الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَفِرْقَةٌ أُخْرَى جَاوَزُوا هَؤُلَاءِ ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَا يَفِيضُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَنْوَارِ فِي الطَّرِيقِ وَلَا إِلَى ، مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الْعَطَايَا الْجَزِيلَةِ ، وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى الْفَرَحِ بِهَا وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا جَادِّينَ فِي السَّيْرِ حَتَّى قَارَبُوا ، فَوَصَلُوا إِلَى حَدِّ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ وَصَلُوا إِلَى اللَّهِ فَوَقَفُوا وَغَلِطُوا فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ لَا يَصِلُ السَّالِكُ إِلَى حِجَابٍ مِنْ تِلْكَ الْحُجُبِ فِي الطَّرِيقِ إِلَّا وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ . وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ; إِذْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُ : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى بِهِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ الْمُضِيئَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَرَاهَا فِي الصِّغَرِ ، وَيَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ آلِهَةً وَهِيَ كَثِيرَةٌ وَلَيْسَتْ وَاحِدًا وَالْجُهَّالُ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكَوْكَبَ لَيْسَ بِإِلَهٍ ، فَمِثْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَغُرُّهُ الْكَوْكَبُ الَّذِي لَا يَغُرُّ السَّوَادِيَّةَ . وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ نُورٌ مِنَ الْأَنْوَارِ الَّتِي هِيَ مِنْ حُجُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهِيَ عَلَى طَرِيقِ السَّالِكِينَ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْوُصُولُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِالْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْحُجُبِ ، وَهِيَ حُجُبٌ مِنَ نُورِ بَعْضِهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ وَأَصْغُرُ النَّيِّرَاتِ الْكَوْكَبُ فَاسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُهُ وَأَعْظَمَهَا الشَّمْسُ ، وَبَيْنَهُمَا رُتْبَةُ الْقَمَرِ فَلَمْ يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَصِلُ إِلَى نُورٍ بَعْدَ نُورٍ ، وَيَتَخَيَّلُ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ مَا كَانَ يَلْقَاهُ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ ثُمَّ كَانَ يُكْشَفُ لَهُ أَنَّ وَرَاءَهُ أَمْرًا فَيَتَرَقَّى إِلَيْهِ وَيَقُولُ : قَدْ وَصَلْتُ فَيُكْشَفُ لَهُ مَا وَرَاءَهُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْحِجَابِ الْأَقْرَبِ الَّذِي لَا وُصُولَ إِلَّا بَعْدَهُ فَقَالَ : هَذَا أَكْبَرُ ، فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ مَعَ عِظَمِهِ غَيْرُ خَالٍ عَنِ الْهَوَى فِي حَضِيضِ النَّقْصِ وَالِانْحِطَاطِ عَنْ ذِرْوَةِ الْكَمَالِ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ إِلَى أَنْ قَالَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَالِكُ هَذِهِ الطَّرِيقِ قَدْ يَغْتَرُّ فِي الْوُقُوفِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْحُجُبِ وَقَدْ يَغْتَرُّ بِالْحِجَابِ الْأَوَّلِ ، وَأَوَّلُ الْحُجُبِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ هُوَ نَفْسُهُ ، فَإِنَّهُ أَيْضًا أَمْرٌ رَبَّانِيٌّ وَهُوَ نُورٌ مِنْ أَنْوَارِ اللَّهِ تَعَالَى أَعْنِي سِرَّ الْقَلْبِ الَّذِي تَتَجَلَّى فِيهِ حَقِيقَةُ الْحَقِّ كُلِّهِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَّسِعُ لِجُمْلَةِ الْعَالَمِ وَيُحِيطُ بِهِ وَتَتَجَلَّى فِيهِ صُورَةُ الْكُلِّ وَعِنْدَ ذَلِكَ يُشْرِقُ نُورُهُ إِشْرَاقًا عَظِيمًا ; إِذْ يَظْهَرُ فِيهِ الْوُجُودُ كُلُّهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَحْجُوبٌ بِمِشْكَاةٍ هِيَ كَالسَّاتِرِ لَهُ فَإِذَا تَجَلَّى نُورُهُ ، وَانْكَشَفَ جَمَالُ الْقَلْبِ بَعْدَ إِشْرَاقِ نُورِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، رُبَّمَا الْتَفَتَ صَاحِبُ الْقَلْبِ إِلَى الْقَلْبِ ، فَيَرَى مِنْ جَمَالِهِ الْفَائِقِ مَا يُدْهِشُهُ وَرُبَّمَا يَسْبِقُ لِسَانُهُ فِي هَذِهِ الدَّهْشَةِ فَيَقُولُ : أَنَا الْحَقُّ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ اغْتَرَّ بِهِ وَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهَلَكَ ، وَكَانَ قَدِ اغْتَرَّ بِكَوْكَبٍ صَغِيرٍ مِنْ أَنْوَارِ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ ، وَلَمْ يَصِلْ بَعْدُ إِلَى الْقَمَرِ فَضْلًا عَنِ الشَّمْسِ فَهُوَ مَغْرُورٌ ، وَهَذَا مَحَلُّ الِالْتِبَاسِ إِذَا الْمُتَجَلِّي يَلْتَبِسُ بِالْمُتَجَلَّى فِيهِ كَمَا يَلْتَبِسُ لَوْنُ مَا يَتَرَاءَى فِي الْمِرْآةِ بِالْمِرْآةِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ لَوْنُ الْمِرْآةِ وَكَمَا يَلْتَبِسُ مَا فِي الزُّجَاجِ بِالزُّجَاجِ كَمَا قِيلَ : رَقَّ الزُّجَاجُ وَرَقَّتِ الْخَمْرُ فَتَشَابَهَا فَتَشَاكَلَ الْأَمْرُ فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلَا قَدَحٌ وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلَا خَمْرُ وَبِهَذِهِ الْعَيْنِ نَظَرَ النَّصَارَى إِلَى الْمَسِيحِ ، فَرَأَوْا إِشْرَاقَ نُورِ اللَّهِ قَدْ تَلَأْلَأَ فِيهِ فَغَلِطُوا فِيهِ كَمَنْ يَرَى كَوْكَبًا فِي مِرْآةٍ أَوْ فِي مَاءٍ فَيَظُنُّ أَنَّ الْكَوْكَبَ فِي الْمِرْآةِ أَوْ فِي الْمَاءِ فَيَمُدُّ يَدَهُ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ ، وَهُوَ مَغْرُورٌ وَأَنْوَاعُ الْغُرُورِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا تُحْصَى فِي مُجَلَّدَاتٍ ، وَلَا تُسْتَقْصَى إِلَّا بَعْدَ شَرْحِ جَمِيعِ عُلُومِ الْمُكَاشَفَةِ ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا رُخْصَةَ فِي ذِكْرِهِ ، وَلَعَلَّ الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا كَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ إِذِ السَّالِكُ لِهَذَا الطَّرِيقِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَالَّذِي لَمْ يَسْلُكْهُ لَا يَنْتَفِعُ بِسَمَاعِهِ ، بَلْ رُبَّمَا يَسْتَضِرُّ بِهِ إِذْ يُورِثُهُ ذَلِكَ دَهْشَةً مِنْ حَيْثُ يَسْمَعُ مَا لَا يَفْهَمُ وَلَكِنْ فِيهِ فَائِدَةٌ ، وَهُوَ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْغُرُورِ الَّذِي هُوَ فِيهِ بَلْ ; رُبَّمَا يُصَدِّقُ بِأَنَّ الْأَمْرَ أَعْظَمُ مِمَّا يَظُنُّهُ وَمِمَّا يَتَخَيَّلُهُ بِذِهْنِهِ الْمُخْتَصِرِ وَخَيَالِهِ الْقَاصِرِ وَجَدَلِهِ الْمُزَخْرَفِ وَيُصَدِّقُ أَيْضًا بِمَا يُحْكَى لَهُ مِنَ الْمُكَاشَفَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَمَنْ عَظُمَ غُرُورُهُ رُبَّمَا أَصَرَّ مُكَذِّبًا بِمَا يَسْمَعُهُ الْآنَ كَمَا يُكَذِّبُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ قَبْلُ . إتحاف السادة المتقين (وَفِرْقَةٌ أُخْرَى جَاوَزُوا هَؤُلَاءِ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَا يَفِيضُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَنْوَارِ فِي الطَّرِيقِ، وَإِلَى مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الْعَطَايَا الْجَزِيلَةِ، وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى الْفَرَحِ بِهَا وَالِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا) ، وَقَطَعُوا النَّظَرَ عَنْهَا (جَادِّينَ فِي السَّيْرِ حَتَّى قَارَبُوا، فَوَصَلُوا إِلَى حَدِّ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ وَصَلُوا إِلَى اللَّهِ فَوَقَفُوا) عَنْ سَيْرِهِمُ اعْتِمَادًا عَلَى ظَنِّهِمْ، (وَغَلِطُوا فَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ) وَظُلْمَةٍ لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ مَنْ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ، كَمَا فِي الْخَبَرِ، (فَلَا يَصِلُ السَّالِكُ إِلَى حِجَابٍ مِنْ تِلْكَ الْحُجُبِ) أَيِ: النُّورَانِيَّةِ (إِلَّا وَيَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ) ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَجَلٍّ فِي ذَاتِهِ بِذَاتِهِ لِذَاتِهِ، وَيَكُونُ الْحِجَابُ فِي الْإِضَافَةِ إِلَى مَحْجُوبٍ لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّ الْمَحْجُوبِينَ مِنَ الْخَلْقِ مِنْهُمْ مَنْ يُحْجَبُ بِمُجَرَّدِ الظَّلَمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْجَبُ بِالنُّورِ الْمَحْضِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْجَبُ بِنُورٍ مَقْرُونٍ بِظُلْمَةٍ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قَرِيبًا، وَالْمَحْجُوبُونَ بِمَحْضِ الْأَنْوَارِ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ، الْوَاصِلُونَ مِنْهُمْ مَنِ اعْتَقَدَ مَعْبُودَهُمْ وَاحِدٌ مَوْصُوفٌ بِصِفَةٍ لَا تُنَافِي الْوَحْدَانِيَّةَ الْمَحْضَةَ وَالْكَمَالَ الْبَالِغَ، وَإِنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى الْمَوْجُودَاتِ الْحِسِّيَّةِ تُشْبِهُ الشَّمْسَ إِلَى الْأَنْوَارِ الْمَحْسُوسَةِ مِنْهُ فَتَوَجَّهُوا مِنَ الَّذِي يُحَرِّكُ السَّمَاوَاتِ، وَمِنَ الَّذِي أَمَرَ بِتَحْرِيكِهَا إِلَى الَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ، وَفَطَرَ الْأَمْرَ بِتَحَرِّيهَا، فَوَصَلُوا إِلَى مَوْجُودٍ مُنَزَّهٍ عَنْ كُلِّ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُ النَّاظِرِينَ وَبَصِيرَتُهُمْ إِذْ وُجُودُهُ مِنْ قَبْلِهِ فَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِ الْأَوَّلِ إِلَّا عَلَى جَمِيعِ مَا أَدْرَكَهُ النَّاظِرُونَ وَبَصِيرَتُهُمْ، إِذْ وُجُودُهُ مُقَدَّسًا مُنَزَّهًا، ثُمَّ هَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا; فَمِنْهُمْ مَنْ أَحْرَقَ مِنْهُ جَمِيعَ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ فَانْمَحَقَ وَتَلَاشَى، وَلَكِنْ بَقِيَ هُوَ مُلَاحِظًا لِلْجَمَالِ وَالْقُدْسِ، وَمُلَاحِظًا ذَاتَهُ فِي جَمَالِهِ الَّذِي نَالَهُ بِالْوُصُولِ إِلَى الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَانْمَحَقَتْ مِنْهَا الْمُبْصَرَاتُ دُونَ الْمُبْصِرِ، وَجَاوَزَ هَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ خَوَاصُّ الْخَوَاصِّ فَأَحْرَقَتْهُمْ سُبُحَاتِ وَجْهِهِ، وَغَشِيَهُمْ سُلْطَانُ الْجَلَالِ، وَأَمْحَقُوا وَتَلَاشَوْا فِي ذَاتِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ لِحَاظٌ إِلَى أَنْفُسِهِمْ بِفَنَائِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَاحِدُ الْحَقُّ، وَصَارَ مَعْنَى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٍ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُمْ ذَوْقًا وَحَالًا، فَهَذِهِ نِهَايَةُ الْوَاصِلِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَنْدَرِجْ فِي التَّرَقِّي وَالْعُرُوجِ عَنِ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يَطُلْ عَلَيْهِ الْعُرُوجُ فَسَبَقُوا فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ إِلَى مَعْرِفَةِ الْقُدْسِ، وَتَنْزِيهِ الرُّبُوبِيَّةِ فِي كُلِّ مَا يَجِبُ تَنْزِيهُهُ عَنْهُ فَغَلَبَ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا مَا غَلَبَ عَلَى الْآخَرِينَ آخِرًا، وَهَجَمَ عَلَيْهِمُ التَّجَلِّي دُفْعَةً فَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ جَمِيعَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَهُ بَصَرٌ حِسِّيٌّ أَوْ بَصِيرَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ طَرِيقَ الْخَلِيلِ، وَالثَّانِي طَرِيقَ الْحَبِيبِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَسَلَامُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ; إِذْ قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُ: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ) أَيْ: أَظْلَمُ ( رَأَى كَوْكَبًا ) مِنَ الْكَوَاكِبِ ( قَالَ هَذَا رَبِّي ، وَلَيْسَ الْمَعْنِيُّ بِهِ) الْكَوْكَبَ الْمَعْهُودَ مِنْ (هَذِهِ الْأَجْسَامِ الْمُضِيئَةِ) الْمَرْكُوزَةِ فِي سَطْحِ السَّمَاءِ، (فَإِنَّهُ) عَلَيْهِ السَّلَامُ (كَانَ يَرَاهَا) أَيْ: تِلْكَ الْكَوَاكِبُ (فِي) حَالَةِ (الصِّغَرِ، وَيَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ آلِهَةً) حَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ، (وَ) مَعَ ذَلِكَ (هِيَ كَثِيرَةٌ) لَا عَدَدَ يَحْوِيهَا، (وَلَيْسَتْ وَاحِدَةً) حَتَّى يَظُنَّ فِيهَا الرُّبُوبِيَّةَ، (وَالْجُهَّالُ) الْمَحْجُوبُونَ بِظُلْمَتِهِمْ (يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكَوْكَبَ لَيْسَ بِالْإِلَهِ، فَمِثْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَعِصْمَتِهِ لَا يَغُرُّهُ الْكَوْكَبُ (الَّذِي لَا يَغُرُّ السَّوَادِيَّةَ) الْجُهَّالَ، (وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ نُورٌ مِنَ الْأَنْوَارِ الَّتِي هِيَ مِنْ حُجُبِ اللَّهِ) الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَهِيَ) أَيْ حَجْبُ الْأَنْوَارِ (عَلَى طَرِيقِ السَّالِكِ) فِي سُلُوكِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، (وَلَا يُتَصَوَّرُ الْوُصُولُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِالْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْحُجُبِ، وَهِيَ حُجُبٌ مِنَ النُّورِ) كَالسَّتَائِرِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى أَبْوَابِ حَضْرَةِ الْمُلُوكِ فِي الدُّنْيَا، (وَبَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ) فِي الْجُرْمِ، وَفِي النُّورِ (وَأَصْغُرُ النَّيِّرَاتِ الْكَوْكَبُ فَاسْتُعِيرَ لَهُ لَفْظُهُ) بِجَامِعِ النُّورِ، (وَأَعْظَمَهَا الشَّمْسُ، وَبَيْنَهُمَا رُتْبَةُ الْقَمَرِ) فَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْكَوْكَبِ وَأَضْوَأُ وَأَصْغَرُ مِنَ الشَّمْسِ، وَأَقَلُّ نُورًا مِنْهَا، (فَلَمْ يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ) بِعَيْنِ بَصَرِهِ وَبَصِيرَتِهِ، (حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَصِلُ) فِي سُلُوكِهِ (إِلَى نُورٍ بَعْدَ نُورٍ، وَيَتَخَيَّلُ إِلَيْهِ فِي أَوَّلِ مَا يَلْقَاهُ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ) إِلَى اللَّهِ ، (ثُمَّ كَانَ يُكْشَفُ لَهُ أَنَّ وَرَاءَهُ أَمْرًا فَيَرْتَقِي إِلَيْهِ وَيَقُولُ: قَدْ وَصَلْتُ) إِلَى اللَّهِ، (فَيُكْشَفُ لَهُ مَا وَرَاءَهُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْحِجَابِ الْأَقْرَبِ الَّذِي لَا وُصُولَ إِلَّا بَعْدَهُ) ، أَيْ: بَعْدَ رَفْعِهِ وَقَطْعِهِ (فَقَالَ: هَذَا أَكْبَرُ، فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ مَعَ عِظَمِهِ) الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ أَنَّ قَدْرَ سِعَةِ الدُّنْيَا كَذَا وَكَذَا مَرَّةً، (غَيْرُ خَالٍ عَنِ الْهَوَى) أَيِ: السُّقُوطِ (فِي حَضِيضِ النَّقْصِ وَالِانْحِطَاطِ عَنْ ذِرْوَةِ الْكَمَالِ) الْبَالِغِ ( قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَإِلَى هَذَا الْمِعْرَاجِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَإِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ سَبْعِينَ مَرَّةً" قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي مِشْكَاةِ الْأَنْوَارِ: لَمَّا كَانَ عَالَمُ الشَّهَادَةِ مُرَقًّى إِلَى عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، وَكَانَ سُلُوكُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ عِبَارَةً عَنْ هَذَا التَّرَقِّي، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالدِّينِ وَبِمَنَازِلَ الْهُدَى، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ وَاتِّصَالٌ لَمَا تُصُوِّرَ التَّرَقِّي مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ، فَجَعَلَتِ الرَّحْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ عَالَمَ الشَّهَادَةِ عَلَى مُوَازَنَةِ عَالَمِ الْمَلَكُوتِ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِلَّا وَهُوَ مِثَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ، وَرُبَّمَا كَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مِثَالًا لِأَشْيَاءَ مِنَ الْمَلَكُوتِ، وَرُبَّمَا كَانَ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِنَ الْمَلَكُوتِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ فِي عَالَمِ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِثَالًا إِذَا مَاثَلَ نَوْعًا مِنَ الْمُمَاثَلَةِ وَطَابَقَهُ نَوْعًا مِنَ الْمُطَابَقَةِ، مِثَالُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ جَوَاهِرُ نُورَانِيَّةٌ شَرِيفَةٌ عَالِيَةٌ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْمَلَائِكَةِ تُفِيضُ الْأَنْوَارَ عَلَى الْأَرْوَاحِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلِأَجَلِهَا تُسَمَّى أَرْبَابًا، وَيَكُونُ اللَّهُ رَبَّ الْأَرْبَابِ كَذَلِكَ، وَيَكُونُ لَهَا مَرَاتِبُ فِي نُورَانِيَّتِهَا مُتَفَاوِتَةٌ فَبِالْحَرِّيِّ أَنْ يَكُونَ مِثَالُهَا مِنْ عَالَمِ الشَّهَادَةِ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ، وَسَالِكُ الطَّرِيقِ يَنْتَهِي إِلَى مَا دَرَجَتُهُ دَرَجَةُ الْكَوْكَبِ فَيَتَّضِحُ لَهُ إِشْرَاقُ نُورِهِ، وَيَتَّضِحُ لَهُ مِنْ جَمَالِهِ وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِ مَا يُبَادِرُ فَيَقُولُ: هَذَا رَبِّي، ثُمَّ إِذَا اتَّضَحَ لَهُ مَا فَوْقَهُ مِمَّا رُتْبَتُهُ رُتْبَةُ الْقَمَرِ رَأَى أُفُولَ الْأَوَّلِ فِي مَغْرِبِ الْهَوَى بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، وَكَذَلِكَ يَتَرَقَّى حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مَا مَثَلُهُ الشَّمْسُ فَيَرَاهُ أَكْبَرَ وَأَعْلَى، فَيَرَاهُ قَابِلًا لِلْمِثَالِ بِنَوْعِ مُنَاسَبَةٍ لَهُ مَعَهُ، وَالْمُنَاسِبُ مَعَ ذِي النَّقْصِ نَقْصٌ وَأُفُولٌ أَيْضًا، فَمِنْهُ يَقُولُ: وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَمَعْنَى الَّذِي إِشَارَةٌ مُبْهَمَةٌ لَا مُنَاسَبَةَ لَهَا; إِذْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا مِثَالُ مَفْهُومِ الَّذِي لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ، فَالْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ مُنَاسَبَةٍ هُوَ اللَّهُ الْحَقُّ، (وَسَالِكُ هَذَا الطَّرِيقِ قَدْ يَغْتَرُّ فِي الْوُقُوفِ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْحُجُبِ) ، فَيُظَنُّ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ، (وَقَدْ يَغْتَرُّ بِالْحِجَابِ الْأَوَّلِ، وَأَوَّلُ الْحُجُبِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ هُوَ نَفْسُهُ، فَإِنَّهُ أَيْضًا أَمْرٌ رَبَّانِيٌّ) أَيْ: هُوَ مِنْ عَالَمِ الْأَمْرِ، (وَهُوَ نُورٌ مِنْ أَنْوَارِ اللَّهِ أَعْنِي سِرَّ الْقَلْبِ) أَيْ: بَاطِنَهُ (الَّذِي تَتَجَلَّى فِيهِ حَقِيقَةُ الْحَقِّ كُلِّهِ) تَوْكِيدٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ، (حَتَّى إِنَّهُ) أَيِ: الْقَلْبَ (لَيَتَّسِعُ لِجُمْلَةِ الْعَالَمِ وَيُحِيطُ بِهِ) إِحَاطَةً كُلِّيَّةً، (وَتَتَجَلَّى فِيهِ صُورَةُ الْكُلِّ) ; وَلِذَا عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعَالَمِ الْأَكْبَرِ، (وَعِنْدَ ذَلِكَ يُشْرِقُ نُورُهُ إِشْرَاقًا عَظِيمًا; إِذْ يَظْهَرُ فِيهِ الْوُجُودُ كُلُّهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَحْجُوبٌ بِمِشْكَاةٍ هِيَ كَالسَّاتِرِ لَهُ) عَنْ مُشَاهَدَةِ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، (فَإِذَا تَجَلَّى نُورُهُ، وَانْكَشَفَ جَمَالُ الْقَلْبِ بَعْدَ إِشْرَاقِ نُورِ اللَّهِ عَلَيْهِ، رُبَّمَا الْتَفَتَ صَاحِبُ الْقَلْبِ إِلَى الْقَلْبِ، فَيَرَى مِنْ جَمَالِهِ الْفَائِقِ مَا يُدْهِشُهُ) ، وَيَسْتَغْرِقُ الْهَمَّ بِهِ، وَيَنْظُرُ إِلَى كَمَالِ ذَاتِهِ، وَقَدْ تُزِيلُ بِمَا تَلَأْلَأَ فِيهِ مِنْ حِلْيَةِ الْحَقِّ، (وَرُبَّمَا يَسْبِقُ لِسَانُهُ فِي هَذِهِ الدَّهْشَةِ) وَالِاسْتِغْرَاقِ بِالْجَلَالِ، وَالْجَمَالِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ هُوَ (فَيَقُولُ: أَنَا الْحَقُّ) كَمَا وَقَعَ لِأَبِي مَنْصُورٍ الْحَلَّاجِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالِاتِّحَادِ عَلَى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ وَالتَّوَسُّعِ، لَا أَنَّهُ هُوَ تَحْقِيقًا وَهَذِهِ مَزَلَّةُ قَدَمٍ، (فَإِنْ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ اغْتَرَّ بِهِ وَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهَلَكَ، وَكَانَ قَدِ اغْتَرَّ بِكَوْكَبٍ صَغِيرٍ مِنْ أَنْوَارِ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَمْ يَصِلْ بَعْدُ إِلَى الْقَمَرِ فَضْلًا عَنِ الشَّمْسِ فَهُوَ مَغْرُورٌ، وَهَذَا مَحَلُّ الِالْتِبَاسِ) فَمَنْ لَيْسَ لَهُ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي الْمَعْقُولَاتِ لَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ; (إِذِ الْمُتَجَلِّي يَلْتَبِسُ بِالْمُتَجَلَّى فِيهِ كَمَا يَلْتَبِسُ لَوْنُ مَا يَتَرَاءَى) مِنْ صُورَةٍ مُتَلَوِّنَةٍ انْطَبَعَتْ (فِي الْمِرْآةِ بِالْمِرْآةِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ لَوْنُ الْمِرْآةِ) ، وَأَنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ صُورَةُ الْمِرْآةِ، وَهَيْهَاتَ فَإِنَّ الْمِرْآةَ فِي ذَاتِهَا لَا لَوْنَ لَهَا، وَشَأْنُهَا قَبُولُ صُوَرِ الْأَلْوَانِ عَلَى وَجْهٍ يَتَخَايَلُ إِلَى النَّاظِرِينَ إِلَى ظَاهِرِ الْأُمُورِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ صُورَةُ الْمِرْآةِ، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ خَالٍ عَنِ الصُّوَرِ فِي نَفْسِهِ، وَعَنِ الْهَيْئَاتِ، وَإِنَّمَا هَيْئَاتُهُ قَبُولُ مَا فِي الْهَيْئَاتِ وَالصُّوَرِ وَالْحَقَائِقِ، فَمَا يَحْمِلُهُ يَكُونُ كَالْمُتَّحِدِ بِهِ تَجُوزُ إِلَّا أَنَّهُ كَالْمُتَّحِدِ بِهِ تَحْقِيقًا، (وَكَمَا يَلْتَبِسُ مَا فِي الزُّجَاجِ بِالزُّجَاجِ) فَمَنْ لَا يَعْرِفُ الزُّجَاجَ وَالْخَمْرَ إِذَا رَأَى زُجَاجَةً فِيهَا خَمْرٌ لَمْ يُدْرِكْ تَبَايُنَهُمَا فَتَارَةً يَقُولُ: لَا خَمْرَ، وَتَارَةً يَقُولُ: لَا زُجَاجَةَ (كَمَا قِيلَ: رَقَّ الزُّجَاجُ وَرَقَّتِ الْخَمْرُ فَتَشَابَهَا فَتَشَاكَلَ الْأَمْرُ فَكَأَنَّمَا خَمْرٌ وَلَا قَدَحٌ وَكَأَنَّمَا قَدَحٌ وَلَا خَمْرُ وَبِهَذِهِ الْعَيْنِ نَظَرَتِ النَّصَارَى إِلَى الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَرَأَوْا إِشْرَاقَ نُورِ اللَّهِ قَدْ تَلَأْلَأَ فِيهِ) فَقَالُوا بِاتِّحَادِ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ، (فَغَلِطُوا فِيهِ) غَلَطًا فَاحِشًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: أَنَا الْحَقُّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّجَوُّزِ وَالتَّوَسُّعِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ غَلِطَ كَمَا غَلِطَ النَّصَارَى، وَهُوَ (كَمَنْ يَرَى كَوْكَبًا فِي مِرْآةٍ أَوْ فِي مَاءٍ فَيَظُنُّ أَنَّ الْكَوْكَبَ فِي الْمِرْآةِ أَوْ فِي الْمَاءِ فَيَمُدُّ إِلَيْهِ) يَدَهُ (لِيَأْخُذَهُ، وَهُوَ مَغْرُورٌ) . وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ فِي مُجَاوَزَتِهِ هَذِهِ الْحُجُبَ سَالِكٌ لَا وَاصِلٌ، وَإِنَّمَا الْوُصُولُ أَنْ تَنْكَشِفَ لَهُ جَلِيَّةُ الْحَقِّ وَيَصِيرَ مُسْتَغْرِقًا بِهِ، فَإِنْ نَظَرَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فَلَا يَعْرِفُ إِلَّا اللَّهَ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَى هَمِّهِ فَلَا هَمَّ لَهُ سِوَاهُ، فَيَكُونُ كُلُّهُ مَشْغُولًا بِكُلِّهِ مُشَاهَدَةً وَهَمًّا، لَا يَلْتَفِتُ فِي كُلِّ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ . (وَأَنْوَاعُ الْغُرُورِ فِي طَرِيقِ السُّلُوكِ إِلَى اللَّهِ لَا تُحْصَى فِي مُجَلَّدَاتٍ، وَلَا تُسْتَقْصَى إِلَّا بَعْدَ شَرْحِ جَمِيعِ عُلُومِ الْمُكَاشَفَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا رُخْصَةَ فِي ذِكْرِهِ، وَلَعَلَّ الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ) آنِفًا (كَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ) ، وَكَتْمَهُ، (إِذِ السَّالِكُ لِهَذَا الطَّرِيقِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَالَّذِي لَمْ يَسْلُكْهُ لَا يَنْتَفِعُ بِسَمَاعِهِ، بَلْ رُبَّمَا يَسْتَضِرُّ بِهِ إِذْ يُورِثُهُ ذَلِكَ وَحْشَةً) وَحَيْرَةً، (مِنْ حَيْثُ) أَنَّهُ (يَسْمَعُ مَا لَا يَفْهَمُ) مَعْنَاهُ (وَلَكِنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، وَهُوَ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْغُرُورِ الَّذِي هُوَ فِيهِ; إِذْ رُبَّمَا يُصَدِّقُ بِأَنَّ الْأَمْرَ أَعْظَمُ مِمَّا يَظُنُّهُ) بِعَقْلِهِ النَّاقِصِ (وَمِمَّا يَتَخَيَّلُهُ بِذِهْنِهِ الْمُخْتَصِرِ وَخَيَالِهِ الْقَاصِرِ وَجَدَلِهِ الْمُزَخْرَفِ) بِالْأَدِلَّةِ الْوَهْمِيَّةِ، (وَيُصَدِّقُ أَيْضًا بِمَا يُحْكَى لَهُ مِنَ الْمُكَاشَفَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا أَوْلِيَاءُ اللَّهِ) مِنْ صَالِحِي عِبَادِهِ، (وَمَنْ عَظُمَ غُرُورُهُ رُبَّمَا أَصَرَّ مُكَذِّبًا بِمَا يَسْمَعُهُ الْآنَ كَمَا يُكَذِّبُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ قَبْلُ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية