الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَلْيَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَدْرَ ثَلَاثِ خُطُوَاتٍ لِيَكُونَ قَرِيبًا مِنَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ وَلِكَيْلَا يَكُونَ طَائِفًا عَلَى الشَّاذَرْوَانِ فَإِنَّهُ مِنَ الْبَيْتِ وَعِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ قَدْ يَتَّصِلُ الشَّاذَرْوَانُ بِالْأَرْضِ وَيَلْتَبِسُ بِهِ وَالطَّائِفُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ طَوَافُهُ لِأَنَّهُ طَائِفٌ فِي الْبَيْتِ وَالشَّاذَرْوَانُ هُوَ الَّذِي فَضَلَ عَنْ عَرْضِ جِدَارِ الْبَيْتِ بَعْدَ أَنْ ضُيِّقَ أَعْلَى الْجِدَارِ ثُمَّ مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ . . الثَّالِثُ : أَنْ يَقُولَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْحَجَرِ بَلْ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ : بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَطُوفُ . فَأَوَّلُ مَا يُجَاوِزُ الْحَجَرَ يَنْتَهِي إِلَى بَابِ الْبَيْتِ فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ هَذَا الْبَيْتُ بَيْتُكَ وَهَذَا الْحَرَمُ حَرَمُكَ وَهَذَا الْأَمْنُ أَمْنُكَ وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ . وَعِنْدَ ذِكْرِ الْمَقَامِ يُشِيرُ بِعَيْنِهِ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اللَّهُمَّ إِنَّ بَيْتَكَ عَظِيمٌ وَوَجْهَكَ كَرِيمٌ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَأَعِذْنِي مِنَ النَّارِ وَمِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَحَرِّمْ لَحْمِي وَدَمِي عَلَى النَّارِ وَآمِنِّي مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاكْفِنِي مُؤْنَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . ثُمَّ يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَحْمَدُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّكْنَ الْعِرَاقِيَّ فَعِنْدَهُ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّرْكِ وَالشَّكِّ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ . " فَإِذَا بَلَغَ الْمِيزَابَ قَالَ : اللَّهُمَّ أَظِلَّنَا تَحْتَ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ اللَّهُمَّ اسْقِنِي بِكَأْسِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْبَةً لَا أَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا . فَإِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ الشَّامِيَّ قَالَ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا وَتِجَارَةً لَنْ تَبُورَ يَا عَزِيزُ يَا غَفُورُ " رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوُزْ عَمَّا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ فَإِذَا بَلَغَ الرَّكْنَ الْيَمَانِيَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَقُولُ بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ : اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا بِرَحْمَتِكَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ فَإِذَا بَلَغَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ قَالَ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي بِرَحْمَتِكَ أَعُوذُ بِرَبِّ هَذَا الْحَجَرِ مِنَ الدَّيْنِ وَالْفَقْرِ وَضِيقِ الصَّدْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ " وَعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ تَمَّ شَوْطٌ وَاحِدٌ فَيَطُوفُ كَذَلِكَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ فَيَدْعُو بِهَذِهِ الْأَدْعِيَةِ فِي كُلِّ شَوْطٍ . الرَّابِعُ : أَنْ يَرْمُلَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْوَاطٍ وَيَمْشِيَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُخَرِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُعْتَادَةِ . وَمَعْنَى الرَّمَلِ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا وَهُوَ دُونَ الْعَدْوِ وَفَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ . وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ وَمِنَ الِاضْطِبَاعِ إِظْهَارُ الشَّطَارَةِ وَالْجَلَادَةِ وَالْقُوَّةِ هَكَذَا كَانَ الْقَصْدُ أَوَّلًا قَطْعًا لِطَمَعِ الْكُفَّارِ وَبَقِيَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ وَإِذَا فَهِمْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ فِي الرَّمَلِ صُوَرًا : إِحْدَاهَا : حَيْثُ يُسَنُّ الرَّمَلُ فَإِنَّمَا يُسَنُّ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ فَالسُّنَّةُ فِيهَا الْهِينَةُ وَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ . الثَّانِيَةُ : لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الرَّمَلَ لَا يُسَنُّ فِي كُلِّ طَوَافٍ وَفِيمَ يُسَنُّ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا قَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَهُوَ الْأَصَحُّ الْجَدِيدُ يُسَنُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ وَالِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الْعَهْدِ بِالْبَيْتِ فَيَلِيقُ بِهِ النَّشَاطُ وَالِاهْتِزَازُ وَالثَّانِي أَنَّهُ إِنَّمَا يُسَنُّ فِي طَوَافٍ يَسْتَعْقِبُ السَّعْيَ لِانْتِهَائِهِ إِلَى مَوَاضِعِ الْحَرَكَاتِ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَهَذَا أَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَارِيخِ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْوَادِعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقُدُومِ وَلَا يَسْتَعْقِبُ السَّعْيَ وَيَرْمُلُ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا لِوُقُوعِ طَوَافِهِ عَنِ الْقُدُومِ وَاسْتِعْقَابِهِ السَّعْيَ وَيَرْمُلُ أَيْضًا الْآفَاقِيُّ الْحَاجُّ إِنْ دَخَلَ مَكَّةَ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَإِنْ دَخَلَهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ فَهَلْ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ ؟ يُنْظَرُ إِنْ كَانَ لَا يَسْعَى عَقِيبَهُ وَيُؤَخِّرُهُ إِلَى إِثْرِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَرْمُلُ وَعَلَى الثَّانِي لَا وَإِنَّمَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَعَى عَقِيبَهُ يَرْمُلُ فِيهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَإِذَا رَمَلَ فِيهِ وَسَعَى فَلَا يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إِنْ لَمْ يُرِدِ السَّعْيَ عَقِيبَهُ وَإِنْ أَرَادَ فَكَذَلِكَ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ طَافَ لِلْقُدُومِ وَسَعَى بَعْدَهُ بِلَا رَمَلٍ فَهَلْ يَقْضِيهِ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : وَيُقَالُ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : لَا ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لَا يَقْضِيهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ وَإِنْ طَافَ وَرَمَلَ وَلَمْ يَسْعَ فَجَوَابُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَرْمُلُ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ هُنَا لِبَقَاءِ السَّعْيِ عَلَيْهِ وَكَوْنِ هَيْئَةِ الرَّمَلِ مَعَ الِاضْطِبَاعِ مُرَغِّبَةً فِيهِ وَالسَّعْيُ تَبَعٌ لِطَوَافِهِ فَلَا يَزِيدُ فِي الصِّفَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَالِبِ الظَّنِّ مِنْهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ بِاسْتِعْقَابِ السَّعْيِ وَهَلْ يَرْمُلُ الْمَكِّيُّ الْمُنْشِئُ حَجَّهُ مِنْ مَكَّةَ فِي طَوَافِهِ ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَلَا وَيُسَنُّ لَهُ طَوَافُ قُدُومٍ وَدُخُولٍ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَنَعَمْ لِاسْتِعْقَابِهِ السَّعْيَ . الثَّالِثَةُ : لَوْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لَمْ يَقْضِهِ فِي الْأَخِيرَةِ لَأَنَّ الْهِينَةَ وَالسَّكِينَةَ مَسْنُونَةٌ فِيهَا اسْتِنَانَ الرَّمَلِ فِي الْأُوَلِ فَلَوْ قَضَاهُ لَفَوَّتَ سُنَّةً حَاضِرَةً كَمَا لَوْ تَرَكَ الْجَهْرَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَا يَقْضِيهِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَيُخَالِفُ مَا لَوْ تَرَكَ سُورَةَ الْجُمْعَةِ فِي الْأُولَى يَقْرَؤُهَا مَعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الثَّانِيَةِ لَأَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ هُنَاكَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية