الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَفِي تَعْطِيلِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ زِيَادَةُ تَحْرِيضٍ وَبَعْثٍ عَلَى انْتِظَارِ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ فَخُصِّصَتْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ بِالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ حَذَرًا مِنَ الْمَلَلِ بِالْمُدَاوَمَةِ ، وَتَفَرُّجًا بِالِانْتِقَالِ مِنْ نَوْعِ عِبَادَةٍ إِلَى نَوْعٍ آخَرَ . فَفِي الِاسْتِطْرَافِ وَالِاسْتِجْدَادِ لَذَّةٌ وَنَشَاطٌ وَفِي الِاسْتِمْرَارِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ اسْتِثْقَالٌ وَمَلَالٌ وَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الصَّلَاةُ سُجُودًا مُجَرَّدًا وَلَا رُكُوعًا مُجَرَّدًا وَلَا قِيَامًا مُجَرَّدًا بَلْ رُتِّبَتِ الْعِبَادَاتُ مِنْ أَعْمَالٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَأَذْكَارٍ مُتَبَايِنَةٍ فَإِنَّ الْقَلْبَ يُدْرِكُ مِنْ كُلٍّ عَمَلٍ مِنْهُمَا لَذَّةً جَدِيدَةً عِنْدَ الِانْتِقَالِ إِلَيْهَا وَلَوْ وَاظَبَ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَتَسَارَعَ إِلَيْهِ الْمَلَلُ . فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ أُمُورًا مُهِمَّةً فِي النَّهْيِ عَنِ ارْتِكَابِ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْرَارٍ أُخْرَى لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهَا وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ بِهَا . فَهَذِهِ الْمُهِمَّاتُ لَا تُتْرَكُ إِلَّا بِأَسْبَابٍ مُهِمَّةٍ فِي الشَّرْعِ مِثْلَ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْخُسُوفِ وَتَحِيَّةِ ، الْمَسْجِدِ . فَأَمَّا مَا ضَعُفَ عَنْهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَادِمَ بِهِ مَقْصُودَ النَّهْيِ . هَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ عِنْدَنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . كَمُلَ كِتَابُ أَسْرَارِ الصَّلَاةِ مِنْ كِتَابِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ . يَتْلُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ كِتَابُ أَسْرَارِ الزَّكَاةِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ . وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . السَّابِعَةُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: كِتَابُ أَسْرَارِ الزَّكَاةِ مُشْعِرٌ بِرَبْطِ الْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ بِالِاعْتِبَارِ الْبَاطِنِيِّ لِكَمَالِ الثَّنَاءِ، وَكَذَا الْحَالُ فِيمَا سَبَقَ آنِفًا؛ كِتَابُ أَسْرَارِ الطَّهَارَةِ، كِتَابُ أَسْرَارِ الصَّلَاةِ، وَفِيمَا يَجِيءُ بَعْدَ كِتَابِ أَسْرَارِ الصِّيَامِ كِتَابُ أَسْرَارِ الْحَجِّ; فَإِنَّهُ مَا يَظْهَرُ فِي الْعَالَمِ صُورَةٌ مِنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ بِأَيِّ سَبَبٍ ظَهَرَتْ مِنْ أَشْكَالٍ وَغَيْرِهَا إِلَّا وَلِتِلْكَ الْعَيْنُ الْحَادِثَةُ فِي الْحِسِّ رُوحٌ يَصْحَبُ تِلْكَ الصُّورَةَ وَالشَّكْلَ الَّذِي ظَهَرَ; فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُوجِدُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِتِلْكَ الصُّورَةِ بِنِيَابَةِ كَوْنٍ مِنْ أَكْوَانِهِ؛ مِنْ مَلَكٍ أَوْ جِنٍّ أَوْ إِنْسٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ نَبَاتٍ أَوْ جَمَادٍ، وَهَذِهِ هِيَ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا لِوُجُودِ تِلْكَ الصُّورَةِ فِي الْحِسِّ، فَلَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ رَبَطَ بِكُلِّ صُورَةٍ حِسِّيَّةٍ رُوحًا مَعْنَوِيًّا بِتَوَجُّهٍ إِلَهِيٍّ عَنْ حُكْمِ اسْمٍ رَبَّانِيٍّ; لِهَذَا اعْتَبَرْنَا خِطَابَ الشَّارِعِ فِي الْبَاطِنِ عَلَى حُكْمِ مَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ قَدَمَا بِقَدَمٍ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ صُورَتُهُ الْحِسِّيَّةُ، وَالرُّوحُ الْإِلَهِيُّ الْمَعْنَوِيُّ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ هُوَ الَّذِي نُسَمِّيهِ الِاعْتِبَارَ فِي الْبَاطِنِ، مِنْ عَبَرْتُ الْوَادِيَ إِذَا جُزْتَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ وَقَالَ تَعَالَى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ أَيْ: جُوزُوا مِمَّا رَأَيْتُمُوهُ مِنَ الصُّوَرِ بِأَبْصَارِكُمْ إِلَى مَا تُعْطِيهِ تِلْكَ الصُّوَرُ مِنَ المَعَانِي وَالْأَرْوَاحِ فِي بَوَاطِنِكُمْ فَتُدْرِكُونَهَا بِبَصَائِرِكُمْ، فَأَمَرَ وَحَثَّ عَلَى الِاعْتِبَارِ. قَالَ الشَّيْخُ الْأَكْبَرُ قَدَّسَ سِرَّهُ: هَذَا بَابٌ أَغْفَلَهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ الْجُمُودِ عَلَى الظَّاهِرِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنْ الِاعْتِبَارِ إِلَّا التَّعَجُّبُ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ عُقُولِهِمْ وَعُقُولِ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ، فَهَؤُلَاءِ مَا عَبَرُوا قَطُّ مِنْ تِلْكَ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهُ يَرْزُقُنَا الْإِصَابَةَ فِي النُّطْقِ وَالْإِخْبَارِ عَمَّا اسْتَهْدَيْنَاهُ وَعَلِمْنَاهُ مِنَ الحَقِّ عِلْمَ كَشْفٍ وَشُهُودٍ وَذَوْقٍ; فَإِنَّ الْعِبَارَةَ عَنْ ذَلِكَ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ لِتَأْتِيَ بِحُكْمِ الْمُطَابَقَةِ، وَكَمْ مِنْ شَخْصٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُعَبِّرَ عَمَّا فِي نَفْسِهِ، وَكَمْ مِنْ شَخْصٍ تُفْسِدُ عِبَارَتُهُ صِحَّةَ مَا فِي نَفْسِهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية