الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَبَلَغَنَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَدِمَتْ عَلَيْهِ عِيرٌ مِنَ الْيَمَنِ فَضَجَّتِ الْمَدِينَةُ ضَجَّةً وَاحِدَةً ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَا هَذَا ؟ قِيلَ : عِيرٌ قَدِمَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَتْ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَسَأَلَهَا ، فَقَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْمُسْلِمِينَ يَدْخُلُونَ سَعْيًا ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ يَدْخُلُهَا مَعَهُمْ إِلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، يَدْخُلُهَا مَعَهُمْ حَبْوًا ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : إِنَّ الْعِيرَ وَمَا عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَإِنَّ أَرِقَّاءَهَا أَحْرَارٌ ؛ لَعَلِّي أَدْخُلَهَا مَعَهُمْ سَعْيًا وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ « أَمَا إِنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أَغْنِيَاءِ أُمَّتِي ، وَمَا كِدْتَ أَنْ تَدْخُلُهَا إِلَّا حَبْوًا . وَيْحَكَ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ ! فَمَا احْتِجَاجُكَ بِالْمَالِ وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي فَضْلِهِ ، وَتَقْوَاهُ ، وَصَنَائِعِهِ الْمَعْرُوفَ ، وَبَذْلِهِ الْأَمْوَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ صُحْبَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبُشْرَاهُ بِالْجَنَّةِ أَيْضًا . يُوقَفُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا بِسَبَبِ مَالِهِ كَسَبَهُ مِنْ حَلَالٍ لِلتَّعَفُّفِ وَلِصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ ، وَأَنْفَقَ مِنْهُ قَصْدًا وَأَعْطَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَمْحًا . مُنِعَ مِنَ السَّعْيِ إِلَى الْجَنَّةِ مَعَ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَصَارَ يَحْبُو فِي آثَارِهِمْ حَبْوًا فَمَا ظَنُّكَ بِأَمْثَالِنَا الْغَرْقَى فِي فِتَنِ الدُّنْيَا ؟! وَبَعْدُ ، فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لَكَ يَا مَفْتُونُ تَتَمَرَّغُ فِي تَخَالِيطِ الشُّبَهَاتِ وَالسُّحْتِ وَتَتَكَالَبُ ، عَلَى أَوْسَاخِ النَّاسِ وَتَتَقَلَّبُ ، فِي الشَّهَوَاتِ وَالزِّينَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَتَتَقَلَّبُ ، فِي فِتَنِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ تَحْتَجُّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَتَزْعُمُ أَنَّكَ إِنْ جَمَعْتَ الْمَالَ فَقَدْ جَمَعَهُ الصَّحَابَةُ كَأَنَّكَ أَشْبَهْتَ السَّلَفَ ، وَفِعْلَهُمْ ، وَيْحَكَ ! إِنَّ هَذَا مِنْ قِيَاسِ إِبْلِيسَ وَمِنْ فُتْيَاهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَسَأَصِفُ لَكَ أَحْوَالَكَ ، وَأَحْوَالَ السَّلَفِ ؛ لِتَعْرِفَ فَضَائِحَكَ ، وَفَضْلَ الصَّحَابَةِ . وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ أَمْوَالٌ أَرَادُوهَا لِلتَّعَفُّفِ وَالْبَذْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَكَسَبُوا حَلَالًا ، وَأَكَلُوا طَيِّبًا ، وَأَنْفَقُوا قَصْدًا ، وَقَدَّمُوا فَضْلًا وَلَمْ يَمْنَعُوا مِنْهَا حَقًّا وَلَمْ يَبْخَلُوا بِهَا لَكِنَّهُمْ ، جَادُوا للَّهِ بِأَكْثَرِهَا ، وَجَادَ بَعْضُهُمْ بِجَمِيعِهَا ، وَفِي الشِّدَّةِ آثَرُوا اللَّهَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَثِيرًا ، فَبِاللَّهِ أَكَذَلِكَ أَنْتَ ؟! وَاللَّهِ إِنَّكَ لَبَعِيدُ الشَّبَهِ بِالْقَوْمِ . وَبَعْدُ ، فَإِنَّ أَخْيَارَ الصَّحَابَةِ كَانُوا لِلْمَسْكَنَةِ مُحِبِّينَ ، وَمِنْ خَوْفِ الْفَقْرِ آمِنِينَ ، وَبِاللَّهِ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَاثِقِينَ ، وَبِمَقَادِيرِ اللَّهِ مَسْرُورِينَ ، وَفِي الْبَلَاءِ رَاضِينَ ، وَفِي الرَّخَاءِ شَاكِرِينَ ، وَفِي الضَّرَّاءِ صَابِرِينَ ، وَفِي السَّرَّاءِ حَامِدِينَ ، وَكَانُوا لِلَّهِ مُتَوَاضِعِينَ ، وَعَنْ حُبِّ الْعُلُوِّ وَالتَّكَاثُرِ وَرِعِينَ . لَمْ يَنَالُوا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا الْمُبَاحَ لَهُمْ بِالْبُلْغَةِ مِنْهَا وَزَجُّوا الدُّنْيَا وَصَبَرُوا عَلَى مَكَارِهِهَا ، وَتَجَرَّعُوا مَرَارَتَهَا ، وَزَهِدُوا فِي نَعِيمِهَا وَزَهْرَتِهَا . ، فَبِاللَّهِ أَكَذَلِكَ أَنْتَ؟! . إتحاف السادة المتقين (وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ("أَمَا إِنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أَغْنِيَاءِ أُمَّتِي، وَمَا كِدْتَ تَدْخُلُهَا إِلَّا حَبْوًا") قَالَ الْعِرَاقِيُّ: رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ . وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّكَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَلَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا زَحْفًا" الْحَدِيثَ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . قُلْتُ: بَلْ ضَعِيفٌ، فِيهِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ. انْتَهَى . قُلْتُ: قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُبَيْشٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ، عَنِ أَبِيهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّكَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَلَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا زَحْفًا، فَاقْرِضِ اللَّهَ يُطْلِقْ لَكَ قَدَمَيْكَ، قَالَ ابْنُ عَوْفٍ: وَمَا الَّذِي أُقْرِضُ اللَّهَ؟ قَالَ: تَتَبَرَّأُ مِمَّا أَمْسَيْتَ فِيهِ، قَالَ: مِنْ كُلِّهِ أَجْمَعَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَخَرَجَ ابْنُ عَوْفٍ وَهُوَ يُهِمُّ بِذَلِكَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مُرِ ابْنَ عَوْفٍ فَلْيُضِفِ الضَّيْفَ، وَلْيُطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَلْيُعْطِ السَّائِلَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا هُوَ فِيهِ". وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ أَبُو هَاشِمٍ الدِّمَشْقِيُّ، وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّ أَبِيهِ، فَقِيهٌ ضَعِيفٌ، وَقَدِ اتَّهَمَهُ ابْنُ مَعِينٍ، رَوَى لَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الدِّيوَانِ: قَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَوَثَّقَهُ غَيْرُهُ، فَفِي قَوْلِ الْعِرَاقِيِّ: ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، نَظَرٌ . (وَيْحَكَ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ! فَمَا احْتِجَاجُكَ بِالْمَالِ وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِي فَضْلِهِ، وَتَقْوَاهُ، وَصَنَائِعِهِ الْمَعْرُوفَةِ، وَبَذْلِهِ الْأَمْوَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: "بَاعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَرْضًا لَهُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَسَمَ ذَلِكَ الْمَالَ فِي بَنِي زُهْرَةَ وَفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: "مَا بَطَّأَ بِكَ عَنِّي؟ فَقَالَ: مَا زِلْتُ بَعْدَكَ أُحَاسِبُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَالِي، فَقَالَ: هَذِهِ مِائَةُ رَاحِلَةٍ جَاءَتْنِي مِنْ مِصْرَ، فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَى أَرَامِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: "تَصَدَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِشَطْرِ مَالِهِ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ رَاحِلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". وَأَخْرَجَ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ قَالَ: "بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَعْتَقَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ بَيْتٍ". (مَعَ صُحْبَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبُشْرَاهُ بِالْجَنَّةِ) وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى مِنْ حَدِيثِهِ: " أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ" الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: " وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ" وَهُوَ عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ . (يُوقَفُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا بِسَبَبِ مَالٍ كَسَبَهُ مِنْ حَلَالٍ) وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَامَّةَ مَالِهِ كَانَ مِنَ التِّجَارَةِ (لِلتَّعَفُّفِ وَلِصَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْفَقَ مِنْهُ قَصْدًا) عَلَى طَرِيقِ الْعَدْلِ (وَأَعْطَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَمْحًا) أَيْ: فَيْضًا (قَدْ مُنِعَ مِنَ السَّعْيِ إِلَى الْجَنَّةِ مَعَ الْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَصَارَ يَحْبُو فِي آثَارِهِمْ حَبْوًا) وَيَزْحَفُ زَحْفًا (فَمَا ظَنُّكَ بِأَمْثَالِنَا الْغَرْقَى فِي فِتَنِ الدُّنْيَا؟!) . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ نَوْفَلِ بْنِ إِيَاسٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ: "كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَنَا جَلِيسًا، وَكَانَ نِعْمَ الْجَلِيسُ، وَأَنَّهُ انْقَلَبَ بِنَا يَوْمًا حَتَّى دَخَلْنَا بَيْتَهُ، وَدَخَلَ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَجَلَسَ مَعَنَا، وَأُتِينَا بِصَفْحَةٍ فِيهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، فَلَمَّا وُضِعَتْ بَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَشْبَعْ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، وَلَا أُرَانَا أُخِّرْنَا لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا" . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ "أَنَّهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ، فَقَالَ شُعْبَةُ: أَحْسَبُهُ كَانَ صَائِمًا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قُتِلَ حَمْزَةُ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ فِيهِ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ فِيهِ، وَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهَا مَا أَصَبْنَا؛ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي الدُّنْيَا" قَالَ شُعْبَةُ: وَأَظُنُّهُ قَالَ: "وَلَمْ يَأْكُلْ" . (وَبَعْدُ، فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ لِمَفْتُونٍ تَمَرَّغَ فِي تَخَالِيطِ الشُّبَهَاتِ وَالسُّحْتِ، وَتَكَالَبَ عَلَى أَوْسَاخِ النَّاسِ، وَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي) وَفِي نُسْخَةٍ: وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى (الشَّهَوَاتِ وَالزِّينَةِ وَالْمُبَاهَاةِ، وَهُوَ يَتَقَلَّبُ فِي فِتَنِ الدُّنْيَا، ثُمَّ تَحْتَجُّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (وَتَزْعُمُ أَنَّكَ إِنْ جَمَعْتَ الْمَالَ فَقَدْ جَمَعَهُ الصَّحَابَةُ) الْكِرَامُ (كَأَنَّكَ أَشْبَهْتَ السَّلَفَ، وَفِعْلَهُمْ، وَيْحَكَ! إِنَّ هَذَا مِنْ قِيَاسِ إِبْلِيسَ وَمِنْ فُتْيَاهُ لِأَوْلِيَائِهِ) وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ وَفُتْيَا بَاطِلَةٌ . (وَسَأَصِفُ لَكَ أَوْصَافَكَ، وَأَحْوَالَ السَّلَفِ؛ لِتَعْرِفَ فَضَائِحَكَ، وَفَضْلَ الصَّحَابَةِ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ أَمْوَالٌ أَرَادُوهَا لِلتَّعَفُّفِ وَالْبَذْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَسَبُوا حَلَالًا، وَأَكَلُوا طَيِّبًا، وَأَنْفَقُوا قَصْدًا، وَقَدَّمُوا فَضْلًا) أَيْ: مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِمْ قَدَّمُوهُ لِلْآخِرَةِ بِالتَّصَدُّقِ . (وَلَمْ يَمْنَعُوا مِنْهَا حَقًّا) لِلَّهِ تَعَالَى (وَلَمْ يَبْخَلُوا بِهَا، وَلَكِنَّهُمْ جَادُوا للَّهِ تَعَالَى بِأَكْثَرِهَا، وَجَادَ بَعْضُهُمْ بِجَمِيعِهَا، وَفِي الشِّدَّةِ آثَرُوا اللَّهَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ كَثِيرًا، فَبِاللَّهِ أَكَذَلِكَ أَنْتَ؟! وَاللَّهِ إِنَّكَ لَبَعِيدُ الشَّبَهِ بِالْقَوْمِ) لَا وَجْهَ لِلشَّبَهِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فِيمَا صَنَعُوا (وَبَعْدُ، فَإِنَّ أَخْيَارَ الصَّحَابَةِ كَانُوا لِلْمَسْكَنَةِ مُحِبِّينَ، وَمِنْ خَوْفِ الْفَقْرِ آمِنِينَ، وَبِاللَّهِ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَاثِقِينَ، وَبِمَقَادِيرِ اللَّهِ مَسْرُورِينَ، وَفِي الْبَلَاءِ رَاضِينَ، وَفِي الرَّخَاءِ شَاكِرِينَ، وَفِي الضَّرَّاءِ صَابِرِينَ، وَفِي السَّرَّاءِ حَامِدِينَ، وَكَانُوا لِلَّهِ مُتَوَاضِعِينَ، وَعَنْ حُبِّ الْعُلُوِّ وَالتَّكَاثُرِ وَرِعِينَ، لَمْ يَنَالُوا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا الْمُبَاحَ لَهُمْ) فَوَضَعُوهُ فِي مَوَاضِعِهِ (وَرَضُوا بِالْبُلْغَةِ مِنْهَا) أَيْ: بِالْقَدْرِ الَّذِي يُبَلِّغُهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ (وَزَجُّوا الدُّنْيَا) أَيْ: سَاقُوهَا وَأَبْعَدُوهَا عَنْهُمْ (وَصَبَرُوا عَلَى مَكَارِهِهَا، وَتَجَرَّعُوا مَرَارَاتَهَا، وَزَهِدُوا فِي نَعِيمِهَا وَزَهْرَاتِهَا، فَبِاللَّهِ أَكَذَلِكَ أَنْتَ؟!) لَا تَقْدِرُ تَقُولُ: نَعَمْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية