الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                        فَصْلٌ [فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ] الرَّجْعَةُ تَصِحُّ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَالْإِصَابَةِ الصَّحِيحَةِ إِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بِالطَّوْعِ مِنَ الزَّوْجِ، لَيْسَ بِحُكْمٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فَاسِدًا مِمَّا الْحُكْمُ أَنَّهُ يَفُوتُ بِالدُّخُولِ فَطَلَّقَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسَخُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَطَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ أَوْ بَعْدَ وَقَبْلَ أَنْ يَفْسَخَ، لَمْ تَكُنْ فِيهِ رَجْعَةٌ. وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا، وَالْإِصَابَةُ فَاسِدَةً، كَالَّذِي يُصِيبُ فِي الْحَيْضِ، أَوْ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، أَوْ وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَوْ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، ثُمَّ طَلَّقَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ وَطِئَ وَهِيَ حَائِضٌ، ثُمَّ طَلَّقَ بَعْدَ أَنْ طَهُرَتْ: لَا رَجْعَةَ لَهُ، قَالَ: وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَطْءَ لَيْسَ بِوَطْءٍ، وَلَا يَقَعُ بِهِ عِنْدَهُ إِحْلَالٌ وَلَا إِحْصَانٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُحِلُّ وَيُحْصِنُ. فَجَعَلَهُ كَالْحَلَالِ، فَعَلَى هَذَا يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ، وَإِنْ أَصَابَهَا فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ فِي اعْتِكَافٍ غَيْرِ مَنْذُورٍ، أَوْ مَنْذُورٍ فِي الذِّمَّةِ، كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ; لِأَنَّ ذَلِكَ الصَّوْمَ وَالِاعْتِكَافَ قَدْ بَطَلَ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَلَا يُجِبُ إِمْسَاكُ بَقِيَّتِهِ، فَكَانَ تَمَادِيهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَيْسَ فِي صَوْمٍ وَلَا اعْتِكَافٍ. وَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بِحُكْمٍ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ، أَوْ لِعَيْبٍ بِهِ، جُنُونٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ، فَأَيْسَرَ أَوْ ذَهَبَ الْعَيْبُ فِي الْعِدَّةِ، كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَإِنْ لَمْ يَذْهَبِ السَّبَبُ الَّذِي طُلِّقَ عَلَيْهِ بِهِ لَمْ تَكُنْ لَهُ الرَّجْعَةُ إِذَا لَمْ تَرْضَ الزَّوْجَةُ. وَيَخْتَلِفُ إِذَا رَضِيَتْ هَلْ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ؟ وَكَذَلِكَ الْمُؤْلِي يُطَلَّقُ عَلَيْهِ بِالْإِيلَاءِ، فَلَا تَصِحُّ رَجْعَتُهُ إِلَّا بِالْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي طُلِّقَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ. وَاخْتُلِفَ إِذَا رَضِيَتْ بِالرَّجْعَةِ وَلَمْ يُصِبْ، فَقَالَ سَحْنُونُ فِي السُّلَيْمَانِيَّةِ فِي الْمُولِي وَعَادِمِ النَّفَقَةِ: لَا تَصِحُّ رَجْعَتُهُمَا وَإِنْ رَضِيَتْ. وَلَا تُهْدَمُ عِدَّةٌ ثَبَتَتْ بِطَلَاقٍ لِمَعْنًى، إِلَّا بِزَوَالِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي طُلِّقَتْ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمُطَرِّفٌ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: فِيمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ الْبَتَّةَ أَلَّا يُصِيبَهَا سَنَةً، فَقَامَتْ بِحَقِّهَا فَطُلِّقَ عَلَيْهِ بِالْإِيلَاءِ، فَلَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا. قَالُوا: لِأَنَّ لَهَا أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ بِغَيْرِ وَطْءٍ إِلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ. فَأَجَازُوا رَجْعَتَهُ إِذَا رَضِيَتْ بِتَرْكِ الْإِصَابَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعِ السَّبَبُ الَّذِي كَانَ الطَّلَاقُ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ أَحْسَنُ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ لِحَقٍّ آدَمِيٍّ فِي عَدَمِ النَّفَقَةِ وَعَدَمِ الْوَطْءِ وَوُجُودِ الْعَيْبِ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِالرَّجْعَةِ مَعَ وُجُودِ الْأَسْبَابِ الَّتِي كَانَ الطَّلَاقُ عَنْهَا صَحَّتْ; لِأَنَّهُ حَقُّهَا أَوَّلًا وَأَخِيرًا، وَمِثْلُهُ إِذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَّا يُصِيبَهَا حَتَّى يَحُجَّ أَوْ يَفْعَلَ فِعْلًا لَا يُمْكِنُهُ الْبِرُّ فِيهِ عِنْدَ قِيَامِهَا، فَطُلِّقَ عَلَيْهِ بِالْإِيلَاءِ، ثُمَّ ارْتَجَعَ، فَإِنَّ رَجْعَتَهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى بِرِّهِ، فَيَفْعَلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي الْعِدَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَبِرَّ لَمْ تَصِحَّ رَجْعَتُهُ، وَلَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْإِصَابَةِ لِعَدَمِ الْوَجْهِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ فَيْئَتُهُ، وَهُوَ فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَيَفْعَلَنَّهُ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِرَجْعَتِهِ صَحَّتْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَلَمْ تَصِحَّ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ. وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ فِي الزَّوْجِ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ اخْتِيَارًا ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا وَلَا يُصِيبُهَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنَ الْعِدَّةِ أَنَّ رَجْعَتَهُ صَحِيحَةٌ، وَأَنْ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرَّجْعَةِ الْإِصَابَةُ فِي الْعِدَّةِ.

                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية