الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين الدَّرَجَةُ الرَّابِعَةُ : السَّبُّ وَالتَّعْنِيفُ بِالْقَوْلِ الْغَلِيظِ الْخَشِنِ : وَذَلِكَ يُعْدَلُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْمَنْعِ بِاللُّطْفِ وَظُهُورِ مَبَادِئِ الْإِصْرَارِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِالْوَعْظِ وَالنُّصْحِ ، وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَلَسْنَا نَعْنِي بِالسَّبِّ وَالْفُحْشِ بِمَا فِيهِ نِسْبَةٌ إِلَى الزِّنَا وَمُقَدِّمَاتِهِ ، وَلَا الْكَذِبَ ، بَلْ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِمَا فِيهِ ، مِمَّا لَا يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ الْفُحْشِ ، كَقَوْلِهِ : يَا فَاسِقُ ، يَا أَحْمَقُ ، يَا جَاهِلُ ، أَلَا تَخَافُ اللَّهَ وَكَقَوْلِهِ يَا سَوادِي يَا غَبِيُّ ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى فَإِنَّ كُلَّ فَاسِقٍ فَهُوَ أَحْمَقُ وَجَاهِلٌ وَلَوْلَا حُمْقُهُ لَمَا عَصَى اللَّهَ تَعَالَى ، بَلْ كُلُّ مَنْ لَيْسَ بِكَيِّسٍ ، فَهُوَ أَحْمَقُ ، وَالْكَيِّسُ مَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكِيَاسَةِ ، حَيْثُ قَالَ : الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ . وَلِهَذِهِ الرُّتْبَةِ أَدَبَانِ ، أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُقْدِمَ عَلَيْهَا إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْعَجْزِ عَنِ اللُّطْفِ ، وَالثَّانِي أَنْ لَا : يَنْطِقَ إِلَّا بِالصِّدْقِ ، وَلَا يَسْتَرْسِلَ فِيهِ فَيُطْلِقَ لِسَانَهُ الطَّوِيلَ بِمَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ خِطَابَهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الزَّاجِرَةِ لَيْسَتْ تَزْجُرُهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْلِقَهُ ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى إِظْهَارِ الْغَضَبِ وَالِاسْتِحْقَارِ لَهُ وَالِازْدِرَاءِ بِمَحَلِّهِ؛ لِأَجْلِ مَعْصِيَتِهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ ضُرِبَ وَلَوِ اكْفَهَرَّ وَأَظْهَرَ الْكَرَاهَةَ بِوَجْهِهِ لَمْ يُضْرَبْ ، لَزِمَهُ وَلَمْ يَكْفِهِ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَطِّبَ وَجْهَهُ ، وَيُظْهِرَ الْإِنْكَارَ لَهُ . إتحاف السادة المتقين (الدَّرَجَةُ الرَّابِعَةُ: السَّبُّ وَالتَّعْنِيفُ بِالْقَوْلِ الْغَلِيظِ الْخَشِنِ: وَذَلِكَ يُعْدَلُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْمَنْعِ بِاللُّطْفِ) أَيْ: إِذَا رَآهُ لَمْ يَمْتَنِعْ بِلَطِيفِ الْقَوْلِ وَلَيِّنِهِ، عَدَلَ إِلَى تَعْنِيفِهِ بِالْقَوْلِ الْخَشِنِ، (وَ) كَذَلِكَ (عِنْدَ ظُهُورِ مَبَادِئِ الْإِصْرَارِ) عَلَى الْمَعْصِيَةِ (وَالِاسْتِهْزَاءِ بِالْوَعْظِ وَالنُّصْحِ، وَذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ نَصَحَهُمْ بِاللُّطْفِ، فَأَبَوْا إِلَّا الْإِصْرَارَ عَلَى الْكُفْرِ، فَقَالَ مَا قَالَ، (وَلَسْنَا نَعْنِي بِالسَّبِّ الْفُحْشَ بِمَا فِيهِ نِسْبَةٌ إِلَى الزِّنَا وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَلَا الْكَذِبَ، بَلْ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِمَا فِيهِ، مِمَّا لَا يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ الْفُحْشِ، كَقَوْلِهِ: يَا فَاسِقُ، يَا أَحْمَقُ، يَا جَاهِلُ، أَلَا تَخَافُ اللَّهَ يَا سَوَادِيُّ يَا غَبِيُّ، وَمَا يُجْرَى هَذَا الْمُجْرَى) مِنَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْقَبِيحَةِ (وَلَوْلَا حُمْقُهُ مَا عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، بَلْ كُلُّ مَنْ لَيْسَ بِكَيِّسٍ، فَهُوَ أَحْمَقُ، وَالْكَيِّسُ) عَلَى وَزْنِ "سَيِّدٍ" (مَنْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكِيَاسَةِ، حَيْثُ قَالَ: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ) ، أَيْ: أَذَلَّهَا وَاسْتَعْبَدَهَا، يَعْنِي: جَعَلَ نَفْسَهُ مُطِيعَةً مُنْقَادَةً لِأَوَامِرِ رَبِّهَا (وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ) قَبْلَ نُزُولِهِ، لِيَصِيرَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، (وَالْأَحْمَقُ) كَذَا فِي النُّسَخِ، وَفِي رِوَايَةٍ: "الْعَاجِزُ"، وَفِي أُخْرَى بِلَفْظِ: "الْفَاجِرُ" بِالْفَاءِ (مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا) فَلَمْ يَكُفَّهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَلَمْ يَمْنَعْهَا مِنْ مُقَارَفَةِ الْمُنْكَرَاتِ، (وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: الْأَمَانِيَّ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، أَيْ: فَهُوَ مَعَ تَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَاتِّبَاعِ شَهَوَاتِ نَفْسِهِ، لَا يَعْتَذِرُ وَلَا يَرْجِعُ، بَلْ يَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْعَفْوَ وَالْجَنَّةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَتَرْكِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ . قَالَ الطِّيبِيُّ: قُوبِلَ الْكَيِّسُ بِالْعَاجِزِ، وَالْمُقَابِلُ الْحَقِيقِيُّ لِلْكَيِّسِ السَّفِيهُ الرَّأْيِ، وَلِلْعَاجِزِ الْقَادِرُ؛ إِيذَانًا بِأَنَّ الْكَيِّسَ هُوَ الْقَادِرُ، وَأَنَّ الْعَاجِزَ هُوَ السَّفِيهُ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ : رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ. اهـ . وَقُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ فِي الْإِيمَانِ، وَالْعَسْكَرِيُّ وَالْقُضَاعِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيِّ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ شَدَّادٍ. قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: لَا وَاللَّهِ، أَبُو بَكْرٍ وَاهٍ. اهـ . وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: مَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَإِثْبَاتٌ لِلْوَعِيدِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الِاغْتِرَارُ بِاللَّهِ: الْمُقَامُ عَلَى الذَّنْبِ وَرَجَاءُ الْمَغْفِرَةِ (وَلِهَذِهِ الرُّتْبَةِ أَدَبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَلَّا يُقْدِمَ عَلَيْهَا إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالْعَجْزِ عَنِ اللُّطْفِ، وَالثَّانِي: أَلَّا يَنْطِقَ إِلَّا بِالصِّدْقِ، وَلَا يَسْتَرْسِلَ فِيهِ فَيُطْلِقَ لِسَانَهُ الطَّوِيلَ لِمَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ) مِمَّا يُنَاسِبُ الْحَالَ وَالْوَقْتَ وَالشَّخْصَ، فَلَابُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ، (فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ خِطَابَهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ الزَّاجِرَةِ لَيْسَ تَزْجُرُهُ) ، وَلَا تَمْنَعُهُ (فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْلِقَهُ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى إِظْهَارِ الْغَضَبِ وَالِاسْتِحْقَارِ لَهُ، وَالْإِزْرَاءِ بِمَحَلِّهِ؛ لِأَجْلِ مَعْصِيَتِهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ ضُرِبَ) فِي الْحَالِ، (وَلَوِ اكْفَهَرَّ وَأَظْهَرَ الْكَرَاهَةَ بِوَجْهِهِ لَمْ يُضْرَبْ، لَزِمَهُ) ذَلِكَ، (وَلَمْ يَكْفِهِ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُقَطِّبَ) أَيْ: يَعْبِسُ (وَجْهَهُ، وَيُظْهِرَ لَهُ الْإِنْكَارَ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية