الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَمَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ السَّمَاعِ فُنُونٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الْإِيجَازُ بِالْحَذْفِ وَالْإِضْمَارِ إتحاف السادة المتقين وَلْنَرْجِعْ إِلَى شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِتْبَاعِ فُنُونٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الْإِيجَازُ ) ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْبَلَاغَةِ حَتَّى نَقَلَ صَاحِبُ سِرِّ الْفَصَاحَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: الْبَلَاغَةُ هِيَ الْإِيجَازُ وَالْإِطْنَابُ، ثُمَّ إِنَّ الْإِيجَازَ وَالِاخْتِصَارَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمِفْتَاحِ، وَصَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاخْتِصَارُ خَاصٌّ بِالْجُمَلِ فَقَطْ بِخِلَافِ الْإِيجَازِ، وَرَدَّهُ صَاحِبُ عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ، وَالْإِيجَازُ قِسْمَانِ إِيجَازُ قِصَرٍ، وَإِيجَازُ حَذْفٍ، وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ الْمُصَنَّفُ بِقَوْلِهِ (بِالْحَذْفِ وَالْإِضْمَارِ) ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجِيزُ بِلَفْظِهِ الطَّوِيلُ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَعْنَى أَقَلَّ مِنَ الْقَدْرِ الْمَعْهُودِ عَادَةً، وَسَبَبُ حُسْنِهِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْفَصَاحَةِ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي التِّبْيَانِ: الْإِيجَازُ الْخَالِي مِنَ الْحَذْفِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ . أَحَدُهَا: إِيجَازُ الْقِصَرِ وَهُوَ أَنْ يَقْصُرَ اللَّفْظُ فِي مَعْنَاهُ مِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ إِلَى قَوْلِهِ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ جَمَعَ فِي أَحْرُفٍ الْعُنْوَانَ وَالْكِتَابَةَ وَالْحَاجَةَ . الثَّانِي: إِيجَازُ التَّقْدِيرِ وَهُوَ أَنْ يُقَدِّرَ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى الْمَنْطُوقِ، وَسَمَّاهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي الْمِصْبَاحِ بِالتَّضْيِيقِ; لِأَنَّهُ نَقَصَ مِنَ الْكَلَامِ مَا صَارَ لَفْظُهُ أَضْيَقَ مِنْ قَدْرِ مَعْنَاهُ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أَيِ لِلضَّالِّينَ الصَّائِرِينَ بَعْدَ الضَّلَالِ إِلَى التَّقْوَى . الثَّالِثُ: الْإِيجَازُ الْجَامِعُ وَهُوَ أَنْ يَحْتَوِيَ اللَّفْظُ عَلَى مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ الْآيَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَمِنْ بَدِيعِ الْإِيجَازِ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا قَدْ تَضَمَّنَتِ الرَّدَّ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِينَ فِرْقَةٍ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ بِالتَّأْلِيفِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ الْآيَةَ، أَمَرَ فِيهَا وَنَهَى، وَأَخْبَرَ وَنَادَى وَنَعَتَ وَسَمَّى، وَأَهْلَكَ وَأَبْقَى وَأَسَعَدَ وَأَشْقَى وَقَصَّ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا لَوْ شُرِحَ مَا انْدَرَجَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ بَدِيعِ اللَّفْظِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْإِيجَازِ وَالْبَيَانِ لَجَفَّتِ الْأَقْلَامُ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ أَيْضًا بِالتَّأْلِيفِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ الْآيَةَ جَمَعَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَحَدَ عَشَرَ جِنْسًا مِنَ الْكَلَامِ فَأَدَّتْ وَكَنَّتْ وَنَبَّهَتْ وَسَمَّتْ وَأَمَرَتْ وَقَصَّتْ وَحَذَّرَتْ وَخَصَّتْ وَعَمَّتْ وَأَشَارَتْ وَعَذَرَتْ فَأَدَّتْ خَمْسَ حُقُوقٍ حَقَّ اللَّهِ، وَحَقَّ سُلَيْمَانَ، وَحَقَّهَا وَحَقَّ رَعِيَّتِهَا، وَحَقَّ جُنُودِ سُلَيْمَانُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَثِيرٌ وَاللَّفْظُ يَسِيرٌ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى قُتِلَ كَانَ ذَلِكَ دَاعِيًا إِلَى أَنْ لَا يُقْدِمَ عَلَى الْقَتْلِ، فَارْتَفَعَ بِالْقَتْلِ الَّذِي هُوَ الْقِصَاصُ كَثِيرٌ مِنْ قَتْلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَكَانَ ارْتِفَاعُ الْقَتْلِ حَيَاةً لَهُمْ، وَقَدْ فُضِّلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى أَوْجَزَ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُهُمُ الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ بِعِشْرِينَ وَجْهًا، أَوْ أَكْثَرَ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ هَذَا التَّفْضِيلَ، وَقَالَ: لَا تَشْبِيهَ بَيْنَ كَلَامِ الْخَالِقِ، وَكَلَامِ الْمَخْلُوقِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ الْجَامِعَةِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية