الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ حَقِيقَةِ النِّيَّةِ . اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ وَالْإِرَادَةَ وَالْقَصْدَ عِبَارَاتٌ عَلَى مُتَوَارِدِهِ مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ حَالَةٌ وَصْفَةٌ لِلْقَلْبِ يَكْتَنِفُهَا أَمْرَانِ : عِلْمٌ وَعَمَلٌ ، الْعِلْمُ يَقْدُمُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ وَشَرْطُهُ ، وَالْعَمَلُ يَتْبَعُهُ ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَتُهُ وَفَرْعُهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أَعْنِي كُلَّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ اخْتِيَارِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ : عِلْمٍ وَإِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ مَالًا يَعْلَمُهُ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَعْلَمَ ، وَلَا يَعْمَلُ مَا لَمْ يُرِدْ فَلَا بُدَّ مِنْ إِرَادَةٍ . وَمَعْنَى الْإِرَادَةِ انْبِعَاثُ الْقَلْبِ إِلَى مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِلْغَرَضِ ، إِمَّا فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَآلِ ، فَقَدْ خُلِقَ الْإِنْسَانُ بِحَيْثُ يُوَافِقُهُ بَعْضُ الْأُمُورِ وَيُلَائِمُ غَرَضَهُ وَيُخَالِفُهُ بَعْضُ الْأُمُورِ فَيَحْتَاجُ إِلَى جَلْبِ الْمُلَائِمِ الْمُوَافِقِ إِلَى نَفْسِهِ وَدَفْعِ ، الضَّارِّ الْمُنَافِي عَنْ نَفْسِهِ ، فَافْتَقَرَ بِالضَّرُورَةِ إِلَى مَعْرِفَةٍ وَإِدْرَاكٍ لِلشَّيْءِ الْمُضِرِّ وَالنَّافِعِ حَتَّى يَجْلِبَ هَذَا وَيَهْرُبَ مِنْ هَذَا ، فَإِنَّ مَنْ لَا يُبْصِرُ الْغِذَاءَ وَلَا يَعْرِفُهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ بِتَنَاوُلِ ، وَمَنْ لَا يُبْصِرُ النَّارَ لَا يُمْكِنُهُ الْهَرَبُ مِنْهَا ، فَخَلَقَ اللَّهُ الْهِدَايَةَ وَالْمَعْرِفَةَ ، وَجَعَلَ لَهَا أَسْبَابًا ، وَهِيَ الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ غَرَضِنَا ، ثُمَّ لَوْ أَبْصَرَ الْغِذَاءَ وَعَرَفَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ فَلَا يَكْفِيهِ ذَلِكَ لِلتَّنَاوُلِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَيْلٌ إِلَيْهِ ، وَرَغْبَةٌ فِيهِ ، وَشَهْوَةٌ لَهُ بَاعِثَةٌ عَلَيْهِ إِذَا ؛ الْمَرِيضُ يَرَى الْغِذَاءَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّنَاوُلُ لِعَدَمِ الرَّغْبَةِ وَالْمَيْلِ وَلِفَقْدِ الدَّاعِيَةِ الْمُحَرِّكَةِ إِلَيْهِ ، فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْمَيْلَ وَالرَّغْبَةَ وَالْإِرَادَةَ ، وَأَعْنِي بِهِ نُزُوعًا فِي نَفْسِهِ إِلَيْهِ ، وَتَوَجُّهًا فِي قَلْبِهِ إِلَيْهِ ثُمَّ ذَلِكَ يَكْفِيهِ ، فَكَمْ مِنْ مُشَاهِدٍ طَعَامًا رَاغِبٍ فِيهِ مُرِيدٍ تَنَاوُلَهُ عَاجِزٍ عَنْهُ لِكَوْنِهِ زَمِنًا فَخُلِقَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْأَعْضَاءُ الْمُتَحَرِّكَةُ حَتَّى يَتِمَّ بِهِ التَّنَاوُلُ ، وَالْعُضْوُ لَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا بِالْقُدْرَةِ ، وَالْقُدْرَةُ تَنْتَظِرُ الدَّاعِيَةَ الْبَاعِثَةَ ، وَالدَّاعِيَةُ تَنْتَظِرُ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ أَوِ الظَّنَّ وَالِاعْتِقَادَ ، وَهُوَ أَنْ يَقْوَى فِي نَفْسِهِ كَوْنُ الشَّيْءِ مُوَافِقًا لَهُ ، فَإِذَا جَزَمَتِ الْمَعْرِفَةُ بِأَنَّ الشَّيْءَ مُوَافِقٌ وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَفْعَلَ وَسَمَتْ ، عَنْ مُعَارَضَةِ بَاعِثٍ آخَرَ صَارِفٍ عَنْهُ انْبَعَثَتِ الْإِرَادَةُ ، وَتَحَقَّقَ الْمَيْلُ ، فَإِذَا انْبَعَثَتِ الْإِرَادَةُ انْتَهَضَتِ الْقُدْرَةُ لِتَحْرِيكِ الْأَعْضَاءِ فَالْقُدْرَةُ خَادِمَةٌ لِلْإِرَادَةِ ، وَالْإِرَادَةُ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ الِاعْتِقَادِ وَالْمَعْرِفَةِ . فَالنِّيَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ ، وَهِيَ الْإِرَادَةُ وَانْبِعَاثُ النَّفْسِ بِحُكْمِ الرَّغْبَةِ وَالْمَيْلِ إِلَى مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلْغَرَضِ ، إِمَّا فِي الْحَالِ وَإِمَّا فِي الْمَآلِ . فَالْمُحَرِّكُ الْأَوَّلُ هُوَ الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ الْبَاعِثُ ، وَالْغَرَضُ الْبَاعِثُ هُوَ الْمَقْصِدُ الْمَنَوِيُّ ، وَالِانْبِعَاثُ هُوَ الْقَصْدُ وَالنِّيَّةُ وَانْتِهَاضُ الْقُدْرَةِ لِخِدْمَةِ الْإِرَادَةِ بِتَحْرِيكِ الْأَعْضَاءِ هُوَ الْعَمَلُ إِلَّا أَنَّ انْتِهَاضَ الْقُدْرَةِ لِلْعَمَلِ قَدْ يَكُونُ بِبَاعِثٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ يَكُونُ بِبَاعِثَيْنِ اجْتَمَعَا فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ ، وَإِذَا كَانَ بِبَاعِثَيْنِ فَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَ لَكَانَ مَلِيًّا بِإِنْهَاضِ الْقُدْرَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ قَاصِرًا عَنْهُ إِلَّا بِالِاجْتِمَاعِ ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا كَافِيًا لَوْلَا الْآخَرُ ، لَكِنَّ الْآخَرَ انْتَهَضَ عَاضِدًا لَهُ وَمُعَاوِنًا . فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ ، فَلْنَذْكُرْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِثَالًا وَاسْمًا . أَمَّا الْأَوَّلُ : فَهُوَ أَنْ يَنْفَرِدَ الْبَاعِثُ الْوَاحِدُ وَيَتَجَرَّدَ كَمَا إِذَا هَجَمَ عَلَى الْإِنْسَانِ سَبُعٌ فَكُلَّمَا رَآهُ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَلَا مُزْعِجَ لَهُ إِلَّا غَرَضُ الْهَرَبِ مِنَ السَّبُعِ فَإِنَّهُ رَأَى السَّبُعَ وَعَرَفَهُ ضَارًّا فَانْبَعَثَتْ نَفْسُهُ إِلَى الْهَرَبِ ، وَرَغِبَتْ فِيهِ ، فَانْتَهَضَتِ الْقُدْرَةُ عَامِلَةً بِمُقْتَضَى الِانْبِعَاثِ ، فَيُقَالُ : نِيَّتُهُ لِلْفِرَارِ مِنَ السَّبُعِ لَا نِيَّةَ لَهُ فِي الْقِيَامِ لِغَيْرِهِ ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ تُسَمَّى خَالِصَةً ، وَيُسَمَّى الْعَمَلُ بِمُوجَبِهَا إِخْلَاصًا ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْغَرَضِ الْبَاعِثِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَصَ عَنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ وَمُمَازَجَتِهِ . وَأَمَّا الثَّانِي : فَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ بَاعِثَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلٌّ بِالْإِنْهَاضِ لَوِ انْفَرَدَ . وَمِثَالُهُ مِنَ الْمَحْسُوسِ أَنْ يَتَعَاوَنَ رَجُلَانِ عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ بِمِقْدَارٍ مِنَ الْقُوَّةِ كَانَ كَافِيًا فِي الْحَمْلِ لَوِ انْفَرَدَ . وَمِثَالُهُ فِي غَرَضِنَا أَنْ يُسْأَلَهُ قَرِيبُهُ الْفَقِيرُ حَاجَةً . فَيَقْضِيَهَا لِفَقْرِهِ وَقَرَابَتِهِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْلَا فَقْرُهُ لَكَانَ يَقْضِيهَا بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ وَأَنَّهُ لَوْلَا قَرَابَتُهُ لَكَانَ يَقْضِيهَا بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ وَأَنَّهُ لَوْلَا ، قَرَابَتُهُ لَكَانَ يَقْضِيهَا بِمُجَرَّدِ الْفَقْرِ ، وَعَلِمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَحْضُرَهُ قَرِيبٌ غَنِيٌّ فَيَرْغَبُ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَفَقِيرٌ أَجْنَبِيٌّ فَيَرْغَبُ أَيْضًا فِيهِ . وَكَذَلِكَ مَنْ أَمَرَهُ الطَّبِيبُ بِتَرْكِ الطَّعَامِ ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمُ عَرَفَةَ فَصَامَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمُ عَرَفَةَ لَكَانَ يَتْرُكُ الطَّعَامَ حِمْيَةً وَلَوْلَا الْحِمْيَةُ لَكَانَ يَتْرُكُهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَقَدِ اجْتَمَعَا جَمِيعًا ، فَأَقْدَمَ عَلَى الْفِعْلِ ، وَكَانَ الْبَاعِثُ الثَّانِي رَفِيقَ الْأَوَّلِ . فَلْنُسَمِّ هَذَا مُرَافَقَةً لِلْبَوَاعِثِ وَالثَّالِثُ : أَنْ لَا يَسْتَقِلَّ كُلُّ وَاحِدٍ لَوِ انْفَرَدَ وَلِكُلِّ قُوًى مَجْمُوعُهُمَا ، عَلَى إِنْهَاضِ الْقُدْرَةِ . وَمِثَالُهُ فِي الْمَحْسُوسِ أَنْ يَتَعَاوَنَ ضَعِيفَانِ عَلَى حَمْلِ مَا لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِهِ . وَمِثَالُهُ فِي غَرَضِنَا أَنْ يَقْصِدَهُ قَرِيبُهُ الْغَنِيُّ فَيَطْلُبُ دِرْهَمًا فَلَا يُعْطِيهِ ، وَيَقْصِدُهُ الْأَجْنَبِيُّ الْفَقِيرُ فَيَطْلُبُ دِرْهَمًا فَلَا يُعْطِيهِ ، ثُمَّ يَقْصِدُهُ الْقَرِيبُ الْفَقِيرُ فَيُعْطِيهِ ، فَيَكُونُ انْبِعَاثُ دَاعِيَتِهِ الْمَجْمُوعَ الْبَاعِثَيْنِ وَهُوَ الْقُرَابَةُ وَالْفَقْرُ . وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ لِغَرَضِ الثَّوَابِ وَلِغَرَضِ الثَّنَاءِ ، وَيَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا لَكَانَ لَا يَبْعَثُهُ مُجَرَّدُ قَصْدِ الثَّوَابِ عَلَى الْعَطَاءِ ، وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ فَاسِقًا لَا ثَوَابَ فِي التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ لَكَانَ لَا يَبْعَثُهُ مُجَرَّدُ الرِّيَاءِ عَلَى الْعَطَاءِ وَلَوْ ، اجْتَمَعَا أَوْرَثَا بِمَجْمُوعِهِمَا تَحْرِيكَ الْقَلْبِ . وَلْنُسَمِّ هَذَا الْجِنْسَ مُشَارَكَةً وَالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْبَاعِثَيْنِ مُسْتَقِلًّا لَوِ انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ ، وَالثَّانِي لَا يَسْتَقِلُّ . وَلَكِنْ لَمَّا انْضَافَ إِلَيْهِ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ تَأْثِيرٍ بِالْإِعَانَةِ وَالتَّسْهِيلِ . وَمِثَالُهُ فِي الْمَحْسُوسِ : أَنْ يُعَاوِنَ الضَّعِيفُ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ عَلَى الْحَمْلِ ، وَلَوِ انْفَرَدَ الْقَوِيُّ لَاسْتَقَلَّ ، وَلَوِ انْفَرَدَ الضَّعِيفُ لَمْ يَسْتَقِلَّ ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ يُسَهِّلُ الْعَمَلَ وَيُؤَثِّرُ فِي تَخْفِيفِهِ . . وَمِثَالُهُ فِي غَرَضِنَا : أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ وِرْدٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَعَادَةٌ فِي الصَّدَقَاتِ ، فَاتَّفَقَ أَنْ حَضَرَ فِي وَقْتِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ فَصَارَ الْفِعْلُ أَخَفَّ عِلَّةً بِسَبَبِ مُشَاهَدَتِهِمْ ، وَعَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا خَالِيًا لَمْ يَفْتُرْ عَنْ عَمَلِهِ ، وَعَلِمَ أَنَّ عَمَلَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةً لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ الرِّيَاءِ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ، فَهُوَ شَوْبٌ تَطَرَّقَ إِلَى النِّيَّةِ . وَلْنُسَمِّ هَذَا الْجِنْسَ الْمُعَاوَنَةَ . فَالْبَاعِثُ الثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا أَوْ شَرِيكًا أَوْ مُعِينًا . وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهَا فِي بَابِ الْإِخْلَاصِ . وَالْغَرَضُ الْآنَ بَيَانُ أَقْسَامِ النِّيَّاتِ ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ تَابِعٌ لِلْبَاعِثِ عَلَيْهِ ، فَيَكْتَسِبُ الْحُكْمَ مِنْهُ . وَلِذَلِكَ قِيلَ " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ " لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَا حُكْمَ لَهَا فِي نَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِلْمَتْبُوعِ . إتحاف السادة المتقين وَقَدْ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِي بَيَانِ حَقِيقَتِهَا وَبَيَانِ مَا يُضَافُ إِلَيْهَا مِنَ الْإِرَادَةِ وَالْعَزْمِ وَالْقَصْدِ؛ لِأَنَّهُنَّ مِنْ رَوَادِفِهَا، فَقَالَ: (بَيَانُ حَقِيقَةِ النِّيَّةِ) (اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ) بِالْكَسْرِ، اسْمٌ مِنْ: نَوَاهُ يَنْوِيهِ إِذَا قَصَدَهُ، وَالْيَاءُ مُشَدَّدَةٌ، وَالتَّخْفِيفُ لُغَةٌ حَكَاهَا الْأَزْهَرِيُّ، وَحُذِفَتِ اللَّامُ وَعُوِّضَ مِنْهَا الْهَاءُ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ، كَمَا قِيلَ فِي ثُبَةٍ وَظُبَةٍ، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ: أَهَمُّ الْقَلْبِ حُوشِيُّ النِّيَاتِ وَفِي الْمُحْكَمِ: النِّيَّةُ مُثَقَّلَةٌ، وَالتَّخْفِيفُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ عَلَى الْحَذْفِ، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ (وَالْإِرَادَةَ وَالْقَصْدَ عِبَارَاتٌ مُتَوَارِدَةٌ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ حَالَةٌ وَصْفَةٌ لِلْقَلْبِ يَكْتَنِفُهَا أَمْرَانِ: عِلْمٌ وَعَمَلٌ، الْعِلْمُ يَقْدُمُهُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُهُ وَشَرْطُهُ، وَالْعَمَلُ يَتْبَعُهُ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَتُهُ وَفَرْعُهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ -أَعْنِي كُلَّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ- اخْتِيَارِيٌّ) أَيْ: صَادِرٌ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ (فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: عِلْمٍ وَإِرَادَةٍ وَقُدْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْإِنْسَانُ مَا لَا يَعْلَمُهُ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَعْلَمَ، وَلَا يَعْمَلُ مَا لَمْ يُرِدْ فَلَا بُدَّ مِنْ إِرَادَةٍ) تَسْبِقُ الْعَمَلَ . (وَمَعْنَى الْإِرَادَةِ انْبِعَاثُ الْقَلْبِ إِلَى مَا يَرَاهُ مُوَافِقًا لِلْغَرَضِ، إِمَّا فِي الْحَالِ أَوْ فِي الْمَآلِ، فَقَدْ خُلِقَ الْإِنْسَانُ بِحَيْثُ يُوَافِقُهُ بَعْضُ الْأُمُورِ) وَيُلَائِمُ غَرَضَهُ، وَيُخَالِفُهُ بَعْضُ الْأُمُورِ، هَذَا مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ (فَاحْتَاجَ إِلَى جَلْبِ الْمُلَائِمِ الْمُوَافِقِ) لِطَبْعِهِ، النَّافِعِ لَهُ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ (لِنَفْسِهِ، وَ) إِلَى (دَفْعِ الضَّارِّ) لَهُ فِيهِمَا (الْمُنَافِي) لِطَبْعِهِ (عَنْ نَفْسِهِ، فَافْتَقَرَ بِالضَّرُورَةِ إِلَى مَعْرِفَةٍ وَإِدْرَاكٍ لِلشَّيْءِ الْمُضِرِّ وَالنَّافِعِ) وَهُوَ الْعِلْمُ الْمُعَرِّفُ لَهُ ذَلِكَ (حَتَّى يَجْلِبَ هَذَا وَيَهْرُبَ مِنْ هَذَا، فَإِنَّ مَنْ لَا يُبْصِرُ الْغِذَاءَ وَلَا يَعْرِفُهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ، وَمَنْ لَا يُبْصِرُ النَّارَ لَا يُمْكِنُهُ الْهَرَبُ مِنْهَا، فَخَلَقَ اللَّهُ الْهِدَايَةَ وَالْمَعْرِفَةَ، وَجَعَلَ لَهَا أَسْبَابًا، وَهِيَ الْحَوَاسُّ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ غَرَضِنَا، ثُمَّ لَوْ أَبْصَرَ الْغِذَاءَ وَعَرَفَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ فَلَا يَكْفِيهِ ذَلِكَ لِلتَّنَاوُلِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَيْلٌ إِلَيْهِ، وَرَغْبَةٌ فِيهِ، وَشَهْوَةٌ لَهُ بَاعِثَةٌ عَلَيْهِ؛ إِذِ الْمَرِيضُ يَرَى الْغِذَاءَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ) لَهُ، (وَلَا يُمْكِنُهُ التَّنَاوُلُ لِعَدَمِ الرَّغْبَةِ وَالْمَيْلِ) إِلَيْهِ، (وَلِفَقْدِ الدَّاعِيَةِ الْمُحَرِّكَةِ إِلَيْهِ، فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى) بِلُطْفِهِ وَحِكْمَتِهِ (الْمَيْلَ وَالرَّغْبَةَ وَالْإِرَادَةَ، وَأَعْنِي بِهِ) أَيْ بِمَجْمُوعِ الْمِيلِ وَالْإِرَادَةِ وَالرَّغْبَةِ (نُزُوعًا فِي نَفْسِهِ إِلَيْهِ، وَتَوَجُّهًا فِي قَلْبِهِ إِلَيْهِ) . فَوُجُودُ الْمَيْلِ إِلَى الْمُوَافِقِ الْمُلَائِمِ، وَالنَّفْرَةُ عَنِ الْمُؤْلِمِ الْمُنَافِرِ بَعْدَ الْعِلْمِ ضَرُورِيَّانِ، لَا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فِيهِمَا، فَلَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ عَلَيْهَا حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنِ الْقَلْبِ مَا يُعَارِضُهُمَا وَيُضَادُّهُمَا مِنْ عُلُومٍ وَإِرَادَاتٍ لِطَلَبِ أَغْرَاضٍ أُخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ الْمُضَادَّةَ تَمْنَعُ مِنْ جَزْمِ النِّيَّةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ ذَلِكَ لَا يَكْفِيهِ، فَكَمْ مِنْ مُشَاهِدٍ طَعَامًا رَاغِبٍ فِيهِ مُرِيدٍ تَنَاوُلَهُ عَاجِزٍ عَنْهُ لِكَوْنِهِ زَمِنًا) لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَرُّكِ (فَخُلِقَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْأَعْضَاءُ الْمُتَحَرِّكَةُ حَتَّى يَتِمَّ بِهِ التَّنَاوُلُ، وَالْعُضْوُ لَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا بِالْقُدْرَةِ، وَالْقُدْرَةُ تَنْتَظِرُ الدَّاعِيَةَ الْبَاعِثَةَ، وَالدَّاعِيَةُ تَنْتَظِرُ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ أَوِ الظَّنَّ وَالِاعْتِقَادَ، وَهُوَ أَنْ يَقْوَى فِي نَفْسِهِ كَوْنُ الشَّيْءِ مُوَافِقًا لَهُ، فَإِذَا جَزَمَتِ الْمَعْرِفَةُ بِأَنَّ الشَّيْءَ مُوَافِقٌ وَلَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ، وَسَلِمَتْ عَنْ مُعَارَضَةِ بَاعِثٍ آخَرَ صَارِفٍ عَنْهُ انْبَعَثَتِ الْإِرَادَةُ، وَتَحَقَّقَ الْمَيْلُ، فَإِذَا انْبَعَثَتِ الْإِرَادَةُ انْتَهَتِ الْقُدْرَةُ لِتَحْرِيكِ الْأَعْضَاءِ، فَالْقُدْرَةُ حَادِثَةٌ عَنِ الْإِرَادَةِ، وَالْإِرَادَةُ تَابِعَةٌ لِحُكْمِ الِاعْتِقَادِ وَالْمَعْرِفَةِ) فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا كَسْبًا لِلْقَلْبِ، وَعَمَلًا مِنْ أَعْمَالِهِ، يَقَعُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَالثَّوَابُ . (فَالنِّيَّةُ عِبَارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ، وَهِيَ الْإِرَادَةُ وَانْبِعَاثُ النَّفْسِ بِحُكْمِ الرَّغْبَةِ وَالْمَيْلِ إِلَى مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلْغَرَضِ، إِمَّا فِي الْحَالِ وَإِمَّا فِي الْمَآلِ، فَالْمُحَرِّكُ الْأَوَّلُ هُوَ الْغَرَضُ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ الْبَاعِثُ، وَالْغَرَضُ الْبَاعِثُ هُوَ الْمَقْصِدُ الْمَنَوِيُّ، وَالِانْبِعَاثُ هُوَ الْقَصْدُ وَالنِّيَّةُ وَانْتِهَاضُ الْقُدْرَةِ لِخِدْمَةِ الْإِرَادَةِ بِتَحْرِيكِ الْأَعْضَاءِ هُوَ الْعَمَلُ) وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ النِّيَّةَ وَالْقَصْدَ وَالْإِرَادَةَ أَلْفَاظٌ مُتَوَارِدَةٌ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِنْ حَقَّقْتَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْرِقَةٍ قَرِيبَةٍ، فَالنِّيَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ تَمْيِيزِ الْأَغْرَاضِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ، وَالْقَصْدُ هُوَ جَمْعُ الْهِمَّةِ نَحْوَ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ، وَالْعَزْمُ يُقَوِّي الْقَصْدَ وَيُنَشِّطُهُ، وَالْإِرَادَةُ تَصْرِفُ الْمَوَانِعَ الْمُثَبِّطَةَ لِانْتِهَاضِ الْقُدْرَةِ، وَتَتَوَجَّهُ نَحْوَهَا، هَذَا حَقِيقَةُ النِّيَّةِ . (إِلَّا أَنَّ انْتِهَاضَ الْقُدْرَةِ لِلْعَمَلِ قَدْ يَكُونُ بِبَاعِثٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِبَاعِثَيْنِ اجْتَمَعَا فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا كَانَ بِبَاعِثَيْنِ فَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَ كَانَ مَلِيًّا بِإِنْهَاضِ الْقُدْرَةِ، وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ قَاصِرًا عَنْهُ إِلَّا بِالِاجْتِمَاعِ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا كَافِيًا لَوْلَا الْآخَرُ، لَكِنَّ الْآخَرَ انْتَهَضَ عَاضِدًا لَهُ وَمُعَاوِنًا) كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْأَغْرَاضِ الْمَطْلُوبَةِ (فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، فَلْنَذْكُرْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِثَالًا) مِنَ الْمَحْسُوسِ (وَاسْمًا) . (أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ أَنْ يَنْفَرِدَ الْبَاعِثُ الْوَاحِدُ وَيَتَجَرَّدَ كَمَا إِذَا هَجَمَ عَلَى الْإِنْسَانِ سَبُعٌ) أَوْ جَلَسَ فِي مَجْرَى سَيْلٍ (فَكُلَّمَا رَآهُ) أَيْ: وَاحِدًا مِنْهَا مُقْبِلًا عَلَيْهِ (قَامَ) هَارِبًا (مِنْ مَوْضِعِهِ) خَوْفًا مِمَّا دَهَاهُ، (فَلَا مُزْعِجَ لَهُ إِلَّا غَرَضُ الْهَرَبِ مِنَ السَّبُعِ) أَوِ السَّيْلِ (فَإِنَّهُ رَأَى السَّبُعَ وَعَرَفَهُ ضَارًّا) وَكَذَا السَّيْلُ (فَانْبَعَثَتْ نَفْسُهُ إِلَى الْهَرَبِ، وَرَغِبَتْ فِيهِ، فَانْتَهَضَتِ الْقُدْرَةُ عَامِلَةً بِمُقْتَضَى الِانْبِعَاثِ، فَيُقَالُ: نِيَّتُهُ الْفِرَارُ مِنَ السَّبُعِ) أَوِ السَّيْلِ (لَا نِيَّةَ لَهُ فِي الْقِيَامِ لِغَيْرِهِ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ) فِي الْهَرَبِ (تُسَمَّى خَالِصَةً، وَيُسَمَّى الْعَمَلُ بِمُوجَبِهَا إِخْلَاصًا، بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْغَرَضِ الْبَاعِثِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَصَ عَنْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ وَمُمَازَجَتِهِ) . فَأَمَّا إِذَا اقْتَرَنَ بِالنِّيَّةِ بَاعِثٌ آخَرُ يَجْرِي مَجْرَى الْمُرَافَقَةِ أَوِ الْمُعَاوَنَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فَلَا يُسَمَّى إِخْلَاصًا . (وَأَمَّا الثَّانِي: فَهُوَ أَنْ يَجْتَمِعَ بَاعِثَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلٌّ بِالْإِنْهَاضِ) لِلْقُدْرَةِ (لَوِ انْفَرَدَ، وَمِثَالُهُ مِنَ الْمَحْسُوسِ أَنْ يَتَعَاوَنَ رَجُلَانِ عَلَى حَمْلِ شَيْءٍ بِمِقْدَارٍ مِنَ الْقُوَّةِ كَافِيَةٍ فِي الْحَمْلِ لَوِ انْفَرَدَتْ. وَمِثَالُهُ فِي غَرَضِنَا أَنْ يُسْأَلَهُ قَرِيبُهُ الْفَقِيرُ حَاجَةً) مِنْ حَوَائِجِهِ (فَيَقْضِيَهَا لِفَقْرِهِ وَقَرَابَتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْلَا فَقْرُهُ لَكَانَ يَقْضِيهَا بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ، وَلَوْلَا قَرَابَتُهُ لَكَانَ يَقْضِيهَا بِمُجَرَّدِ الْفَقْرِ، وَعَلِمَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَحْضُرَهُ قَرِيبٌ غَنِيٌّ فَيَرْغَبُ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَفَقِيرٌ أَجْنَبِيٌّ فَيَرْغَبُ أَيْضًا فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَمَرَهُ الطَّبِيبُ بِتَرْكِ الطَّعَامِ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمُ عَرَفَةَ) وَهُوَ تَاسِعُ ذِي الْحِجَّةِ (فَصَامَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَرَفَةُ لَكَانَ يَتْرُكُ الطَّعَامَ حِمْيَةً) لِأَنَّهُ لَهُ غَرَضٌ فِيهَا، أَيْ: لَوِ اسْتَغْنَى عَنِ الصَّوْمِ كَانَ يَحْتَمِي، (وَلَوْلَا الْحِمْيَةُ) أَيْ: لَوِ اسْتَغْنَى عَنْهَا (لَكَانَ) يَصُومُ (وَيَتْرُكُهُ) أَيِ: الْأَكْلَ (لِأَجْلِ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَدِ اجْتَمَعَا جَمِيعًا، فَأَقْدَمَ عَلَى الْفِعْلِ، وَكَانَ الْبَاعِثُ الثَّانِي رَفِيقَ الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الصَّوْمِ حَقَّهُ وَلَكِنَّهُ رَافَقَهُ مُرَافَقَةً . (فَلْنُسَمِّ هَذَا مُرَافَقَةً لِلْبَوَاعِثِ) وَهِيَ تَشُوبُ الْعَمَلَ، وَالرَّجَاءُ مِنْ رَحْمَةِ الشَّرْعِ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَقَعُ مَوْقِعَ الرِّضَا . (الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَسْتَقِلَّ كُلُّ وَاحِدٍ لَوِ انْفَرَدَ، وَلَكِنْ قَوِيَ بِمَجْمُوعِهِمَا عَلَى إِنْهَاضِ الْقُدْرَةِ. وَمِثَالُهُ فِي الْمَحْسُوسِ أَنْ يَتَعَاوَنَ ضَعِيفَانِ عَلَى حَمْلِ مَا لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِهِ، وَمِثَالُهُ مِنْ غَرَضِنَا أَنْ يَقْصِدَهُ قَرِيبُهُ الْغَنِيُّ فَيَطْلُبُ دِرْهَمًا فَلَا يُعْطِيهِ، وَيَقْصِدُهُ الْأَجْنَبِيُّ الْفَقِيرُ فَيَطْلُبُ دِرْهَمًا فَلَا يُعْطِيهِ، ثُمَّ يَقْصِدُهُ الْفَقِيرُ الْقَرِيبُ فَيُعْطِيهِ، فَيَكُونُ انْبِعَاثُ دَاعِيَتِهِ بِمَجْمُوعِ الْبَاعِثَيْنِ وَهُوَ الْقُرَابَةُ وَالْفَقْرُ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ لِغَرَضِ الثَّوَابِ وَغَرَضِ الثَّنَاءِ، وَيَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا لَكَانَ لَا يَبْعَثُهُ مُجَرَّدُ قَصْدِ الثَّوَابِ عَلَى الْعَطَاءِ، وَلَوْ كَانَ الطَّالِبُ فَاسِقًا لَا ثَوَابَ فِي التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ لَكَانَ لَا يَبْعَثُهُ مُجَرَّدُ الرِّيَاءِ عَلَى الْعَطَاءِ، وَلَمَّا اجْتَمَعَا أَوْرَثَا بِمَجْمُوعِهِمَا تَحْرِيكَ الْقَلْبِ. وَلْنُسَمِّ هَذَا الْجِنْسَ مُشَارَكَةً) . وَهَذَا لَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِ وَإِحْبَاطِ ثَوَابِهِ، فَلَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، إِلَّا إِنْ كَانَ بَاعِثُ الرِّيَاءِ أَقْوَى فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِمِقْدَارِ قُوَّتِهِ وَزِيَادَتِهِ، أَوْ كَانَ بَاعِثُ الثَّوَابِ أَقْوَى فَإِنَّهُ يُثَابُ بِقَدْرِ قُوَّتِهِ وَزِيَادَتِهِ، وَهَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ . (وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْبَاعِثَيْنِ مُسْتَقِلًّا لَوِ انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ، وَالثَّانِي لَا يَسْتَقِلُّ وَلَكِنْ لَمَّا انْضَافَ إِلَيْهِ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ تَأْثِيرٍ بِالْإِعَانَةِ وَالتَّسْهِيلِ . وَمِثَالُهُ مِنَ الْمَحْسُوسِ: أَنْ يُعَاوِنَ الضَّعِيفُ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ عَلَى الْحَمْلِ، وَلَوِ انْفَرَدَ الْقَوِيُّ لَاسْتَقَلَّ، وَلَوِ انْفَرَدَ الضَّعِيفُ لَمْ يَسْتَقِلَّ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ يُسَهِّلُ الْعَمَلَ وَيُؤَثِّرُ فِي تَحْقِيقِهِ . وَمِثَالُهُ فِي غَرَضِنَا: أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ وِرْدٌ فِي الصَّلَوَاتِ، وَعَادَةٌ فِي الصَّدَقَاتِ، فَاتَّفَقَ أَنْ حَضَرَ فِي وَقْتِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ فَصَارَ الْفِعْلُ أَخَفَّ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مُشَاهَدَتِهِمْ، وَعَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا خَالِيًا لَمْ يَفْتُرْ عَنْ عَمَلِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ عَمَلَهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ طَاعَةً لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ الرِّيَاءِ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ شَوْبٌ تَطَرَّقَ إِلَى النِّيَّةِ، وَلْنُسَمِّ هَذَا الْجِنْسَ الْمُعَاوَنَةَ) . وَهَذِهِ حَالَةٌ مَخُوفَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى إِجْلَالِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْتِمَاسِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ . (فَالْبَاعِثُ الثَّانِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا أَوْ شَرِيكًا أَوْ مُعِينًا، وَسَنَذْكُرُ حُكْمَهَا) أَيْ: حُكْمَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الْمُرَافَقَةُ وَالْمُشَارَكَةُ وَالْمُعَاوَنَةُ (فِي بَابِ الْإِخْلَاصِ، وَالْغَرَضُ الْآنَ بَيَانُ أَقْسَامِ النِّيَّاتِ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ تَابِعٌ لِلْبَاعِثِ عَلَيْهِ، فَيَكْتَسِبُ الْحُكْمَ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ) فِي الْخَبَرِ ("إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" لِأَنَّهَا) أَيِ: الْأَعْمَالُ (تَابِعَةٌ لَا حُكْمَ لَهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِلْمَتْبُوعِ) الَّذِي هُوَ النِّيَّةُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية