الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                        فَصْلٌ [فِيمَنْ أَدْخَلَ رَجُلًا حَانُوتَهُ] وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ أَدْخَلَ رَجُلًا حَانُوتَهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَتَاعًا فَسَرَقَ مِنْهُ ثَوْبًا، لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدِ ائْتَمَنَهُ عَلَى دُخُولِهِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْأَفْنِيَةُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ: إِذَا أَدْخَلَ الرَّجُلُ رَجُلًا دَارَهُ لِعَمَلِهِ أَوِ اشْتِرَائِهِ فَيُعْطِيهِ مَا يَعْمَلُ أَوْ يَشْتَرِي، ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ سَارِقًا إِلَى غَيْرِ مَا أُعْطِيَ أَوِ اسْتُعْمِلَ فِيهِ، أَنَّهُ سَارِقٌ يُقْطَعُ. قَالَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: السَّارِقُ مِنَ الْبَزَّازِ إِذَا أَطْلَعَهُ حَانُوتَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، فَإِنْ كَانَ دَفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا لِيُقَلِّبَهُ أَوْ لِيَخْتَارَ مِنْهُ أَوْ أَبَاحَ لَهُ أَنْ يُقَلِّبَ صِنْفًا فَسَرَقَ مِنْهُ، لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ مَدَّ يَدَهُ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَتَاعِ مِمَّا هُوَ إِلَى جَنْبِهِ لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقُطِعَ عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ; لِأَنَّهُ كَالْمُؤْتَمَنِ عَلَيْهِ . وَإِنْ سَرَقَ مِنْ تَابُوتِ الْمَتَاعِ لَمْ يُقْطَعْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الضَّيْفِ وَالْقَطْعُ أَبْيَنُ، وَإِنْ سَرَقَ مِنَ الْحَانُوتِ مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي طُلُوعِهِ وَلَا أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ شَيْئًا قُطِعَ، وَإِنْ أُذِنَ لَهُ أَنْ يُقَلِّبَ مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يُقْطَعْ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يُطْلِعْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْ حَانُوتِهِ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ عَلَى حَالِهِ وَلَا أَحَدَ مَعَهُ قُطِعَ سَارِقُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي تَابُوتِ الصَّيْرَفِيِّ يَقُومُ عَنْهُ وَيَتْرُكُهُ فَسَرَقَهُ أَحَدٌ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا قَالَ: يُقْطَعُ مَبْنِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَبْنِيٍّ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ يَنْقَلِبُ بِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَنَسِيَهُ لَمْ يُقْطَعْ ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَتَاعِ يُوضَعُ فِي أَفْنِيَةِ الْحَوَانِيتِ فَيَبِيعُونَهُ هُنَاكَ بِالنَّهَارِ فَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ: قُطِعَ . يُرِيدُ، إِذَا كَانَ مَعَهُ صَاحَبَهُ وَسَرَقَ مِنْهُ مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي تَقْلِيبِهِ. وَاخْتُلِفَ إِذَا غَابَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ أَوْ بَاتَ عَنْهُ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُقْطَعُ. . قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: وَمِثْلُ الْقَطَانِيِّ يَبِيعُونَهَا فِي الْقِفَافِ، وَلَهُمْ حُصْرٌ يُغَطُّونَهَا بِاللَّيْلِ، وَذَلِكَ بِأَفْنِيَةِ حَوَانِيتِهِمْ فَقَامَ صَاحِبُهَا لِحَاجَتِهِ وَتَرَكَهَا عَلَى حَالِهَا، فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهَا . فَفَرَّقَ مَا بَيْنَ مَا خَفَّ نَقْلُهُ وَيُنْقَلُ كَمَا قِيلَ فِي التَّابُوتِ يَكُونُ فِي قَاعَةِ الدَّارِ: فَلَيْسَ الصَّغِيرُ مِنْهُ كَالْكَبِيرِ، وَالْقِفَافُ وَمَا فِيهَا مِمَّا لَا يَخِفُّ نَقْلُهُ عِنْدَمَا يَحْتَاجُ صَاحِبُهُ إِلَى الْقِيَامِ عَنْهُ وَلَمْ يَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي تَابُوتِ الصَّيْرَفِيِّ وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا; لِأَنَّ مَا يُجْعَلُ فِيهِ مِمَّا يَخِفُّ نَقْلُهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مَبْنِيٍّ فَنَسِيَ أَنْ يَنْصَرِفَ بِهِ، لَمْ يُقْطَعْ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنْ يَكُونَ حِرْزًا لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ فِيهِ عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ. وَقَالَ فِي الْأَمْتِعَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِي أَفْنِيَةِ الْحَوَانِيتِ لِلْبَيْعِ فَيَسْرِقُ مِنْهَا رَجُلٌ بِالنَّهَارِ، وَفِي الْأَمْتِعَةِ الَّتِي تُوضَعُ فِي الْمَوْقِفِ لِلْبَيْعِ وَلَا حَوَانِيتَ هُنَاكَ فَمَنْ سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ الْمَتَاعِ قُطِعَ، وَإِذَا وَقَفَ غَنَمًا لِلْبَيْعِ فَسَرَقَ مِنْهَا مَنْ أَذِنَ لَهُ فِي تَقْلِيبِهَا، لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي تَقْلِيبِهَا قُطِعَ، وَإِنْ تَعَامَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَسُومُ وَيُقَلِّبُ، وَالْآخَرُ يَسْرِقُ قُطِعَ الَّذِي يَسْرِقُ وَحْدَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الشَّاةِ يَسْرِقُهَا السَّارِقُ مِنْ سُوقِ الْغَنَمِ يُوقِفُهَا صَاحِبُهَا لِلْبَيْعِ: إِنَّهُ يُقْطَعُ سَارِقُهَا مَرْبُوطَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ ، وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: مَنْ سَرَقَ شَاةً مَرْبُوطَةً مِنَ السُّوقِ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ. قَالَ الشَّيْخُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ إِذَا لَمْ يَذْهَبْ صَاحِبُهَا عَنْهَا; لِأَنَّهُ حِرْزٌ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا لَمْ يُقْطَعْ فِي الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ; لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ فِي مَوْضِعِهَا، وَلِأَنَّهَا مِمَّا يَخِفُّ نَقْلُهَا. وَلَوْ كَانَتْ غَنَمًا كَثِيرَةً لِقُطِعَ; لِأَنَّهَا لَا يَخِفُّ نَقْلُهَا، وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْكَثِيرَةِ أَنَّهَا يَثْبُتُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي الرَّعْيِ، لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا وَإِنْ آوَاهَا الْمُرَاحُ قُطِعَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ. وَاخْتُلِفَ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ إِذَا سُرِقَ مِنْهَا وَهِيَ سَائِرَةٌ إِلَى الرَّعْيِ أَوْ رَاجِعَةٌ مِنْهُ وَمَعَهَا مَنْ يَسُوقُهَا، هَلْ يُقْطَعُ سَارِقُهَا؟ فَقِيلَ: يُقْطَعُ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الرَّعْيِ وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "فَإِذَا آوَاهَا الْمُرَاحُ فَالْقَطْعُ" . فَلَمْ يَجْعَلْ فِيهَا قَطْعًا حَتَّى تَصِيرَ إِلَى الْمُرَاحِ، وَإِنْ سَرَقَ دَابَّةً قُطِعَ إِذَا كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ يُحْرِزُهَا، أَوْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ لَهَا مَعْرُوفٌ عَلَى مُزَوِّدِهَا، أَوْ كَانَتْ عَلَى بَابِ دَارِ صَاحِبِهَا، وَلَيْسَتْ فِي دَاخِلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَارِهِ أَوْ فِي غَلَقِهِ قُطِعَ مَرْبُوطَةً كَانَتْ أَوْ لَا ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُقْطَعُ إِذَا خَرَجَ بِهَا. قَالَ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يُقْطَعَ إِذَا نَحَّاهَا عَنْ مُزَوِّدِهَا بِالْأَمْرِ الْبَيِّنِ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ بَابِ الدَّارِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا كَانَتِ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً وَكَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَرْبِطًا لِلدَّابَّةِ مَعْرُوفًا قُطِعَ . يُرِيدُ: إِذَا أَزَالَهَا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَكَانَ سَارِقُهَا مِنْ أَهْلِ الدَّارِ. وَيُخْتَلَفُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا هَلْ يَكُونُ حِرْزُهَا مَوْضِعَهَا أَوْ بَابَ الدَّارِ، إِذَا كَانَ سَرَقَهَا لَيْلًا، وَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي الدَّوَابِّ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ وَقَوْمُهَا مَعَهَا، مُقِيمُونَ تُسْرَقُ مِنْهَا دَابَّةٌ، وَهِيَ عَلَى وَتَدِهَا مَرْبُوطَةٌ، قَالَ: هَذَا مِنْ نَاحِيَةِ الرَّعْيِ وَمَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُقْطَعَ سَارِقُهَا، وَقَالَ أَيْضًا فِيمَنْ رَبَطَ دَابَّةً فِي مَرْجٍ فَسُرِقَتْ إِنْ كَانَ عِنْدَهَا أَحَدٌ يَحْرُسُهَا: فَعَلَى سَارِقِهَا الْقُطْعُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا أَحَدٌ يَحْرُسُهَا فَلَا قَطْعَ فِيهَا لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ حِرْزٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَذَلِكَ مَا لَمْ تَكُنْ مُطْلَقَةً تَرْعَى إِنَّمَا هِيَ فِي مَرْجٍ يُنْقَلُ إِلَيْهَا الْعَلَفَ وَعِنْدَهَا مَنْ يَتَحَفَّظُ بِهَا . فَلَمْ يَرَ فِيهَا قَطْعًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَنْ يَحْرُسُهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَتَدِهَا بِخِلَافِ أَنْ تَكُونَ فِي الْحَاضِرَةِ عَلَى بَابِ صَاحِبِهَا; لِأَنَّ تِلْكَ بَعِيدَةٌ مِنَ الْعُمْرَانِ، وَهَذِهِ يَدُ صَاحِبِهَا عَلَيْهَا; لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ وَدَاخِلٌ وَمُتَفَقِّدٌ لَهَا ، وَيَجْرِي فِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً مِنَ الْعُمْرَانِ، قِيَاسًا عَلَى الْمَطْمُورَةِ إِذَا كَانَتْ فِي فَلَاةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْغَسَّالِ يَنْشُرُ مَتَاعًا عَلَى الْبَحْرِ فَيُسْرَقُ مِنْهُ وَهُوَ يَغْسِلُ آخَرَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيهِ، قَالَ: وَهُوَ يُشْبِهُ الْغَنَمَ فِي الرَّعْيِ . وَأَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ لِمَا كَانَتِ الْعَادَةُ أَنَّ النَّاسَ يَمْشُونَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ الْمَتَاعِ فَيَصِيرُونَ بِذَلِكَ كَالْأُمَنَاءِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيمَا بَيْنَهَا، فَيَرْجِعُ إِلَى الْخِيَانَةِ. وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا يَنْشُرُهُ الصَّبَّاغُ وَالْقَصَّارُ عَلَى الْحَبْلِ فَيُسْرَقُ مِنْهُ هَلْ يُقْطَعُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ فِي مَا يَنْشُرُهُ الصَّبَّاغُ عَلَى حَبْلٍ مَمْدُودٍ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ يَمُرُّ النَّاسُ مِنْ تَحْتِهِ: لَا قِطَعَ فِيهِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ فِيهِ الْقَطْعَ . وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ سَرَقَ ثَوْبًا مَنْشُورًا عَلَى الْجِدَارِ بَعْضُهُ فِي الدَّارِ وَبَعْضُهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ . وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَغَيْرِهَا: أَنَّهُ يُقْطَعُ .

                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية