِانْقِطَاعِ مِنَ النَّاسِ ، وَلُبْسِ الْمُسُوحِ ، وَتَعْلِيقِ السَّلَاسِلِ فِي الْأَعْنَاقِ ، وَقَطْعِ الْمَذَاكِيرِ ، وَالْفِرَارِ إِلَى الْأَوْدِيَةِ وَالْجِبَالِ وَنَحْوِهَا; مِمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ رُهْبَانُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَزُهَّادُهُمْ . فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ اخْتَرَعَهَا هَؤُلَاءِ ، وَابْتَدَعُوهَا مِنْ تِلْقَائِهِمْ ، مِنْ غَيْرِ أَنْ كُنَّا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ . ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ : فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا هَكَذَا فِي «الْأَشِعَّةِ» . وَأَقُولُ : قَدْ أَحْدَثَ رُهْبَانُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَزُهَّادُهَا وَعُبَّادُهَا وَ مَشَايِخُهَا رِيَاضَاتٍ أُخْرَى ، وَبِدْعَاتٍ كَثِيرَةً ، لَا مُسْتَنَدَ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ، وَلَقَّنُوهَا مُرِيدِيهِمْ وَمُعْتَقَدَيْهِمْ ، وَبَالَغُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْحَدِّ الْأَوْسَطِ ، وَوَقَعُوا فِي الْإِفْرَاطِ . وَقَابَلَهُمْ أَحْبَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَفَرَّطُوا فِي هَذِهِ ، حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ الْعِلْمَ عِبَارَةٌ عَنِ الْجَدَلِ وَالْكَلَامِ ، وَالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ، لَا سِيَّمَا عَلَى الْمُعَاصِرِينَ مِنْهُمْ ، وَالِاقْتِحَامِ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَالْمُكَابَرَةِ ، وَوَهَنُوا بِسَبَبِ هَذِهِ الْعَاهَةِ عَنِ الْعَمَلِ ، كَأَنَّ الْعَمَلَ عِنْدَهُمْ هَذَا الْعَمَلُ . وَوَفَّقَ اللَّهُ تَعَالَى عِصَابَةً مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ ، فَجَاءُوا فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا ثَبَتَ عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ ، وَقَصَرُوا عَلَيْهَا ، وَلَمْ يُبَالِغُوا ، وَلَمْ يُشَدِّدُوا ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِالرَّهْبَانِيَّةِ ، وَأَتَوْا فِي الْعُلُومِ بِتَرْكِ الْجِدَالِ وَالْقِتَالِ وَالْمُنَاظَرَاتِ وَالْمُكَابَرَاتِ; احْتِسَابًا عِنْدَ اللَّهِ ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ خُلَاصَةُ الْأُمَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . قَالَ فِي «تَرْجَمَةِ الْمِشْكَاةِ» : جَاءَ أَحْمَدُ بْنُ الْحِوَارِيِّ إِلَى أُسْتَاذِهِ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ ، وَقَالَ : ارْتَاضَ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَتَّى صَارُوا كَالزِّقَاقِ الْبَالِيَةِ ، وَأَوْتَارِ الْقَسِيَّةِ ، وَنَحْنُ نَأْكُلُ وَنَلْبَسُ وَنَنْعَمُ وَيَتَحَلَّلُ رُوحُنَا ، مَاذَا هَذَا الْحَالُ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ الْمَآلُ؟ فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ : كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْتِي بِهَذَا . اعْلَمْ يَا أَحْمَدُ : أَنَّ الَّذِي يَطْلُبُ مِنَّا هُوَ الصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ ، لَا الْحُرْقَةُ وَالذَّوْبُ ، وَإِنْ عَمِلْتَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ، وَأَخْلَصْتَ فِيهِ ، خَيْرٌ لَكَ أَنْ تُحْرَقَ وَتَذُوبَ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ ، إِنَّمَا الْمَطْلُوبُ رِضَاءُ الْحَقِّ تَعَالَى كَمَا قَالَ : وَمِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوِصَالِ أَهْلًا فَكُلُّ إِحْسَانِهِ ذُنُوبُ انْتَهَى . وَبِالْجُمْلَةِ : مُرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ عِبَادِهِ فِي عِبَادَتِهِ : إِخْلَاصُ النِّيَّةِ ، وَصَوَابُ الْعَمَلِ . وَالْإِخْلَاصُ : أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا . وَالصَّوَابُ : أَنْ تَعْمَلَ بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ ، وَلَا تَبْتَدِعَ شَيْئًا ، وَلَا تَأْخُذَ مِنْ بِدَعِ غَيْرِكَ شَيْئًا . عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مُرْسَلًا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا : كِتَابَ اللَّهِ ، وَسُنَّةَ رَسُولِهِ» رَوَاهُ فِي «الْمُوَطَّأِ» . هُوَ اسْمُ كِتَابِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ، قُرِئَ مَقْصُورًا وَمَمْدُودًا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ، وَهُوَ كِتَابٌ قَدِيمٌ مُبَارَكٌ ، سَابِقٌ عَلَى جَمِيعِ الْكُتُبِ الْإِسْلَامِيَّةِ ، وَصَاحِبُهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ . وَالْمُرْسَلُ فِي الِاصْطِلَاحِ الْمَشْهُورِ : رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ : «تَعْلِيقًا» مَوْضِعَ «مُرْسَلًا» . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَدَمَ الضَّلَالِ مُعَلِّقٌ بِتَمَسُّكِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَعَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَهُمَا آلَةً لِلْهِدَايَةِ وَالرُّشْدِ فِي الْأُمَّةِ ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا سِوَاهُمَا تَتَمَسَّكُ بِهِ أُمَّتُهُ بَعْدَهُ . فَتَقَرَّرَ أَنَّ أُصُولَ الْإِسْلَامِ هِيَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ ، لَا ثَالِثَ ، وَلَا رَابِعَ لَهُمَا ، وَأَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِهِمَا عَلَى هُدَى ، وَأَنَّ غَيْرَ الْمُتَمَسِّكِ بِهِمَا عَلَى ضَلَالٍ . وَهَذَا الْحَقُّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ فَدَعْنِي عَنْ بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَصْلَ الثَّالِثَ الْإِجْمَاعُ ، وَالرَّابِعَ الْقِيَاسُ ، فَقَدْ عَارَضَ حُكْمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْيِهِ ، وَأَسَاءَ الْأَدَبَ مَعَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . وَكَيْفَ يَكُونُ مَا لَمْ يَأْتِ عَنِ اللَّهِ وَلَا عَنْ رَسُولِهِ أَصْلًا لِلْأُمَّةِ ، وَقَدْ أَتَى بِهِ مَنْ هُوَ مِنْ آحَادِهَا ، وَمُتَعَبِّدٌ بِهِمَا كَغَيْرِهِ؟ فَيَا لِلَّهِ لِلْعَجَبِ مِنْ أَقْوَامٍ قَالُوا : إِنَّ الْأُصُولَ أَرْبَعَةٌ ، وَالسُّنَّةَ تَقْضِي بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ ، وَتُرْشِدُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ إِلَى التَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَفِي الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ طَيِّبٌ ، لَا يَحْصُرُهُ الْمَقَامُ . وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِقَوْلِهِ : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الْبَقَرَةِ : 129) . وَالْمُرَادُ بِالْحِكْمَةِ : السُّنَّةُ ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ جَمٌّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَتَبِعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ . وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ [الْعَنْكَبُوتِ : 51]؟ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْكِتَابَ يَكْفِي الْأُمَّةَ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : «مَنْ تَعَلَّمَ كِتَابَ اللَّهِ ، ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ ، هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا ، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ» . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : «مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ ، لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه : 123] . رَوَاهُ رَزِينٌ . وَفِي الْحَدِيثِ : «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي ، فَلَيْسَ مِنِّي» . وَعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِيُّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً ، إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ ، فَتَمَسَّكْ بِسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدَعَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ . قَالَ فِي «الْمِرْقَاةِ» فِي قَوْلِهِ : «فَتَمَسَّكْ بِسُنَّةٍ» ; أَيْ : صَغِيرَةٍ أَوْ قَلِيلَةٍ; كَإِحْيَاءِ آدَابِ الْخَلَاءِ مَثَلًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ حَسَنَةٍ عَظِيمَةٍ; كَبِنَاءِ رِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ «الْمِشْكَاةِ» : التَّمَسُّكُ بِالسُّنَّةِ - وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً - خَيْرٌ مِنِ ابْتِدَاعِ بِدْعَةٍ - وَإِنْ كَانَتْ حَسَنَةً . لِأَنَّ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ يَتَوَلَّدُ النُّورُ ، وَبِالِابْتِلَاءِ فِي الْبِدْعَةِ تَأْتِي الظُّلْمَةُ . مَثَلًا رِعَايَةُ آدَابِ الْخَلَاءِ ، وَالِاسْتِنْجَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ ، خَيْرٌ مِنْ بِنَاءِ الرِّبَاطِ وَالْمَدْرَسَةِ . كَيْفَ وَالسَّالِكُ بِرِعَايَةِ آدَابِ السُّنَنِ يَتَرَقَّى بِمَقَامِ الْقُرْبِ ، وَبِتَرْكِهَا يَتَنَزَّلُ عَنْهُ ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِ الْأَفْضَلِ مِنْهُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَرْتَبَةِ قَسَاوَةِ الْقَلْبِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا : «الرَّيْنُ» ، «وَالطَّبْعُ» ، «وَالْخَتْمُ» - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . . انْتَهَى . قُلْتُ : وَمَا أَجَلَّ إِنْصَافَ هَذَا التُّرْجُمَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ مَزَلَّةِ الْأَقْدَامِ مِنْ أَكْثَرِ الْأَعْلَامِ لِمَا نَصَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ الْبِدْعَةَ الْحَسَنَةَ مُوَرِّثَةٌ لِقَسَاوَةِ الْقَلْبِ ، وَمُؤَدِّيَةٌ إِلَى الرَّيْنِ وَالطَّبْعِ وَالْخَتْمِ ، وَأَنَّ أَيْسَرَ السُّنَّةِ وَأَدْنَاهَا مُوجِبَةٌ لِنُورِ الْإِيمَانِ ، وَتُرَقِّي الْإِنْسَانَ إِلَى مَقَامِ الْقُرْبِ مِنَ الرَّحْمَنِ . وَالرَّيْنُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الْمُطَفِّفِينَ : 14] . وَالطَّبْعُ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ : وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [التَّوْبَةِ : 93] ، وَالْخَتْمُ إِلَى قَوْلِهِ : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [الْبَقَرَةِ : 7] ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ ، فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَى تَقْسِيمِ الْبِدَعِ إِلَى السَّيِّئَةِ وَالْحَسَنَةِ ، بَلِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : «إِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» . وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْخَتْمَ وَالطَّبْعَ وَالرَّيْنَ مِنْ أَوْصَافِ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ . فَإِذَا حَصَلَتْ - وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا - لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ سِمَةِ الْإِسْلَامِ ، وَدَخَلَ فِي زُمْرَةِ الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ . وَأَيْضًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ : دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِحْدَاثَ الْبِدْعَةِ سَبَبٌ لِرَفْعِ السُّنَّةِ مِثْلَهَا ، وَهَذَا مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ . انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ خَالِصِ الرَّأْيِ ، وَالْكُتُبِ الْفَرْعِيَّةِ الْحَاصِلَةِ مِنِ اجْتِهَادَاتِ الْعُلَمَاءِ ، وَكَيْفَ حَدَثَتْ ، فَرُفِعَ مِثْلُهَا مِنْ دَوَاوِينِ السُّنَّةِ ، وَمَجَامِعُ الْأَحَادِيثِ مَا لَا يَأْتِي عَلَيْهِ الْحَصْرُ ، إِلَى أَنْ فَقَدَ دَرْسَ الْحَدِيثِ وَالْقُرْآنِ ، وَقَامَ مَقَامَهُ سَبْقُ الْوِقَايَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْبُرْهَانِ . فَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ، جَامِعٌ لِلْكَلِمِ وَالْحِكَمِ الْكَثِيرَةِ ، شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْبِدَعِ الْمَشْؤُومَةِ ، مُخْبِرٌ بِرَفْعِ السُّنَنِ عَنِ الْأُمَّةِ . وَقَدْ قَالَ حَسَّانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : «مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ ، إِلَّا نَزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا ، ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية