الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَلِأَجْلِ بَرَكَةِ الْفَقْرِ وَشُؤْمِ الْغِنَى آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَقْرَ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَتْ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ وَجَاهٌ ، فَقَالَ : يَا عِمْرَانُ إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا مَنْزِلَةً وَجَاهًا ، فَهَلْ لَكَ فِي عِيَادَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ? فَقُلْتُ : نَعَمْ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى وَقَفْتُ بِبَابِ مَنْزِلِ فَاطِمَةَ فَقَرَعَ الْبَابَ ، وَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ ? فَقَالَتْ ادْخُلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : أَنَا وَمَنْ مَعِي ? قَالَتْ : وَمَنْ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ? فَقَالَ : عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، فَقَالَتْ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا عَلَيَّ إِلَّا عَبَاءَةٌ فَقَالَ : اصْنَعِي بِهَا هَكَذَا وَهَكَذَا ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ ، فَقَالَتْ : هَذَا جَسَدِي فَقَدْ وَارَيْتُهُ فَكَيْفَ بِرَأْسِي ، فَأَلْقَى إِلَيْهَا مُلَاءَةً كَانَتْ عَلَيْهِ خِلْقَةً ، فَقَالَ : شُدِّي بِهَا عَلَى رَأْسِكِ ، ثُمَّ أَذِنَتْ لَهُ فَدَخَلَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا بِنْتَاهُ ، كَيْفَ أَصْبَحْتِ ? قَالَتْ : أَصْبَحْتُ وَاللَّهِ وَجِعَةً وَزَادَنِي ، وَجَعًا عَلَى مَا بِي أَنِّي لَسْتُ أَقْدِرُ عَلَى طَعَامٍ آكُلُهُ فَقَدْ أَجْهَدَنِي الْجُوعُ ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : لَا تَجْزَعِي يَا بِنْتَاهُ ، فَوَاللَّهِ مَا ذُقْتُ طَعَامًا مُنْذُ ثَلَاثَةٍ ، وَإِنِّي لَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْكِ ، وَلَوْ سَأَلْتُ رَبِّي لَأَطْعَمَنِي وَلَكِنِّي ، آثَرْتُ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا . ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِهَا وَقَالَ لَهَا : أَبْشِرِي فَوَاللَّهِ ؛ إِنَّكَ لَسَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَقَالَتْ : فَأَيْنَ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ؟ فَقَالَ : آسِيَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا ، وَمَرْيَمُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا ، وَخَدِيجَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا ، وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِكِ ؛ إِنَّكُنَّ فِي بُيُوتٍ مِنْ قَصَبٍ ، لَا أَذَى فِيهَا وَلَا صَخَبَ ، ثُمَّ قَالَ لَهَا : اقْنَعِي بِابْنِ عَمِّكِ ؛ فَوَاللَّهِ لَقَدْ زَوَّجْتُكِ سَيِّدًا فِي الدُّنْيَا سَيِّدًا فِي الْآخِرَةِ . فَانْظُرِ الْآنَ إِلَى حَالِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهِيَ بَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ آثَرَتِ الْفَقْرَ وَتَرَكَتِ الْمَالَ . وَمَنْ رَاقَبَ أَحْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَأَقْوَالَهُمْ وَمَا وَرَدَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ لَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّ فَقْدَ الْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ وُجُودِهِ وَإِنْ صُرِفَ إِلَى الْخَيْرَاتِ إِذْ أَقَلُّ مَا فِيهِ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالتَّوَقِّي مِنَ الشُّبَهَاتِ وَالصَّرْفُ إِلَى الْخَيْرَاتِ اشْتِغَالُ الْهَمِّ ، بِإِصْلَاحِهِ وَانْصِرَافُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ؛ إِذْ لَا ذِكْرَ إِلَّا مَعَ الْفَرَاغِ ، وَلَا فَرَاغَ مَعَ شُغُلِ الْمَالِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ لَيْثِ قَالَ : صَحِبَ رَجُلٌ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : أَكُونُ مَعَكَ وَأَصْحَبُكَ ، فَانْطَلَقَا فَانْتَهَيَا إِلَى شَطِّ نَهْرٍ ، فَجَلَسَا يَتَغَدَّيَانِ وَمَعَهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْغِفَةٍ ، فَأَكَلَا رَغِيفَيْنِ وَبَقِيَ رَغِيفٌ ثَالِثٌ ، فَقَامَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّهْرِ فَشَرِبَ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَجِدِ الرَّغِيفَ ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ : مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ ? فَقَالَ : لَا أَدْرِي ، قَالَ فَانْطَلَقَ : وَمَعَهُ صَاحِبُهُ فَرَأَى ظَبْيَةً وَمَعَهَا خِشْفَانِ لَهَا قَالَ ، فَدَعَا أَحَدَهُمَا فَأَتَاهُ ، فَذَبَحَهُ فَاشْتَوَى مِنْهُ ، فَأَكَلَ هُوَ وَذَلِكَ الرَّجُلُ ، ثُمَّ قَالَ لِلْخِشْفِ قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَقَامَ ، فَذَهَبَ ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ : أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَرَاكَ هَذِهِ الْآيَةَ : مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ ? فَقَالَ لَا : أَدْرِي ثُمَّ انْتَهَيَا إِلَى وَادِي مَاءٍ ، فَأَخَذَ عِيسَى بِيَدِ الرَّجُلِ فَمَشَيَا عَلَى الْمَاءِ ، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لَهُ : أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَرَاكَ هَذِهِ الْآيَةَ : مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ فَقَالَ : لَا أَدْرِي ، فَانْتَهَيَا إِلَى مَفَازَةٍ ، فَجَلَسَا ، فَأَخَذَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَجْمَعُ تُرَابًا وَكَثِيبًا ، ثُمَّ قَالَ : كُنْ ذَهَبًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَصَارَ ذَهَبًا فَقَسَمَهُ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ ثُمَّ قَالَ : ثُلُثٌ لِي ، وَثُلُثٌ لَكَ ، وَثُلُثٌ لِمَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ ، فَقَالَ : أَنَا الَّذِي أَخَذْتُ الرَّغِيفَ فَقَالَ كُلُّهُ لَكَ وَفَارَقَهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَانْتَهَى إِلَيْهِ رَجُلَانِ فِي الْمَفَازَةِ وَمَعَهُ الْمَالُ ، فَأَرَادَا أَنْ يَأْخُذَاهُ مِنْهُ ، وَيَقْتُلَاهُ ، فَقَالَ : هُوَ بَيْنَنَا أَثْلَاثًا ، فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ إِلَى الْقَرْيَةِ حَتَّى يَشْتَرِيَ لَنَا طَعَامًا نَأْكُلُهُ ، قَالَ : فَبَعَثُوا أَحَدَهُمْ ، فَقَالَ الَّذِي بُعِثَ : لِأَيِّ شَيْءٍ أُقَاسِمُ هَؤُلَاءِ هَذَا الْمَالَ ? لَكِنِّي أَضَعُ فِي هَذَا الطَّعَامِ سُمًّا فَأَقْتُلُهُمَا ، وَآخُذُ الْمَالَ وَحْدِي ، قَالَ : فَفَعَلَ ، وَقَالَ ذَانِكَ الرَّجُلَانِ : لِأَيِّ شَيْءٍ نَجْعَلُ لِهَذَا ثُلثَ الْمَالِ ، وَلَكِنْ إِذَا رَجَعَ قَتَلْنَاهُ وَاقْتَسَمْنَا الْمَالَ بَيْنَنَا قَالَ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِمَا قَتَلَاهُ وَأَكَلَا الطَّعَامَ فَمَاتَا فَبَقِيَ ذَلِكَ الْمَالُ فِي الْمَفَازَةِ ، وَأُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ عِنْدَهُ قَتْلَى ، فَمَرَّ بِهِمْعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : هَذِهِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا . وَحُكِيَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَتَى عَلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَمْتِعُ بِهِ النَّاسُ مِنْ دُنْيَاهُمْ قَدِ احْتَفَرُوا قُبُورًا ، فَإِذَا أَصْبَحُوا تَعَهَّدُوا تِلْكَ الْقُبُورَ وَكَنَسُوهَا وَصَلَّوْا عِنْدَهَا وَرَعَوُا ، الْبَقْلَ كَمَا تَرْعَى الْبَهَائِمُ ، وَقَدْ قَيَّضَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَعَايِشَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَأَرْسَلَ ، ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى مَلِكِهِمْ فَقَالَ لَهُ : أَجِبْ ذَا الْقَرْنَيْنِ ، فَقَالَ مَا لِي : إِلَيْهِ حَاجَةٌ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيَأْتِنِي ، فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ : صَدَقَ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ ، وَقَالَ لَهُ : أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِتَأْتِيَنِي فَأَبَيْتَ ، فَهَا أَنَا قَدْ جِئْتُ ، فَقَالَ : لَوْ كَانَ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ لَأَتَيْتُكَ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَالِي : أَرَاكُمْ عَلَى حَالَةٍ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ الْأُمَمِ عَلَيْهَا ، قَالَ : وَمَا ذَاكَ ? قَالَ : لَيْسَ لَكُمْ دُنْيَا وَلَا شَيْءٌ ، أَفَلَا اتَّخَذْتُمُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِمَا ? قَالُوا : إِنَّمَا كَرِهْنَاهُمَا ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ مِنْهُمَا شَيْئًا إِلَّا تَاقَتْ نَفْسُهُ وَدَعَتْهُ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ . فَقَالَ : مَا بَالُكُمُ قَدِ احْتَفَرْتُمْ قُبُورًا فَإِذَا أَصْبَحْتُمْ تَعَاهَدْتُمُوهَا فَكَنَسْتُمُوهَا وَصَلَّيْتُمْ عِنْدَهَا ? قَالُوا : أَرَدْنَا إِذَا نَظَرْنَا إِلَيْهَا وَأَمَّلْنَا الدُّنْيَا مَنَعَتْنَا قُبُورُنَا مِنَ الْأَمَلِ . قَالَ : وَأَرَاكُمْ لَا طَعَامَ لَكُمْ إِلَّا الْبَقْلَ مِنَ الْأَرْضِ ، أَفَلَا اتَّخَذْتُمُ الْبَهَائِمَ مِنَ الْأَنْعَامِ فَاحْتَلَبْتُمُوهَا وَرَكِبْتُمُوهَا فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا قَالُوا : كَرِهْنَا أَنْ نَجْعَلَ بُطُونَنَا قُبُورًا لَهَا ، وَرَأَيْنَا فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ بَلَاغًا ، وَإِنَّمَا يَكْفِي ابْنَ أَدْنَى الْعَيْشِ مِنَ الطَّعَامِ وَأَيُّ مَا جَاوَزَ الْحَنَكَ مِنَ الطَّعَامِ لَمْ نَجِدْ لَهُ طَعْمًا كَائِنًا مَا كَانَ مِنَ الطَّعَامِ ، ثُمَّ بَسَطَ مَلِكُ تِلْكَ الْأَرْضِ يَدَهُ خَلْفِ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَتَنَاوَلَ جُمْجُمَةً فَقَالَ يَا : ذَا الْقَرْنَيْنِ أَتَدْرِي مَنْ هَذَا ? قَالَ : لَا ، وَمَنْ هُوَ ? قَالَ : مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ ، أَعْطَاهُ اللَّهُ سُلْطَانًا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَغَشَمَ وَظَلَمَ وَعَتَا فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ مِنْهُ حَسَمَهُ بِالْمَوْتِ فَصَارَ كَالْحَجَرِ الْمُلْقَى وَقَدْ أَحْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ حَتَّى يَجْزِيَهُ بِهِ فِي آخِرَتِهِ . ثُمَّ تَنَاوَلَ جُمْجُمَةً أُخْرَى بَالِيَةً ، فَقَالَ يَا : ذَا الْقَرْنَيْنِ هَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا ? قَالَ : لَا أَدْرِي ، وَمَنْ هُوَ ? قَالَ : هَذَا مَلِكٌ مَلَّكَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ ، قَدْ كَانَ يَرَى مَا يَصْنَعُ الَّذِي قَبْلَهُ بِالنَّاسِ مِنَ الْغُشْمِ وَالظُّلْمِ وَالتَّجَبُّرِ ، فَتَوَاضَعَ وَخَشَعَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَمَرَ بِالْعَدْلِ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، فَصَارَ كَمَا تَرَى ، قَدْ أَحْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ حَتَّى يَجْزِيَهُ بِهِ فِي آخِرَتِهِ . ثُمَّ أَهْوَى إِلَى جُمْجُمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، فَقَالَ : وَهَذِهِ الْجُمْجُمَةُ كَأَنْ قَدْ كَانَتْ كَهَذَيْنِ فَانْظُرْ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فَقَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ : هَلْ لَكَ فِي صُحْبَتِي ، فَأَتَّخِذُكَ أَخًا وَوَزِيرًا وَشَرِيكًا فِيمَا آتَانِي اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ ? قَالَ : مَا أَصْلُحُ أَنَا وَأَنْتَ فِي مَكَانٍ ، وَلَا أَنْ نَكُونَ جَمِيعًا ، قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ : وَلِمَ قَالَ : مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَكَ عَدُوٌّ وَلِي صَدِيقٌ ، قَالَ : وَلِمَ ? قَالَ : يُعَادُونَكَ لِمَا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْمُلْكِ وَالْمَالِ وَالدُّنْيَا ، وَلَا أَجِدُ أَحَدًا يُعَادِينِي لِرَفْضِي لِذَلِكَ وَلِمَا عِنْدِي مِنَ الْحَاجَةِ وَقِلَّةِ الشَّيْءِ ، قَالَ : فَانْصَرَفَ عَنْهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ مُتَعَجِّبًا مِنْهُ وَمُتَّعِظًا بِهِ فَهَذِهِ الْحِكَايَاتُ تَدُلُّكَ عَلَى آفَاتِ الْغِنَى مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . تَمَّ كِتَابُ ذَمِّ الْمَالِ وَالْبُخْلِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَوْنِهِ وَيَلِيهِ كِتَابُ ذَمِّ الْجَاهِ وَالرِّيَاءِ . إتحاف السادة المتقين (وَلِأَجْلِ بَرَكَةِ الْفَقْرِ وَشُؤْمِ الْغِنَى آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْفَقْرَ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ) فَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ: "أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غِنًى يُطْغِي وَفَقْرٍ يُنْسِي". (حَتَّى رُوِي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ قَالَ: كَانَتْ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْزِلَةٌ وَجَاهٌ، فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا مَنْزِلَةً وَجَاهًا، فَهَلْ لَكَ فِي عِيَادَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ؟) وَكَانَتْ قَدِ اشْتَكَتْ (فَقُلْتُ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى وَقَفَ بِبَابِ مَنْزِلِ فَاطِمَةَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (فَقَرَعَ الْبَابَ، وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ فَقَالَتْ) وَقَدْ عَرَفَتْ صَوْتَهُ: (ادْخُلْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَنَا وَمَنْ مَعِي؟ قَالَتْ: وَمَنْ مَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عَلَيَّ إِلَّا عَبَاءَةٌ، قَالَ: اصْنَعِي بِهَا هَكَذَا وَهَكَذَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَقَالَتْ: هَذَا جَسَدِي قَدْ وَارَيْتُهُ فَكَيْفَ بِرَأْسِي، فَأَلْقَى إِلَيْهَا مُلَاءَةً كَانَتْ عَلَيْهِ خِلْقَةً، فَقَالَ: شُدِّي بِهَا عَلَى رَأْسِكِ، ثُمَّ أَذِنَتْ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا بِنْتَاهُ، كَيْفَ أَصْبَحْتِ؟ قَالَتْ: أَصْبَحْتُ وَاللَّهِ وَجِعَةً، وَزَادَ مِنِّي وَجَعًا عَلَى مَا بِي أَنِّي لَسْتُ أَقْدِرُ عَلَى طَعَامٍ آكُلُهُ فَقَدْ أَجْهَدَنِي الْجُوعُ، فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَالَ: لَا تَجْزَعِي يَا بِنْتَاهُ، فَوَاللَّهِ مَا ذُقْتُ طَعَامًا مُنْذُ ثَلَاثٍ، وَإِنِّي لَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْكِ، وَلَوْ سَأَلْتُ اللَّهَ رَبِّي لَأَطْعَمَنِي، وَلَكِنْ آثَرْتُ الْآخِرَةَ عَلَى الدُّنْيَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِهَا وَقَالَ لَهَا: أَبْشِرِي؛ إِنَّكَ لَسَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَقَالَتْ: فَأَيْنَ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ؟ فَقَالَ: آسِيَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَمَرْيَمُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَخَدِيجَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِهَا، وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِكِ؛ إِنَّكُنَّ فِي بُيُوتٍ مِنْ قَصَبٍ، لَا أَذَى فِيهَا وَلَا صَخَبَ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: اقْنَعِي بِابْنِ عَمِّكِ؛ فَوَاللَّهِ لَقَدْ زَوَّجْتُكِ سَيِّدًا فِي الدُّنْيَا سَيِّدًا فِي الْآخِرَةِ) وَسَيَأْتِي هَذَا لِلْمُصَنِّفِ بِعَيْنِهِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ وَالْفَقْرِ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ، وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ: "وَضَّأْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي فَاطِمَةَ تَعُودُهَا" الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ زَوَّجْتُكِ أَقْدَمَ أُمَّتِي سِلْمًا، وَأَكْثَرَهُمْ عِلْمًا، وَأَعْظَمَهُمْ حِلْمًا" وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، انْتَهَى . قُلْتُ: وَقَدْ وُجِدَ بِخَطِّ الْكَمَالِ الدَّمِيرِيِّ فِي نُسْخَتِهِ قَالَ: بَلْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، فِيهِ: خَالِدُ بْنُ طَهْمَانُ، شِيعِيٌّ، مُخْتَلَفٌ فِيهِ . (فَانْظُرِ الْآنَ إِلَى حَالِ فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَهِيَ بَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَيْفَ آثَرَتِ الْفَقْرَ وَتَرَكَتِ الْمَالَ) حَتَّى صَبَرَتْ عَلَى الْجُوعِ، وَقَنِعَتْ بِعَبَاءَةٍ لَا تُغَطِّي رَأْسَهَا (وَمَنْ رَاقَبَ أَحْوَالَ الْأَنْبِيَاءِ) عَلَيْهِمُ السَّلَامُ (وَالْأَوْلِيَاءِ) مِنْ بَعْدِهِمْ (وَأَقْوَالَهُمْ وَمَا وَرَدَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَآثَارِهِمْ) فِي الْقَنَاعَةِ وَالزُّهْدِ (لَمْ يَشُكَّ فِي أَنَّ فَقْدَ الْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ وُجُودِهِ وَإِنْ صُرِفَ إِلَى الْخَيْرَاتِ) وَوُجُوهِ الْبِرِّ . (إِذْ أَقَلُّ مَا فِيهِ أَدَاءُ الْحُقُوقِ) لِأَرْبَابِهَا (وَالتَّوَقِّي مِنَ الشُّبَهَاتِ) فِي اكْتِسَابِهِ (وَالصَّرْفُ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَاشْتِغَالُ الْعُمُرِ بِإِصْلَاحِهِ) وَتَنْمِيَتِهِ (وَانْصِرَافُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؛ إِذْ لَا ذِكْرَ إِلَّا مَعَ الْفَرَاغِ، وَلَا فَرَاغَ مَعَ شُغُلِ الْمَالِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَرِيرِ) بْنِ حَازِمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ الْبَصْرِيِّ، كُنْيَتُهُ أَبُو النَّضْرِ، وَهُوَ وَالِدُ وَهْبٍ، ثِقَةٌ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ (عَنْ لَيْثِ) بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ الْكُوفِيِّ، صَدُوقٌ، اخْتَلَطَ، رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا، وَمُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ (قَالَ: صَحِبَ رَجُلٌ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَقَالَ: أَكُونُ مَعَكَ أَصْحَبُكَ، فَانْطَلَقَا فَانْتَهَيَا إِلَى شَطِّ نَهْرٍ، فَجَلَسَا يَتَغَدَّيَانِ وَمَعَهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْغِفَةٍ، فَأَكَلَا رَغِيفَيْنِ وَبَقِيَ رَغِيفٌ، فَقَامَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَى النَّهْرِ فَشَرِبَ) مِنْهُ (ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَجِدِ الرَّغِيفَ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ: مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَانْطَلَقَ وَمَعَهُ صَاحِبُهُ فَرَأَى ظَبْيَةً مَعَهَا خِشْفَانِ لَهَا، فَدَعَا أَحَدَهُمَا فَأَتَاهُ، فَذَبَحَهُ فَاشْتَوَى مِنْهُ، فَأَكَلَ هُوَ وَذَلِكَ الرَّجُلُ، ثُمَّ قَالَ لِلْخِشْفِ قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَامَ، فَذَهَبَ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ: أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَرَاكَ هَذِهِ الْآيَةَ: مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرِي، قَالَ: ثُمَّ انْتَهَيَا إِلَى وَادِي مَاءٍ، فَأَخَذَ عِيسَى بِيَدِ الرَّجُلِ فَمَشَيَا عَلَى الْمَاءِ، فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَرَاكَ هَذِهِ الْآيَةَ: مَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ فَانْتَهَيَا إِلَى مَفَازَةٍ، فَجَلَسَا، فَأَخَذَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- تُرَابًا مِنْ كَثِيبٍ فَجَمَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: كُنْ ذَهَبًا بِإِذْنِ اللَّهِ، فَصَارَ ذَهَبًا فَقَسَمَهُ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ فَقَالَ: ثُلُثٌ لِي، وَثُلُثٌ لَكَ، وَثُلُثٌ لِمَنْ أَخَذَ الرَّغِيفَ، فَقَالَ: أَنَا أَخَذْتُ الرَّغِيفَ، قَالَ: فَكُلُّهُ لَكَ، قَالَ: وَفَارَقَهُ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَانْتَهَى إِلَيْهِ رَجُلَانِ فِي الْمَفَازَةِ وَمَعَهُ الْمَالُ، فَأَرَادَا أَنْ يَأْخُذَاهُ مِنْهُ، وَيَقْتُلَاهُ، فَقَالَ: هُوَ بَيْنَنَا أَثْلَاثًا، قَالَ: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ إِلَى الْقَرْيَةِ حَتَّى يَشْتَرِيَ لَنَا طَعَامًا، قَالَ: فَبَعَثُوا أَحَدَهُمْ، فَقَالَ الَّذِي بُعِثَ: لِأَيِّ شَيْءٍ أُقَاسِمُ هَؤُلَاءِ هَذَا الْمَالَ؟ لَكِنِّي أَضَعُ فِي هَذَا الطَّعَامِ سُمًّا فَاقْتُلُهُمَا، وَآخُذُ الْمَالَ وَحْدِي، قَالَ: فَفَعَلَ، وَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلَانِ: لِأَيِّ شَيْءٍ نَجْعَلُ لِهَذَا ثُلثَ الْمَالِ، وَلَكِنْ إِذَا رَجَعَ قَتَلْنَاهُ وَاقْتَسَمْنَاهُ بَيْنَنَا) أَنْصَافًا (فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِمَا قَتَلَاهُ وَأَكَلَا الطَّعَامَ فَمَاتَا) لِأَنَّهُ كَانَ مَسْمُومًا (فَبَقِيَ ذَلِكَ الْمَالُ فِي الْمَفَازَةِ، وَأُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ عِنْدَهُ قَتْلَى، فَمَرَّ بِهِمْ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ الدُّنْيَا فَاحْذَرُوهَا) . وَقَدْ رَوَاهُ صَاحِبُ الْقُوتِ مُخْتَصَرًا، وَلَفَظُهُ: "وَفِي أَخْبَارِ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ مَرَّ فِي سِيَاحَتِهِ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ بِذَهَبٍ مَصْبُوبٍ فِي أَرْضٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْقَاتُولُ فَاحْذَرُوهُ، ثُمَّ جَازَ وَأَصْحَابُهُ، فَتَخَلَّفَ ثَلَاثَةٌ لِأَجْلِ الذَّهَبِ، فَأَقَامَ اثْنَانِ عَلَيْهِ، وَدَفَعَا إِلَى وَاحِدٍ شَيْئًا مِنْهُ يَشْتَرِي لَهُمْ مِنْ طَيِّبَاتِ الدُّنْيَا مِنْ أَقْرَبِ الْأَمْصَارِ إِلَيْهِمْ، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمَا الْعَدُوُّ: تَرْضَيَانِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَالُ بَيْنَكُمُ؟! اقْتُلَا هَذَا فَيَكُونُ الْمَالُ بَيْنَكُمَا نِصْفَيْنِ، فَأَجْمَعَا عَلَى قَتْلِهِ إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِمَا، قَالَ: وَجَاءَ الشَّيْطَانُ إِلَى الثَّالِثِ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ: أَرَضِيتَ لِنَفْسِكَ أَنْ تَأْخُذَ ثُلُثَ الْمَالِ؟! اقْتُلْهُمَا فَيَكُونُ الْمَالُ كُلُّهُ لَكَ، قَالَ: فَاشْتَرَى سُمًّا فَجَعَلَهُ فِي الطَّعَامِ، فَلَمَّا جَاءَهُمَا بِهِ وَثَبَا عَلَيْهِ فَقَتَلَاهُ، ثُمَّ قَعَدَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ، فَلَمَّا فَرَغَا مَاتَا، فَرَجَعَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْ سِيَاحَتِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ صَرْعَى حَوْلَ الذَّهَبِ، وَالذَّهَبُ بِحَالِهِ، فَعَجِبَ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: مَا شَأْنُ هَؤُلَاءِ قَتْلَى، فَأَخْبَرَهُمْ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ" . (وَحُكِيَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ) إِسْكَنْدَرُ ابْنُ الْفَيْلَسُوفِ الرُّومِيِّ (أَتَى عَلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ) فِي بَعْضِ سِيَاحَاتِهِ (لَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَمْتِعُ بِهِ النَّاسُ مِنْ دُنْيَاهُمْ) مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (قَدِ احْتَفَرُوا قُبُورًا، قَالَ: فَإِذَا أَصْبَحُوا تَعَهَّدُوا تِلْكَ الْقُبُورَ وَكَنَسُوهَا وَصَلَّوْا عِنْدَهَا، وَ) إِذَا جَاعُوا (رَعَوُا الْبَقْلَ) مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ (كَمَا تَرْعَى الْبَهَائِمُ، وَقَدْ قَيَّضَ اللَّهُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَعَايِشَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، فَأَرْسَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى مَلِكِهِمْ) أَيْ: رَئِيسِهِمُ الَّذِي يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ (فَقَالَ لَهُ: أَجِبِ الْمَلِكَ ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: مَا لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيَأْتِنِي، فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: صَدَقَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ، وَقَالَ لَهُ: أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِتَأْتِيَنِي فَأَبَيْتَ، فَهَا أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ كَانَ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ لَأَتَيْتُ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَلَى الْحَالِ الَّتِي لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ الْأُمَمِ عَلَيْهَا، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَيْسَ لَكُمْ دُنْيَا وَلَا شَيْءٌ، أَفَلَا اتَّخَذْتُمُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِمَا؟ قَالُوا: إِنَّمَا كَرِهْنَاهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ مِنْهُمَا شَيْئًا إِلَّا تَاقَتْ نَفْسُهُ وَدَعَتْهُ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَقَالَ: مَا بَالُكُمُ احْتَفَرْتُمْ قُبُورًا فَإِذَا أَصْبَحْتُمْ تَعَهَّدْتُمُوهَا فَكَنَسْتُمُوهَا وَصَلَّيْتُمْ عِنْدَهَا؟ قَالُوا: أَرَدْنَا إِذَا نَظَرْنَا إِلَيْهَا وَأَمَّلْنَا الدُّنْيَا مَنَعَتْنَا قُبُورُنَا مِنَ الْأَمَلِ) فَهِيَ مُعِينَةٌ عَلَى ذِكْرِ الْمَوْتِ وَقَاطِعَةٌ لِلْأَمَلِ . (قَالَ: وَأَرَاكُمْ لَا طَعَامَ لَكُمْ إِلَّا الْبَقْلُ فِي الْأَرْضِ، أَفَلَا اتَّخَذْتُمُ الْبَهَائِمَ مِنَ الْأَنْعَامِ فَاحْتَلَبْتُمُوهَا وَرَكِبْتُمُوهَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا؟ فَقَالُوا: كَرِهْنَا أَنْ نَجْعَلَ بُطُونَنَا قُبُورًا لَهَا، وَرَأَيْنَا فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ بَلَاغًا، وَإِنَّمَا يَكْفِي ابْنَ آدَمَ أَدْنَى الْعَيْشِ مِنَ الطَّعَامِ) قَدْرُ مَا يُبَلِّغُهُ (وَإِنَّ مَا جَاوَزَ الْحَنَكَ) أَيْ: دَاخِلَ الْفَمِ (مِنَ الطَّعَامِ لَمْ نَجِدْ لَهُ طَعْمًا كَائِنًا مَا كَانَ مِنَ الطَّعَامِ، ثُمَّ بَسَطَ مَلِكُ تِلْكَ الْأَرْضِ يَدَهُ مِنْ خَلْفِ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَتَنَاوَلَ جُمْجُمَةً) بِالضَّمِّ عَظْمُ الرَّأَسِ (فَقَالَ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَتَدْرِي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: لَا، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ، أَعْطَاهُ اللَّهُ سُلْطَانًا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَغَشَمَ) أَيْ: جَارَ (وَظَلَمَ وَعَتَا) وَتَمَرَّدَ (فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ذَلِكَ مِنْهُ حَسَمَهُ بِالْمَوْتِ) أَيْ: قَطَعَهُ أَوْ كَوَاهُ (فَصَارَ كَالْحَجَرِ الْمُلْقَى قَدْ أَحْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ حَتَّى يَجْزِيَهُ فِي آخِرَتِهِ) بِمَا عَمِلَ فِي دُنْيَاهُ . (ثُمَّ تَنَاوَلَ جُمْجُمَةً أُخْرَى بَالِيَةً، فَقَالَ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ هَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: لَا، وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: هَذَا مَلِكٌ مَلَّكَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ، قَدْ كَانَ يَرَى مَا يَصْنَعُ الَّذِي قَبْلَهُ بِالنَّاسِ مِنَ الْغُشْمِ وَالظُّلْمِ وَالتَّجَبُّرِ، فَتَوَاضَعَ وَخَشَعَ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَمَرَ بِالْعَدْلِ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَصَارَ كَمَا تَرَى، قَدْ أَحْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ حَتَّى يَجْزِيَهُ بِهِ فِي آخِرَتِهِ) مِمَّا عَمِلَ بِهِ فِي دُنْيَاهُ . (ثُمَّ أَهْوَى إِلَى جُمْجُمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: وَهَذِهِ الْجُمْجُمَةُ كَأَنْ قَدْ صَارَتْ كَهَاتَيْنِ فَانْظُرْ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ مَا أَنْتَ صَانِعٌ) مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (فَقَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ لَمَّا اسْتَحْسَنَ كَلَامَهُ: هَلْ لَكَ فِي صُحْبَتِي، فَأَتَّخِذُكَ أَخًا وَوَزِيرًا وَشَرِيكًا فِيمَا آتَانِي اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ؟ قَالَ: مَا أَصْلُحُ أَنَا وَأَنْتَ فِي مَكَانٍ، وَلَا أَنْ نَكُونَ جَمِيعًا، قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: وَلِمَ) ذَلِكَ؟ (قَالَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَكَ عَدُوٌّ وَلِي صَدِيقٌ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: يُعَادُونَكَ لِمَا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْمُلْكِ وَالْمَالِ وَالدُّنْيَا، وَلَا أَجِدُ أَحَدًا يُعَادِينِي لِرَفْضِي لِذَلِكَ) أَيْ: تَرْكِي إِيَّاهُ (وَ) رَفْضِي (لِمَا عِنْدِي مِنَ الْحَاجَةِ وَقِلَّةِ الشَّيْءِ، قَالَ: فَانْصَرَفَ عَنْهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ مُتَعَجِّبًا مِنْهُ وَمُتَّعِظًا بِهِ) أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ ذَمِّ الدُّنْيَا . (فَهَذِهِ الْحِكَايَاتُ) الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا (تَدُلُّكَ عَلَى آفَاتِ الْغِنَى) أَخْطَارِهِ (مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ) فِي كِتَابٍ ذَمِّ الدُّنْيَا (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) وَبِهِ تَمَّ كِتَابُ ذَمِّ الْبُخْلِ وَحُبِّ الْمَالِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْمِنَّةُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِي صَبِيحِهِ نَهَارِ الثُّلَاثَاءِ سَادِسَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ شُهُورِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ بَعْدَ الْأَلْفِ، عَلَى يَدِ مُؤَلِّفِهِ أَبِي الْفَيْضِ مُحَمَّدٍ مُرْتَضَى الْحُسَيْنِيِّ، غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ، وَسَتَرَ عُيُوبَهُ، وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، آمِينَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية