الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الْوِرْدُ الثَّالِثُ : النَّوْمُ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَدَّ ذَلِكَ فِي الْأَوْرَادِ فَإِنَّهُ إِذَا رُوعِيَتْ آدَابُهُ احْتُسِبَ عِبَادَةً فَقَدْ قِيلَ إِنَّ لِلْعَبْدِ إِذَا نَامَ عَلَى طَهَارَةٍ وَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى يُكْتَبُ مُصَلِّيًا حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَيَدْخُلُ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ فَإِنْ تَحَرَّكَ فِي نَوْمِهِ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى دَعَا لَهُ الْمَلَكُ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ اللَّهُ وَفِي الْخَبَرِ " إِذَا نَامَ عَلَى طَهَارَةٍ رُفِعَ رُوحُهُ إِلَى الْعَرْشَ هَذَا فِي الْعَوَامِّ فَكَيْفَ فِي الْعُلَمَاءِ، وَأَرْبَابِ الْقُلُوبِ الصَّافِيَةِ فَإِنَّهُمْ يُكَاشَفُونَ بِالْأَسْرَارِ فِي النَّوْمِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: " نَوْمُ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ وَنَفَسُهُ تَسْبِيحٌ ، وَقَالَ " مُعَاذُ لِأَبِي مُوسَى : كَيْفَ تَصْنَعُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ؟ فَقَالَ : أَقُومُ اللَّيْلَ أَجْمَعَ لَا أَنَامُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَأَتَفَوَّقُ الْقُرْآنَ تَفَوُّقًا قَالَ مُعَاذٌ : لَكِنِّي أَنَامُ ثُمَّ أَقُومُ وَأَحْتَسِبُ ، فِي نَوْمَتِي مَا أَحْتَسِبُ فِي قَوْمَتِي فَذَكَرَ ، ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مُعَاذٌ أَفْقَهُ مِنْكَ إتحاف السادة المتقين ( الْوِرْدُ الثَّالِثُ: النَّوْمُ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَدَّ ذَلِكَ فِي) جُمْلَةِ ( الْأَوْرَادِ) اللَّيْلِيَّةِ ( فَإِنَّهُ إِذَا رُوعِيَتْ آدَابُهُ) الْآتِي ذِكْرُهَا ( احْتُسِبَ عِبَادَةً) شَرْعِيَّةً ( فَقَدْ نُفِلَ) وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَدْ قِيلَ ( أَنَّهُ إِذَا نَامَ الْعَبْدُ عَلَى طَهَارَةٍ ذَاكِرًا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) وَفِي نُسْخَةٍ: وَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى ( يُكْتَبُ مُصَلِّيًا حَتَّى يَسْتَيْقِظَ) مِنْ نَوْمِهِ ذَلِكَ ( وَيَدْخُلُ فِي شِعَارِهِ) أَيْ: لِبَاسِهِ الْمُتَّصِلِ عَلَى بَدَنِهِ ( مَلَكٌ فَإِنْ تَحَرَّكَ فِي نَوْمِهِ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى دَعَا لَهُ الْمَلَكُ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: "مَنْ بَاتَ طَاهِرًا بَاتَ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ فُلَانٍ؛ فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِرًا". قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَالضِّيَاءُ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. ( وَفِي الْخَبَرِ "أَنَّهُ إِذَا نَامَ الْعَبْدُ عَلَى طَهَارَةٍ رُفِعَتْ رُوحُهُ إِلَى الْعَرْشَ") قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مَوْقُوفًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. ( هَذَا فِي الْعَوَامِّ فَكَيْفَ فِي) الْخَوَاصِّ مِنَ ( الْعُلَمَاءِ، وَأَرْبَابِ الْقُلُوبِ الصَّافِيَةِ) عَنِ الْأَكْدَارِ الطَّبِيعِيَّةِ ( فَإِنَّهُمْ يُكَاشَفُونَ بِالْأَسْرَارِ فِي النَّوْمِ) قَالَ صَاحِبُ الْعَوَارِفِ: وَإِذَا طَهُرَتِ النَّفْسُ عَنِ الرَّذَائِلِ انْجَلَتْ مِرْآةُ الْقَلْبِ، وَقَابَلَ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ فِي النَّوْمِ، وَانْتُقِشَ فِيهِ عَجَائِبُ الْغَيْبِ، وَغَرَائِبُ الْأَنْبَاءِ، فَفِي الصِّدِّيقِينَ مَنْ يَكُونُ لَهُ فِي مَنَامِهِ مُكَالَمَةٌ وَمُحَادَثَةٌ، وَيَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيَنْهَاهُ، وَيُفَهِّمُهُ فِي الْمَنَامِ، وَيُعَرِّفُهُ، وَيَكُونُ مَوْضِعُ مَا يُفْتَحُ لَهُ فِي نَوْمِهِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الظَّاهِرِ، يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى بِهَا إِنْ أَخَلَّ بِهَا، بَلْ تَكُونُ هَذِهِ الْأَوَامِرُ آكَدَ وَأَعْظَمَ وَقْعًا؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَاتِ الظَّاهِرَةَ تَمْحُوهَا التَّوْبَةُ، وَعِنْدَهُ أَوَامِرُ خَاصَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِحَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أَخَلَّ بِهَا يُخْشَى أَنْ تَنْقَطِعَ عَلَيْهِ طَرِيقُ الْإِرَادَةِ، وَيَكُونَ فِي ذَلِكَ الرُّجُوعُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْتِيجَابُ مَقَامِ الْمَقْتِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . ( وَلِذَلِكَ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "نَوْمُ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ وَنَفَسُهُ تَسْبِيحٌ") قَالَ الْعِرَاقِيُّ: الْمَعْرُوفُ فِيهِ: "الصَّائِمِ" بَدَلَ "الْعَالِمِ" وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ . قُلْتُ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، وَلَفْظُهُ: "نَوْمُ الصَّائِمِ عِبَادَةٌ، وَصَمْتُهُ تَسْبِيحٌ، وَعَمَلُهُ مُضَاعَفٌ، وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ، وَذَنْبُهُ مَغْفُورٌ" وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، مِنْ طَرِيقِ كُرْزِ بْنِ وَبَرَةَ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: "نَوْمُ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ، وَنَفَسُهُ تَسْبِيحٌ، وَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ" وَقَدْ يَشْهَدُ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "نَوْمٌ عَلَى عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ عَلَى جَهْلٍ". ( وَقَالَ مُعَاذُ) بْنُ جَبَلٍ ( لِأَبِي مُوسَى) الْأَشْعَرِيِّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: أَقُومُ اللَّيْلَ أَجْمَعَ) أَيْ: كُلَّهُ ( فَلَا أَنَامُ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَتَفَوَّقُ الْقُرْآنَ فِيهِ تَفَوُّقًا) يُقَالُ: تَفَوَّقَ الْفَصِيلُ إِذَا شَرِبَ اللَّبَنَ فُوَاقًا، وَالْفُوَاقُ -بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ- مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ مِنَ الْوَقْتِ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: فُوَاقُ النَّاقَةِ رُجُوعُ اللَّبَنِ فِي ضَرْعِهَا بَعْدَ الْحَلْبِ. ( فَقَالَ مُعَاذٌ: لَكِنِّي أَنَامُ ثُمَّ أَقُومُ، وَأَحْتَسِبُ فِي نَوْمَتِي مَا أَحْتَسِبُهُ فِي قَوْمَتِي، فَذَكَرَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: مُعَاذٌ أَفْقَهُ مِنْكَ) . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمَا ذَكَرَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَا قَوْلُهُ: "مُعَاذٌ أَفْقَهُ مِنْكَ" وَإِنَّمَا زَادَ فِيهِ الطَّبَرَانِيُّ: "فَكَانَ مُعَاذٌ أَفْضَلَ مِنْهُ" .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية