وروي أن الشافعي رحمه الله لما مرض مرض موته بمصر قال مروا فلانا يغسلني فلما توفي بلغه خبر وفاته ، فحضر ، وقال : ائتوني بتذكرته : فأتي بها ، فنظر فيها ، فإذا على الشافعي سبعون ألف درهم دين ، فكتبها على نفسه وقضاها عنه ، وقال : هذا غسلي إياه ، أي : أراد به هذا وقال أبو سعيد الواعظ الحركوشي لما قدمت مصر ، طلبت منزل ذلك الرجل ، فدلوني عليه ، فرأيت جماعة من أحفاده وزرتهم ، فرأيت فيهم سيما الخير ، وآثار الفضل ، فقلت : بلغ أثره في الخير إليهم ، وظهرت بركته فيهم ; مستدلا بقوله تعالى : وكان أبوهما صالحا وقال الشافعي رحمه الله لا أزال أحب حماد بن أبي سليمان لشيء بلغني عنه أنه كان ذات يوم راكبا حماره ، فحركه ، فانقطع زره فمر على الخياط ، فأراد أن ينزل إليه ليسوي زره ، فقال الخياط : والله لا نزلت ، فقام الخياط إليه ، فسوى زره ، فأخرج إليه صرة فيها عشرة دنانير ، فسلمها إلى الخياط واعتذر إليه من قلتها وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه :
يا لهف قلبي على مال أجود به على المقلين من أهل المروءات إن اعتذاري إلى من جاء يسألني
ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات
وعن أبي ثور قال : أراد الشافعي الخروج إلى مكة ، ومعه مال ، وكان قلما يمسك شيئا من سماحته فقلت له : ينبغي أن تشتري بهذا المال ضيعة تكون لك ، ولولدك قال : فخرج ، ثم قدم علينا فسألته عن ذلك المال ، فقال : ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها ، وقد وقف أكثرها ولكني بنيت بمنى مضربا يكون لأصحابنا إذا حجوا أن ينزلوا فيه وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه يقول .
أرى نفسي تتوق إلى أمور يقصر دون مبلغهن مالي
فنفسي لا تطاوعني ببخل ومالي لا يبلغني فعالي
وقام رجل إلى سعيد بن العاص فسأله فأمر له بمائة ألف درهم فبكى فقال له سعيد ما يبكيك قال أبكي على الأرض أن تأكل مثلك فأمر له بمائة ألف أخرى .


