الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَمِنْهَا التَّكَبُّرُ وَالتَّرَفُّعُ عَلَى النَّاسِ فَقَدّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ وَمَنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ اللَّهُ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَظَمَةُ إِزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ . وَلَا يَنْفَكُّ الْمَنَاظِرُ عَنْ التَّكَبُّرِ عَلَى الْأَقْرَانِ وَالْأَمْثَالِ وَالتَّرَفُّعِ إِلَى فَوْقَ قَدْرِهِ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَتَقَاتَلُونَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْمَجَالِسِ يَتَنَافَسُونَ فِيهِ فِي الِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ وَالْقُرْبِ مِنْ وِسَادَةِ الصَّدْرِ وَالْبُعْدِ مِنْهَا وَالتَّقَدُّمِ فِي الدُّخُولِ عِنْدَ مُضَايِقِ الطُّرُقِ . وَرُبَّمَا يَتَعَلَّلُ الْغَبِيُّ وَالْمَكَّارُ الْخَدَّاعُ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ يَبْغِي صِيَانَةَ عِزِّ الْعِلْمِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ مَنْهِيٌّ عَنِ الْإِذْلَالِ لِنَفْسِهِ فَتُعَبِّرُ عَنِ التَّوَاضُعِ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَائِرُ أَنْبِيَائِهِ بِالذُّلِّ وَعَنِ التَّكَبُّرِ الْمَمْقُوتِ عِنْدَ اللَّهِ بِعِزِّ الدِّينِ تَحْرِيفًا لِلِاسْمِ وَإِضْلَالًا لِلْخَلْقِ بِهِ كَمَا فَعَلَ فِي اسْمِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِمَا . إتحاف السادة المتقين (وَمِنْهَا التَّكَبُّرُ) أَنْ يُرَى نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَفِي نُسْخَةٍ: وَمِنْهَا الْكِبْرُ (وَ) فِي مَعْنَاهُ (التَّرَفُّعُ عَلَى النَّاسِ) وَأَعْظَمُ التَّكَبُّرِ التَّكَبُّرُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالِامْتِنَاعِ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالْإِذْعَانِ وَأَصْلُ التَّكَبُّرِ يُقَالُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الْأَفْعَالُ حَسَنَةً كَثِيرَةً فِي الْحَقِيقَةِ، وَزَائِدَةً عَلَى مَحَاسِنِ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ وُصِفَ اللَّهُ بِالْمُتَكَبِّرِ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّفًا لِذَلِكَ مُتَشَبِّعًا وَذَلِكَ وَصْفُ عَامَّةِ النَّاسِ وَمَنْ وُصِفَ بِالتَّكَبُّرِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَمَحْمُودٌ وَعَلَى الثَّانِي فَمَذْمُومٌ (وَقَدْ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ وَمَنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ اللَّهُ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَقَالَ: غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ وَلِابْنِ مَاجَهْ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ. اهـ . قُلْتُ: هُوَ فِي تَارِيخِ الْخَطِيبِ بِلَفْظِ: خَفَضَهُ اللَّهُ مَكَانَ وَضَعَهُ وَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ: قَصَمَهُ اللَّهُ مَكَانَ وَضَعَهُ، أَخْرَجَاهُ هَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ تَوَاضَعُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: فَذَكَرَاهُ، وَقَالَ الْخَطِيبُ: غَرِيبٌ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ. وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى فِي مَسْنَدَيْهِمَا . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ بِلَفْظِ: مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ قَالَ: وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ بَلْ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ. هَكَذَا خَرَّجَاهُ مَعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ عَنْ عُمَرَ بِلَفْظِ: مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، وَقَالَ انْتَعِشْ نَعَشَكَ اللَّهُ فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ وَعِنْدَ اللَّهِ كَبِيرٌ، وَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنِ الْمُقْرِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ تَوَاضَعَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ رَفَعَهُ اللَّهُ وَمَنِ ارْتَفَعَ عَلَيْهِ وَضَعَهُ اللَّهُ وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَكَذَا الْقُضَاعِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَزَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فِي رِوَايَةٍ وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ وَضَعَهُ اللَّهُ حَيْثُ يَجْعَلُهُ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ، وَوَجَدَتْ أَيْضًا فِي الْحِلْيَةِ فِي تَرْجَمَةِ سَلْمَانَ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ قَالَ سَلْمَانُ: يَا جَرِيرُ تَوَاضَعْ فَإِنَّهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا رَفَعَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي الْبَابِ عَنْ طَلْحَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَوْسِ بْنِ خَوْلِيٍّ ثُمَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَوَاضَعَ لِلَّهِ أَيْ: لَأَجْلِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَوَاضُعًا حَقِيقِيًّا وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ مَا كَانَ نَاشِئًا عَنْ شُهُودِ عَظَمَةِ الْحَقِّ وَتَجَلَّى صِفَتَهُ، فَالتَّوَاضُعُ لِلنَّاسِ مَعَ اعْتِقَادِ عَظَمَةٍ فِي النَّفْسِ وَاقْتِدَارٍ لَيْسَ بِتَوَاضُعٍ حَقِيقِيٍّ بَلْ هُوَ بِالتَّكَبُّرِ أَشْبَهُ وَقِيلَ التَّوَاضُعُ لِلَّهِ أَنْ يَضَعَ نَفْسَهُ حَيْثُ وَضَعَهَا اللَّهُ مِنَ الْعَجْزِ وَذُلِّ الْعُبُودِيَّةِ تَحْتَ أَوَامِرِهِ سُبْحَانَهُ بِالِامْتِثَالِ وَزَوَاجِرِهِ بِالِانْزِجَارِ وَأَحْكَامِهِ بِالتَّسْلِيمِ لِلْأَقْدَارِ لِيَكُونَ عَبْدًا فِي كُلِّ حَالٍ فَيَرْفَعُهُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ وَإِنْ تَعَدَّى طَوْرَهُ وَتَجَاوَزَ حَدَّهُ وَتَكْبَّرَ وَضَعَهُ بَيْنَ الْخَلَائِقِ (وَقَالَ) -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- الْعَظَمَةُ إِزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِتَقْدِيمِ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى الْعَظَمَةِ وَهِيَ نُسْخَةِ الْعِرَاقِيِّ قَالَ الْعِرَاقِيُّ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ. مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ. اهـ . وَفِي الْمَقَاصِدِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا يَقُولُ اللَّهُ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظْمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ. وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ فِي جَهَنَّمَ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: عَذَّبَتْهُ، وَقَالَ: رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ بِالْغِيبَةِ وَزَادَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَبَا سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ بِلَفْظِ: قَصَمْتُهُ وَبِدُونِ ذِكْرِ الْعَظَمَةِ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَمِمَّنْ أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ الْقُضَاعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِزِيَادَةِ: يَقُولُ اللَّهُ، وَلِلْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ يَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِيَ الْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ وَالْفَخْرُ وَالْقَدَرُ سِرِّيِّ فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهُنَّ كَبَبْتُهُ فِي النَّارِ. اهـ . قُلْتُ: أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَغَرِّ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا أَنَّ لَفْظَهُمَا فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ: أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ وَالْحَاكِمُ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (وَلَا تَنْفَكُّ الْمُنَاظَرَةُ) وَالْمُبَاحَثَةُ (عَنْ) لِحَوْقِ وَصْفِ (التَّكَبُّرِ عَلَى الْأَقْرَانِ) مِنْ مُنَاظِرِيهِ (وَالْأَمْثَالِ) مِنْهُمْ (وَالتَّرَفُّعِ) فِي حَالَاتِهِ (إِلَى فَوْقَ قَدْرِهِ) فَيَقَعُ فِي التَّجَاوُزِ عَنِ الْحُدُودِ (حَتَّى إِنَّهُمْ) أَيْ: أُولَئِكَ الْمُنَاظِرِينَ (لَيُقَاتِلُونِ) وَيُدَافِعُونَ بِمَنَاكِبِهِمْ (عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْمَجَالِسِ) وَتَرَاهُمْ (يَتَنَافَسُونَ فِيهَا) وَيَتَفَاخَرُونَ (فِي الِارْتِفَاعِ) فِي جُلُوسِهِمْ (وَالِانْخِفَاضِ) عَنْ مَرْتَبَتِهِمْ (وَ) يَتَبَاهَوْنَ (فِي الْقُرْبِ مِنْ وِسَادَةِ الصُّدُورِ) وَالْأَكَابِرِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَتَوَسَّدُ فِيهِ الصُّدُورُ وَيَتَّكِئُ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ صَدْرُ الْمَجْلِسِ (وَ) يَتَنَزَّهُونَ عَنْ ( الْبُعْدِ مِنْهُ) وَيَرَوْنَ ذَلِكَ ازْدِرَاءً لِشَأْنِهِمْ وَاحْتِقَارًا لَهُمْ (وَ) تَرَاهُمْ يُؤْثِرُونَ (التَّقَدُّمَ فِي الدُّخُولِ) فِي الْمَجَالِسِ (عِنْدَ مُضَايِقِ الطُّرُقِ) وَمِصَاعِبِهَا فَيَخْتَارُونَ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ فِي حَالَةِ مَشْيِهِمْ (وَرُبَّمَا يَتَعَلَّلُ) وَفِي نُسْخَةٍ: يَتَغَابَنُ (الْغَبِيُّ) الَّذِي أُشْرِبَ قَلْبُهُ هَوَى الْجَاهِ وَالرِّفْعَةِ (أَوِ الْمُكَاثِرُ الْخَدَّاعُ مِنْهُمْ) الَّذِي كَثُرَ كَلَامُهُ وَإِرْهَاصَاتُهُ وَخَدَعَ النَّاسَ بِظَاهِرِ حَالِهِ وَفِي نُسْخَةٍ: وَالْمَكَّارُ الْخَدَّاعُ وَهُوَ قَرِيبٌ فِي الْمَعْنَى وَيَحْتَجُّ فِي فِعْلِهِ هَذَا (بِأَنَّهُ يَبْغِي) أَيْ: يَطْلُبُ (صِيَانَةَ الْعِلْمِ) وَحِفْظِ حَوْزَتِهِ وَحِمَايَتِهِ وَفِي نُسْخَةٍ: صِيَانَةً عَنِ الْعِلْمِ (وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مَنْهِيٌّ عَنْ إِذْلَالِ نَفْسِهِ) وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ، أَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جُنْدُبٍ عَنْهُ رَفَعَهُ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، قَالَهُ الْعِرَاقِيُّ، قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَزَادَ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ قِيلَ: كَيْفَ يَذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِمْ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْبَصْرِيُّ السُّلَمِيُّ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جُنْدُبٍ عَنْ حُذَيْفَةَ فَذَكَرَهُ قَالَ وَهَذَا لَيْسَ عِنْدَ هُدْبَةَ إِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا لِعَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ عَنْ حَمَّادٍ وَقَدِ ادَّعَاهُ عُمَرُ بْنُ مُوسَى الْحَارِثِيُّ عَنِ الْكُدَيْمِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَبْطَلَ رِوَايَتَهُ، هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ هُدْبَةَ عَنْ حَمَّادٍ. اهـ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ عِصَامِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ، وَقَالَ يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ تَفَرَّدَ بِهِ الْجَارُودُ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَكَرَةٍ فَرَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْهُ رَفَعَهُ: لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، وَالْخَلِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ مُوسَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَارِثِيِّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ رَفَعَهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ وَقَالَ ضَعِيفٌ يَسْرِقُ الْحَدِيثَ، قَالَ: وَهَذَا يُعْرَفُ بِعَمْرِو بْنِ عَاصِمٍ عَنْ حَمَّادٍ فَسَرَقَهُ مِنْهُ عُمَرُ هَذَا، قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ الْحَدِيثُ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قُلْتُ: وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مَسْنَدِهِ أَشَارَ لَهُ الْجَلَالُ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ وَقَرَأْتُ فِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ لَهُ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهُوَ مَعَ هَارُونَ الْخَلِيفَةِ وَدَقَّ عَلَيْهِ الْبَابَ فَلَمْ يَفْتَحْ أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ فَنَزَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ. اهـ . (فَيُعَبِّرُ عَنِ التَّوَاضُعِ الَّذِي أَثْنَى اللَّهُ) عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ، (وَسَائِرُ أَنْبِيَائِهِ) عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي أَقْوَالِهِمْ وَكَلِمَاتِهِمْ (بِالذُّلِّ) عَلَى حَسَبِ زَعْمِهِ (وَيُعَبِّرُ عَنِ التَّكَبُّرِ) الْوَارِدِ فِي ذَمِّهِ أَحَادِيثُ (الْمَمْقُوتِ) أَيِ: الْمَبْغُوضِ (عِنْدَ اللَّهِ) أَشَدَّ الْبُغْضِ (بِعِزِّ الدِّينِ) ، وَهَذَا مِنْ فَسَادِ مَعْقُولِهِ (تَحْرِيفًا لِلِاسْمِ) وَتَغْيِيرًا لِمَعَانِيهِ وَوَضْعِهِ إِيَّاهُ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِهِ (وَإِضْلَالًا لِلْخَلْقِ بِهِ) وَإِهْلَاكًا لَهُمْ بِهَذَا الْوَصْفِ الذَّمِيمِ (كَمَا فَعَلَ فِي اسْمِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِمَا) كَالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ وَالْفِقْهِ عَلَى مَا عُرِّفَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية