الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ الْعَقْدُ الرَّابِعُ الْمُسَمَّى شَرِكَةٌ الْعِنَانِ وَهُوَ أَنْ : يَخْتَلِطَ مَالَاهُمَا بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِقَسْمِهِ ، وَيَأْذَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ إتحاف السادة المتقين (وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ الشَّرِكَةُ الرَّابِعَةُ: الْمُسَمَّاةُ بِشَرِكَةِ الْعِنَانِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمِلَةِ، اخْتَلَفُوا فِي مَأْخَذِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَقِيلَ: مِنْ عِنَانِ الدَّابَّةِ; إِمَّا لِاسْتِوَاءِ الشَّرِيكَيْنِ فِي وِلَايَةِ الْفَتْحِ، وَالتَّصَرُّفِ، وَاسْتِحْقَاقِ الرِّبْحِ، عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ، كَاسْتِوَاءِ طَرَفَيِ الْعِنَانِ; وَإِمَّا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْنَعُ الْآخَرَ مِنَ التَّصَرُّفِ كَمَا يَشْتَهِي، كَمَا يَمْنَعُ بِالْعِنَانِ; وَإِمَّا لِأَنَّ الْآخِذَ بِعِنَانِ الدَّابَّةِ حَبَسَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْعِنَانِ، وَالْأُخْرَى مُطْلَقَةٌ يَسْتَعْمِلُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، كَذَلِكَ الشَّرِيكُ مَنَعَ بِالشَّرِكَةِ نَفْسَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُشْتَرَكِ، كَمَا يَشْتَهِي، وَهُوَ مُطْلَقُ الْيَدِ، وَالتَّصَرُّفِ، فِي سَائِرِ أَقْوَالِهِ . وَقِيلَ: هِيَ مِنْ قَوْلِهِمْ عَنَّ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ إِمَّا لِأَنَّهُ ظَهَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالَ صَاحِبِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَظْهَرَ وُجُوهَ الشَّرِكَةِ; وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّتِهَا . وَقِيلَ: مِنَ الْمُعَانَةِ، وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخْرِجُ مَالَهُ فِي مُعَارَضَةَ إِخْرَاجِ الْآخَرِ (وَهِيَ: أَنْ يَخْتَلِطَ مَالُهُمَا بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِقِسْمَةٍ، وَيَأْذَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ) . اعْلَمْ أَنَّ لِلشَّرِكَةِ أَرْكَانًا ثَلَاثَةً، أَحَدُهَا: الْمُتَعَاقِدَانِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِمَا أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ، وَالتَّوَكُّلِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مُتَصَرِّفٌ فِي جَمِيعِ الْمَالِ، فِي مَالِهِ بِحَقِّ الْمِلْكِ، وَفِي مَالِ غَيْرِهِ بِحَقِّ إِذْنِهِ، فَهُوَ وَكِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ، وَمُوَكَّلٌ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ . الثَّاني: الصِّيغَةُ، لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، وَالتِّجَارَةِ، فَإِنْ أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ صَرِيحًا فَذَاكَ، وَلَوْ قَالَا: اشْتَرَكْنَا وَاقْتَصَرَا عَلَيْهِ، فَهَلْ يَكْفِي ذَلِكَ لِتَسَلُّطِهِمَا عَلَى التَّصَرُّفِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا وَيُحْكَى عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ: نَعَمْ; لِفَهْمِ الْمَقْصُودِ عُرْفًا، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي: لَا; لِقُصُورِ اللَّفْظِ عَنِ الْإِذْنِ، وَاحْتِمَالِ كَوْنِهِ إِخْبَارًا عَنْ حُصُولِ الشَّرِكَةِ فِي الْمَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الشَّرِكَةِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَالثَّانِي أَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ كَجٍّ، وَصَاحِبِ التَّهْذِيبِ، وَالْأَكْثَرِينَ . وَلَوْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ فِي التَّصَرُّفِ فِي جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَمْ يَأْذَنِ الْآخَرُ، وَتَصَرَّفَ الْمَأْذُونُ فِي جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَمْ يَتَصَرَّفِ الْآخَرُ إِلَّا فِي نَصِيبِهِ، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْجَمِيعِ، وَقَالَ: أَنَا لَا أَتَصَرَّفُ إِلَّا فِي نَصِيبِي . وَلَوْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي نَصِيبِهِ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَجْرِ عَلَى الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي الْمَأْذُونِ فِيهِ، إِنْ عَيَّنَ جِنْسًا، لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ الْمَأْذُونِ فِي نَصِيبِ الْآذِنِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ . وَإِنْ قَالَ: تَصَرَّفْ وَاتَّجِرْ فِيمَا شِئْتَ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَمْوَالِ، جَازَ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِطْلَاقُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قُلْتُ: وَلَوْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَالْقِرَاضِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّالِثُ: الْمَالُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْوَجِيزِ، وَقَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِقِسْمَةٍ، أَيْ: إِذَا أَخْرَجَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرًا مِنَ الْمَالِ الَّذِي يَجُوزُ الشَّرِكَةُ فِيهِ، فَأَرَادَ الشَّرِكَةَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ، خَلْطًا لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ التَّمْيِيزُ، وَإِلَّا فَلَوْ تَلِفَ مَالٌ قَبْلَ التَّصَرُّفِ تَلِفَ عَلَى صَاحِبِهِ، وَتَعَذَّرَ إِتْيَانُ الشَّرِكَةِ فِي الْبَاقِي، فَلَا يَجُوزُ الشَّرِكَةُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَلَا عِنْدَ اخْتِلَافِ الصِّفَةِ . وَإِذَا جَوَّزْنَا الشَّرِكَةَ فِي الْمِثْلِيَّاتِ، وَجَبَ تَسَاوِيهِمَا جِنْسًا، وَوَصْفًا أَيْضًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْخَلْطُ عَلَى الْعَقْدِ، وَالْإِذْنِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ فَالْأَظْهَرُ الْمَنْعُ; إِذْ لَا اشْتِرَاكَ عِنْدَ الْعَقْدِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ إِذَا وَقَعَ فِي مَجْلِسُ الْعَقْدِ; لِأَنَّ الْمَجْلِسَ كَنَفْسِ الْعَقْدِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَمَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِلَى تَجْوِيزِهِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية