الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الثَّانِي الرُّطُوبَاتُ الْخَارِجَةُ مِنْ بَاطِنِهِ فَكُلُّ مَا لَيْسَ مُسْتَحِيلًا وَلَا لَهُ مَقَرٌّ فَهُوَ طَاهِرٌ كَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ وَاللُّعَابِ وَالْمُخَاطِ وَمَا لَهُ مَقَرٌّ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فَنَجِسٌ . إتحاف السادة المتقين (الثَّانِي الرُّطُوبَاتُ الْخَارِجَةُ مِنْ بَاطِنِهِ) أَيِ الْحَيَوَانِ وَهِيَ أَيْضًا قِسْمَانِ أَشَارَ إِلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (فَكُلُّ مَا لَيْسَ مُسْتَحِيلًا وَلَا لَهُ مَقَرٌّ) أَيْ لَيْسَ لَهُ اجْتِمَاعٌ وَاسْتِحَالَةٌ فِي الْبَاطِنِ، وَإِنَّمَا يَرْشَحُ رَشْحًا (فَهُوَ طَاهِرٌ) إِنْ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْحَيَوَانِ الْمُتَرَشِّحُ مِنْهُ إِنْ كَانَ نَجِسًا فَنَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَطَاهِرٌ (كَالدَّمْعِ وَالْعَرَقِ وَاللُّعَابِ وَالْمُخَاطِ) أَمَّا الدَّمْعُ فَمَا يَسِيلُ مِنَ الْعَيْنِ عِنْدَ الْغَمِّ أَوِ السُّرُورِ أَوِ الْبَرْدِ، وَالْعَرَقُ مَا يَتَحَلَّبُ مِنَ الْجَسَدِ عِنْدَ الْحَرِّ أَوِ الْعَمَلِ الشَّدِيدِ، وَاللُّعَابُ مَا يَسِيلُ مِنْ فَمِ الْإِنْسَانِ يَقَظَةً وَنَوْمًا مِنْ غَلَبَةِ الرُّطُوبَاتِ الْبَلْغَمِيَّةِ أَوْ مِنْ حَرَكَةِ دُودِ الْقَرْعِ، وَالْمُخَاطُ مَا يَسِيلُ مِنَ الْأَنْفِ، وَهُوَ جَامِدٌ فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَهُوَ ذَنِينٌ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى طَهَارَةِ الْعَرَقِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا عُرْيًا لِأَبِي طَلْحَةَ فَرَكَضَهُ وَلَمْ يَتَحَرَّزْ عَنِ الْعَرَقِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالتَّعَرُّضُ لِلتَّرَشُّحِ إِنَّمَا وَقَعَ; لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ الْخُرُوجُ عَلَى هَيْئَةِ التَّرَشُّحِ لَا أَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّهِ أَوْ أَنَّ الطَّهَارَةَ مَنُوطَةٌ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّمَ وَالصَّدِيدَ قَدْ يَتَرَشَّحَانِ مِنَ الْقُرُوحِ وَالنَّفَاطَاتِ وَهُمَا نَجِسَانِ؟ وَقَوْلُهُ فِي الْوَجِيزِ: لَيْسَ لَهُ مَقَرٌّ يَسْتَحِيلُ فِيهِ لَا يَلْزَمُ مِنْ ظَاهِرِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَحِيلًا أَصْلًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِيلًا لَا فِي مَقَرٍّ، فَإِنْ كَانَ الدَّمْعُ وَسَائِرُ مَا يَقَعُ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَا يَسْتَحِيلُ أَصْلًا فَالتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الْمَقَرِّ ضَرْبٌ مِنَ التَّأْكِيدِ وَالْبَيَانِ، وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِيلُ لَا فِي مَقَرٍّ فَالْحُكْمُ مَنُوطٌ بِنَفْيِ الِاسْتِحَالَةِ فِي الْمَقَرِّ لَا بِمُطْلَقِ نَفْيِ الِاسْتِحَالَةِ، ثُمَّ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَمَا لَهُ مَقَرٌّ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ) أَيْ مَا يَسْتَحِيلُ وَيَجْتَمِعُ فِي الْبَاطِنِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْمَعْنَى وَمَا اسْتَحَالَ فِي مَقَرٍّ فِي الْبَاطِنِ (فَنَجِسٌ) كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْعُذْرَةِ كَذَا فِي الْوَجِيزِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ نَجِسَةٌ مِنَ الْآدَمِيِّ وَمِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُولِ مِنْهَا وَغَيْرِ الْمَأْكُولِ، أَمَّا فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا فِي الْمَأْكُولِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ; لِأَنَّهَا مُتَغَيِّرَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَرَوْثُهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ، وَتَمَسَّكُوا بِأَحَادِيثَ مَشْهُورَةٍ فِي الْبَابِ مَعَ تَأْوِيلِهَا وَمُعَارَضَتِهَا، وَهَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ هَذِهِ الْفَضَلَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ: لَا لِمَا رُوِيَ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ شَرِبَتْ بَوْلَهُ فَقَالَ: إِذًا لَا يَلِجُ النَّارُ بَطْنَكِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا، وَيُرْوَى شُرْبِ دَمِهِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي طَيْبَةَ الْحَجَّامِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي طَيْبَةَ: لَا تَعُدِ الدَّمُ كُلُّهُ حَرَامٌ، قُلْتُ: وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ بَهْجَةِ الْحَاوِي: إِنَّ شَيْخَهُ السَّرَّاجَ الْبَلْقِينِيَّ نَقَلَ عَنِ ابْنِ الْقَاصِّ وَالْبَغَوِيِّ الْجَزْمَ بِالطَّهَارَةِ، وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ تَصْحِيحُهَا وَنَقَلَهُ الْعُمْرَانِيُّ عَنِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَقَالَ شَيْخُنَا بِهِ الْفَتْوَى . وَقَالَ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ نَعَمْ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِ وَحَمَلُوا الْأَخْبَارَ عَلَى التَّدَاوِي، ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَفِي خَرْءِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَبَوْلِهِمَا وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا النَّجَاسَةُ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهِمَا لِوُجُودِ الِاسْتِحَالَةِ وَالتَّغَيُّرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَذَا ذَرْقُ الطُّيُورِ إِلَّا الدَّجَاجَةَ، وَالثَّانِي الطَّهَارَةُ لِجَوَازِ ابْتِلَاعِ السَّمَكَةِ حَيَّةً وَمَيْتَةً وَإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى أَكْلِ الْمُمَلَّحَةِ مِنْهَا عَلَى مَا فِي بُطُونِهَا، وَكَذَلِكَ فِي خَرْءِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا النَّجَاسَةُ، وَالثَّانِي لَا; لِأَنَّ الرُّطُوبَةَ الْمُنْفَصِلَةَ مِنْهُ كَالرُّطُوبَةِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنَ النَّبَاتِ لِمُشَابِهَةِ صُورَتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ صُورَتَهُ فِي الْحَيَاةِ; وَلِهَذَا لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى رَأْيِ هَذَا كُلِّهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْعُذْرَةِ إِلَّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الرَّافِعِيُّ كَمَا سَبَقَ، وَلَكِنْ فِي الْمَطْلَبِ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْغَزَالِيِّ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي عُذْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ فِي بَوْلِهِ وَدَمِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية