الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين بَيَانُ حَقِيقَةِ الْمُرَاقَبَةِ وَدَرَجَاتِهَا . اعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةُ الْمُرَاقَبَةِ هِيَ مُلَاحَظَةُ الرَّقِيبِ وَانْصِرَافُ الْهَمِّ إِلَيْهِ فَمَنِ احْتَرَزَ مِنْ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ يُقَالُ أَنَّهُ يُرَاقِبُ فُلَانًا وَيُرَاعِي جَانِبَهُ وَيَعْنِي بِهَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ حَالَةً لِلْقَلْبِ يَثْمُرُهَا نَوْعٌ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَتُثْمِرُ تِلْكَ الْحَالَةُ أَعْمَالًا فِي الْجَوَارِحِ وَفِي الْقَلْبِ . أَمَّا الْحَالَةُ فَهِيَ مُرَاعَاةُ الْقَلْبِ لِلرَّقِيبِ وَاشْتِغَالُهُ بِهِ وَالْتِفَاتُهُ إِلَيْهِ وَمُلَاحَظَتُهُ إِيَّاهُ وَانْصِرَافُهُ إِلَيْهِ . وَأَمَّا الْمَعْرِفَةُ الَّتِي تُثْمِرُ هَذِهِ الْحَالَةَ فَهُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى الضَّمَائِرِ عَالِمٌ بِالسَّرَائِرِ رَقِيبٌ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَأَنَّ سِرَّ الْقَلْبِ فِي حَقِّهِ مَكْشُوفٌ كَمَا أَنَّ ظَاهِرَ الْبَشَرَةِ لِلْخَلْقِ مَكْشُوفٌ بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ . فَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ إِذَا صَارَتْ يَقِينًا أَعْنِي أَنَّهَا خَلَتْ عَنْ الشَّكُّ ثُمَّ اسْتَوْلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْقَلْبِ قَهَرَتْهُ فَرُبَّ عِلْمٍ لَا شَكَّ فِيهِ لَا يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ كَالْعِلْمِ بِالْمَوْتِ فَإِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الْقَلْبِ اسْتَجَرَّتِ الْقَلْبَ إِلَى مُرَاعَاةِ جَانِبِ الرَّقِيبِ وَصَرَفَتْ هَمَّهُ إِلَيْهِ وَالْمُوقِنُونَ بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ هُمُ الْمُقَرَّبُونَ وَهُمْ يَنْقَسِمُونَ إِلَى الصِّدِّيقِينَ . وَإِلَى أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَمُرَاقَبَتُهُمْ عَلَى دَرَجَتَيْنِ . الدَّرَجَةُ الْأُولَى مُرَاقَبَةُ الْمُقَرَّبِينَ مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَهِيَ مُرَاقَبَةُ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ الْقَلْبُ مُسْتَغْرِقًا بِمُلَاحَظَةِ ذَلِكَ الْجَلَالِ وَمُنْكَسِرًا تَحْتَ الْهَيْبَةِ فَلَا يَبْقَى فِيهِ مُتَّسَعٌ لِلِالْتِفَاتِ إِلَى الْغَيْرِ أَصْلًا وَهَذِهِ مُرَاقَبَةٌ لَا نُطَوِّلُ النَّظَرَ فِي تَفْصِيلِ أَعْمَالِهَا فَإِنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْقَلْبِ . أَمَّا الْجَوَارِحُ فَإِنَّهَا تَتَعَطَّلُ عَنِ التَّلَفُّتِ إِلَى الْمُبَاحَاتِ فَضْلًا عَنِ الْمَحْظُورَاتِ وَإِذَا تَحَرَّكَتْ بِالطَّاعَاتِ كَانَتْ كَالْمُسْتَعْمَلَةِ بِهَا فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى تَدْبِيرٍ وَتَثْبِيتٍ فِي حِفْظِهَا عَلَى سُنَنِ السَّدَادِ . بَلْ يُسَدِّدُ الرَّعِيَّةَ مَنْ مَلَكَ كَلْبَةَ الرَّاعِي وَالْقَلْبُ هُوَ الرَّاعِي فَإِذَا صَارَ مُسْتَغْرِقًا بِالْمَعْبُودِ صَارَتِ الْجَوَارِحُ مُسْتَعْمَلَةً جَارِيَةً عَلَى السَّدَادِ وَالِاسْتِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَارَ هَمُّهُ هَمًّا وَاحِدًا فَكَفَاهُ اللَّهُ سَائِرَ الْهُمُومِ . وَمَنْ نَالَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَقَدْ يَغْفُلُ عَنِ الْخَلْقِ حَتَّى لَا يُبْصِرَ مَنْ يَحْضُرُ عِنْدَهُ وَهُوَ فَاتِحٌ عَيْنَيْهِ وَلَا يَسْمَعُ مَا يُقَالُ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا صَمَمَ بِهِ وَقَدْ يَمُرُّ عَلَى ابْنِهِ مَثَلًا فَلَا يُكَلِّمُهُ حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَجْرِي عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ لِمَنْ عَاتَبَهُ إِذَا مَرَرْتَ بِي فَحَرِّكْنِي . وَلَا تَسْتَبْعِدْ هَذَا فَإِنَّكَ تَجِدُ نَظِيرَ هَذَا فِي الْقُلُوبِ الْمُعَظِّمَةِ لِمُلُوكِ الْأَرْضِ حَتَّى إِنَّ خَدَمَ الْمَلِكِ قَدْ لَا يُحِسُّونَ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي مَجَالِسِ الْمُلُوكِ لِشِدَّةِ اسْتِغْرَاقِهِمْ بِهِمْ بَلْ قَدْ يَشْتَغِلُ الْقَلْبُ بِمُهِمِّ حَقِيرٍ مِنْ مُهِمَّاتِ الدُّنْيَا فَيَغُوصُ الرَّجُلُ فِي الْفِكْرِ فِيهِ وَيَمْشِي فَرُبَّمَا يُجَاوِزُ الْمَوْضِعَ الَّذِي قَصَدَهُ وَيَنْسَى الشُّغْلَ الَّذِي نَهَضَ لَهُ . وَقَدْ قِيلَ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ هَلْ تَعْرِفُ فِي زَمَانِكَ هَذَا رَجُلًا قَدِ اشْتَغَلَ بِحَالِهِ عَنِ الْخَلْقِ فَقَالَ مَا أَعْرِفُ إِلَّا رَجُلًا سَيَدْخُلُ عَلَيْكُمُ السَّاعَةَ فَمَا كَانَ إِلَّا سَرِيعًا حَتَّى دَخَلَ عُتْبَةُ الْغُلَامُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ يَا عُتْبَةُ فَقَالَ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا وَكَانَ طَرِيقُهُ عَلَى السُّوقِ فَقَالَ مَنْ لَقِيتَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا . وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُ مَرَّ بِامْرَأَةٍ فَدَفَعَهَا فَسَقَطَتْ عَلَى وَجْهِهَا فَقِيلَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ مَا ظَنَنْتُهَا إِلَّا جِدَارًا . وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ مَرَرْتُ بِجَمَاعَةٍ يَتَرَامَوْنَ وَوَاحِدٌ جَالِسٌ بَعِيدًا مِنْهُمْ فَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فَقَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَشْهَى فَقُلْتُ وَحْدَكَ فَقَالَ مَعِيَ رَبِّي وَمَلَكَايَ فَقُلْتُ مَنْ سَبَقَ مِنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ مَنْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ فَقُلْتُ أَيْنَ الطَّرِيقُ فَأَشَارَ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَامَ وَمَشَى وَقَالَ أَكْثَرُ خَلْقِكَ شَاغِلٌ عَنْكَ فَهَذَا كَلَامُ مُسْتَغْرِقٍ بِمُشَاهَدَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا مِنْهُ وَلَا يَسْمَعُ إِلَّا فِيهِ . فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُرَاقَبَةِ لِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ فَإِنَّهَا لَا تَتَحَرَّكُ إِلَّا بِمَا هُوَ فِيهِ . وَدَخَلَ الشِّبْلِيُّ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ النُّورِيِّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَوَجَدَهُ سَاكِنًا حَسَنَ الِاجْتِمَاعِ لَا يَتَحَرَّكُ مِنْ ظَاهِرِهِ شَيْءٌ فَقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةَ وَالسُّكُونَ فَقَالَ مِنْ سِنَّوْرٍ كَانَتْ لَنَا فَكَانَتْ إِذَا أَرَادَتِ الصَّيْدَ رَابَطَتْ رَأْسَ الْحَجَرِ لَا تَتَحَرَّكُ لَهَا شَعْرَةٌ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خَفِيفٍ خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ أُرِيدُ الرَّمْلَةَ لِلِقَاءِ أَبِي عَلِيٍّ الرُّوذَبَارِيِّ فَقَالَ لِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ الْمِصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالزَّاهِدِ وَأَنَّ فِي صُورٍ شَابًّا وَكَهْلًا قَدِ اجْتَمَعَا عَلَى حَالِ الْمُرَاقَبَةِ فَلَوْ نَظَرْتَ إِلَيْهِمَا نَظْرَةً لَعَلَّكَ تَسْتَفِيدُ مِنْهُمَا فَدَخَلْتُ صُورًا وَأَنَا جَائِعٌ عَطْشَانُ وَفِي وُسْطَى خِرْقَةٌ وَلَيْسَ عَلَى كَتِفِي شَيْءٌ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا بِشَخْصَيْنِ قَاعِدَيْنِ مُسْتَقْبِلَيِ الْقِبْلَةِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا فَمَا أَجَابَانِي فَسَلَّمْتُ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً فَلَمْ أَسْمَعِ الْجَوَابَ فَقُلْتُ نَشَدْتُكُمَا بِاللَّهِ إِلَّا رَدَدْتُمَا عَلَيَّ السَّلَامَ فَرَفَعَ الشَّابُّ رَأْسَهُ مِنْ مُرَقَّعَتِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَقَالَ يَا ابْنَ خَفِيفٍ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَمَا بَقِيَ مِنَ الْقَلِيلِ إِلَّا الْقَلِيلُ فَخُذْ مِنَ الْقَلِيلِ الْكَثِيرَ يَا ابْنَ خَفِيفٍ مَا أَقَلَّ شُغْلَكَ حَتَّى تَتَفَرَّغَ إِلَى لِقَائِنَا قَالَ فَأَخَذَ بِكُلِّيَّتِي ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فِي الْمَكَانِ فَبَقِيتُ عِنْدَهُمَا حَتَّى صَلَّيْنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَذَهَبَ جُوعِي وَعَطَشِي وَعَنَائِي فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ قُلْتُ عِظْنِي فَرَفَعَ رَأَسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ يَا ابْنَ خَفِيفٍ نَحْنُ أَصْحَابُ الْمَصَائِبِ لَيْسَ لَنَا لِسَانُ الْعِظَةِ فَبَقِيتُ عِنْدَهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ وَلَا أَنَامُ وَلَا رَأَيْتُهُمَا أَكَلَا شَيْئًا وَلَا شَرِبَا فِلْمًا . كَانَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ قُلْتُ فِي سِرِّي أُحَلِّفُهُمَا أَنْ يَعِظَانِي لَعَلِّي أَنْ أَنْتَفِعُ بِعِظَتِهِمَا فَرَفَعَ الشَّابُّ رَأَسَهُ وَقَالَ لِي يَا ابْنَ خَفِيفٍ عَلَيْكَ بِصُحْبَةِ مَنْ يُذَكِّرُكَ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ وَتَقَعُ هَيْبَتُهُ عَلَى قَلْبِكَ يَعِظُكَ بِلِسَانِ فِعْلِهِ وَلَا يَعِظُكَ بِلِسَانِ قَوْلِهِ وَالسَّلَامُ قُمْ عَنَّا فَهَذِهِ دَرَجَةُ الْمُرَاقِبِينَ الَّذِينَ غَلَبَ عَلَى قُلُوبِهِمُ الْإِجْلَالُ وَالتَّعْظِيمُ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِمْ مُتَّسَعٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ . إتحاف السادة المتقين بَيَانُ حَقِيقَةِ الْمُرَاقَبَةِ وَدَرَجَاتِهَا (اعْلَمْ ) وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّ ) الْمُرَاقَبَةَ مُفَاعَلَةٌ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّرَاقُبِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ لِلْمُرَاقَبِ أَنْ يَكُونَ مُرَاقَبًا لِاطِّلَاعِهِ عَلَى اطِّلَاعِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ عَلَى حَالِهِ وَيُدَاوِمَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ مُرَاقَبًا لِاطِّلَاعِهِ عَلَى مُوجِدِهِ بِلَا فُتُورٍ وَتَشَتُّتِ الْخَاطِرِ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَيَاءِ لِأَنَّ الْحَيَاءَ يَتَوَلَّدُ عَنْ مَعْرِفَةِ عُيُوبِ النَّفْسِ وَالْمُرَاقَبَةُ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا (حَقِيقَةُ الْمُرَاقَبَةِ هِيَ مُلَاحَظَةُ الرَّقِيبِ وَانْصِرَافُ الْهَمِّ إِلَيْهِ فَمَنِ احْتَرَزَ مِنْ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ بِسَبَبِ غَيْرِهِ ) حَتَّى لَا يَغْفُلَ عَنْهُ وَيُلَاحِظُهُ مُلَاحَظَةً تَامَّةً لَازِمَةً دَائِمَةً لُزُومًا لَوْ عَرَفَهُ الْمَمْنُوعُ عَنْهُ لَمَا قَدِمَ عَلَيْهِ (يُقَالُ إِنَّهُ يُرَاقِبُ فُلَانًا وَيُرَاعِي جَانِبَهُ ) فَكَأَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ (وَيَعْنِي بِهَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ حَالَةً لِلْقَلْبِ يَثْمُرُهَا نَوْعٌ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَتُثْمِرُ تِلْكَ الْحَالَةُ أَعْمَالًا فِي الْجَوَارِحِ وَفِي الْقَلْبِ أَمَّا الْحَالَةُ فَهِيَ مُرَاعَاةُ الْقَلْبِ لِلرَّقِيبِ ) فِي كُلِّ خَطْرَةٍ (وَاشْتِغَالُهُ بِهِ وَالْتِفَاتُهُ إِلَيْهِ وَمُلَاحَظَتُهُ إِيَّاهُ وَانْصِرَافُهُ إِلَيْهِ ) وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ جَعْفَرِ بْنِ نُصَيْرٍ فِي الْمُرَاقَبَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ قَرِيبًا إِذْ قَالَ هِيَ مُرَاعَاةُ السِّرِّ لِمُلَاحَظَةِ الْغَيْبِ فِي كُلِّ خَطْرَةٍ وَكَلَامُ الْخَوَّاصِ الْمُرَاعَاةُ تُورِثُ الْمُرَاقَبَةَ وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ دَرَجَاتِ الْمُرَاقَبَةِ ثُمَّ إِنَّ الْمُرَاقَبَةَ كَغَيْرِهَا مِنَ الْمَقَامَاتِ تَنْتَظِمُ مِنْ عِلْمٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ (وَأَمَّا الْمَعْرِفَةُ الَّتِي تُثْمِرُ هَذِهِ الْحَالَ فَهُوَ الْعِلْمُ ) بِصِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ الْمُحْدِقَةِ بِالْوُجُودِ كُلِّهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ عَلَى انْفِرَادِهِ كَعِلْمِهِ وَبَصَرِهِ وَسَمْعِهِ وَالْإِيمَانُ بِهَا وَ (بِأَنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَى الضَّمَائِرِ عَالِمٌ بِالسَّرَائِرِ رَقِيبٌ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَإِنَّ سِرَّ الْقَلْبِ فِي حَقِّهِ مَكْشُوفٌ كَمَا أَنَّ ظَاهِرَ الْبَشَرَةِ لِلْخَلْقِ مَكْشُوفٌ بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ ) وَأَقْوَى وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ هِنْدٍ الَّذِي تَقَدَّمَ وَالْإِيمَانُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَاجِبٌ وَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ (فَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ إِذَا ) تَقَوَّتْ (صَارَتْ يَقِينًا أَعْنِي أَنَّهَا خَلَتْ عَنْ ) أَنْ يُمَازِجَهُ (الشَّكُّ ) وَالرَّيْبُ (ثُمَّ اسْتَوْلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْقَلْبِ ) الصَّنَوْبَرِيِّ (وَقَهَرَتْهُ ) أَيْ : مَلَكَتْهُ مِلْكًا تَامًّا لَمْ تَبْقَ فِيهِ مُنَازَعَةٌ لِخَاطِرٍ وَحُصُولُ هَذَا الْمَعْنَى بَعْدَ الْيَقِينِ شَرْطٌ (فَرُبَّ عِلْمٍ لَا يُشَكُّ فِيهِ لَا يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ ) وَلَا يَسْتَوْلِيهِ (كَالْعِلْمِ بِالْمَوْتِ ) فَإِنَّهُ يَقِينِيٌّ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَقْهَرُ بَعْضَ الْقُلُوبِ (فَإِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَى الْقَلْبِ اسْتَجَرَّتِ الْقَلْبَ إِلَى مُرَاعَاةِ جَانِبِ الرَّقِيبِ وَصَرَفَتْ هَمَّهُ إِلَيْهِ ) بِالْكُلِّيَّةِ وَتَحَقَّقَ بِمَقَامِ الْإِحْسَانِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ فِي الْخَبَرِ (وَالْمُوقِنُونَ بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ هُمُ الْمُقَرَّبُونَ ) فِي الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ (وَهُمْ يَنْقَسِمُونَ إِلَى الصِّدِّيقِينَ . وَإِلَى أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَمُرَاقَبَتُهُمْ ) أَيِ : الْمُقَرَّبِينَ (عَلَى دَرَجَتَيْنِ الدَّرَجَةُ الْأُولَى مُرَاقَبَةُ الْمُقَرَّبِينَ مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَهِيَ ) لَهَا بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ فَثَمَرَةُ بِدَايَتِهَا رِعَايَةُ الْخَوَاطِرِ وَكَشْفُ مَا الْتَبَسَ مِنْهَا وَالْأَدَبُ مَعَ اللَّهِ بِحُرْمَةِ مُرَاقَبَةِ اللَّهِ وَنِهَايَةُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ (مُرَاقَبَةُ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ ) وَالْهَيْبَةِ (وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ الْقَلْبُ مُسْتَغْرِقًا بِمُلَاحَظَةِ ذَلِكَ الْجَلَالِ وَمُنْكَسِرًا تَحْتَ الْهَيْبَةِ ) بِدُخُولِ الْأَعْضَاءِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ (فَلَا يَبْقَى فِيهِ مُتَّسَعٌ لِلِالْتِفَاتِ إِلَى الْغَيْرِ أَصْلًا ) وَهَذِهِ الْحَالَةُ مُرَادَةٌ لِذَاتِهَا لِأَنَّهَا حَالَةٌ لَا تَسَعُ الْعَمَلَ فَإِنَّ الْخَوَاطِرَ وَالْجَوَارِحَ بِنْيَةٌ تَابِعَةٌ الرُّوحَ الْمَأْخُوذَةَ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْأَحْوَالُ لَهَا وَالْأَدَبُ عِنْدَ سُكُونِ هَذِهِ الْحَالَةِ رُؤْيَةُ الْعَالَمِ عَلَى أَتَمِّ أَنْوَاعِ الْإِتْقَانِ وَالْإِعْلَامُ وَالرِّضَا بِمَجَارِي الْأَقْدَارِ وَسَلْبُ الِاخْتِيَارِ لِمَا عَايَنَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ وَرُؤْيَةُ الشَّرِيعَةِ تُعِينُ الْوَقَارَ وَكَمَالَ النِّظَامِ لِأَنَّهُ رَأَى ثَمَرَتَهَا وَبَرَكَتَهَا وَقِيلَ السُّكُونُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْعَقْلِ فَرَاغٌ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْآدَابِ وَأَقَلُّ إِدْرَاكِ الْعَقْلِ فِي هَذِهِ أَنْ يَرَى الْحَقَّ حَقًّا وَالْبَاطِلَ بَاطِلًا بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ لَا يَفْتَقِرُ فِيهِ إِلَى إِقَامَةِ بُرْهَانٍ (وَهَذِهِ مُرَاقَبَةٌ لَا نُطَوِّلُ النَّظَرَ فِي تَفْصِيلِ أَعْمَالِهَا فَإِنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْقَلْبِ ) فَمِنْ جُمْلَتِهَا الْمُرَاقَبَةُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الطَّائِفَةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ أَسْرَارَهُمْ قَالُوا هِيَ مُلَاحَظَةُ الْمَعْنَى الْمُقَدَّسِ مِنَ الْجَلَالَةِ وَفَهْمُهُ وَحِفْظُهُ فِي الْخَيَالِ ثُمَّ التَّوَجُّهُ بِهِ إِلَى الْقَلْبِ بِجَمِيعِ الْقُوَى وَالْمَدَارِكِ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ حَتَّى تَذْهَبَ الْكُلْفَةُ مِنَ الْبَيْنِ وَيَصِيرُ مِلْكَهُ فَإِنْ عَسُرَ ذَلِكَ فَلْيَتَخَيَّلْهُ بِصُورَةِ نُورٍ بَسِيطٍ مُحِيطٍ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَيْنِيَّةِ وَلْيَجْعَلْهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَصِيرَةِ ثُمَّ يَتَوَجَّهُ بِهِ إِلَى الْقَلْبِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إِلَى أَنْ تَقْوَى الْبَصِيرَةُ وَتَذْهَبَ الصُّورَةُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ظُهُورُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ قَالُوا وَهِيَ أَعْلَى مِنْ طَرِيقِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَأَقْرَبُ لِلْجَذْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ (أَمَّا الْجَوَارِحُ فَإِنَّهَا تَتَعَطَّلُ عَنِ التَّلَفُّتِ إِلَى الْمُبَاحَاتِ فَضْلًا عَنِ الْمَحْظُورَاتِ فَإِذَا تَحَرَّكَتْ بِالطَّاعَاتِ كَانَتْ كَالْمُسْتَعْمَلَةِ بِهَا فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى تَدْبِيرٍ وَتَثْبِيتٍ فِي حِفْظِهَا عَلَى سُنَنِ السَّدَادِ بَلْ يُسَدِّدُ الرَّعِيَّةَ مَنْ مَلَكَ كُلِّيَّةَ الرَّاعِي وَالْقَلْبُ هُوَ الرَّاعِي ) كَمَا وَرَدَ فِي تَأْوِيلِ الْخَبَرِ اللَّهُمَّ أَصْلِحِ الرَّاعِيَ وَالرَّعِيَّةَ أَيِ الْقَلْبَ وَالْجَوَارِحَ كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِذَا صَارَ مُسْتَغْرِقًا بِالْمَعْبُودِ صَارَتِ الْجَوَارِحُ مُسْتَعْمَلَةً جَارِيَةً عَلَى السَّدَادِ وَالِاسْتِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَهَذَا هُوَ الَّذِي ) صَارَ هَمُّهُ هَمًّا وَاحِدًا (فَكَفَاهُ اللَّهُ سَائِرَ الْهُمُومِ ) كَمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ الْمَعَادِ كَفَاهُ اللَّهُ سَائِرَ هُمُومِهِ الْحَدِيثَ وَتَقَدَّمَ وَرَوَى هَنَّادٌ فِي الزُّهْدُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ الْمُحَارِبِيِّ مُرْسَلًا مَنْ كَانَ هَمُّهُ هَمًّا وَاحِدًا كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ الْحَدِيثَ (وَمَنْ نَالَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَقَدْ يَغْفُلُ عَنِ الْخَلْقِ ) رَأْسًا (حَتَّى لَا يُبْصِرَ مَنْ يَحْضُرُ عِنْدَهُ وَهُوَ فَاتِحٌ عَيْنَيْهِ وَلَا يَسْمَعُ مَا يُقَالُ لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا صَمَمَ بِهِ وَقَدْ يَمُرُّ عَلَى ابْنِهِ مَثَلًا فَلَا يُكَلِّمُهُ ) وَلَا يُحِسُّ بِهِ (حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يَجْرِي عَلَيْهِ ذَلِكَ ) فَيُعَاتِبُهُ بَعْضُهُمْ (فَقَالَ لِمَنْ عَاتَبَهُ إِذَا مَرَرْتَ بِي فَحَرِّكْنِي ) حَتَّى أَحِسَّ بِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَسْمَائِهِمْ كُلَّمَا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ سَمِعْتُ أَبَا نَصْرٍ الْمُؤَذِّنَ بِنَيْسَابُورَ قَالَ كُنْتُ مُخْتَصًّا بِمَجْلِسِ الْأُسْتَاذِ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ أَقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنَ فَاتَّفَقَ خُرُوجُهُ إِلَى الْحَجِّ وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمَّا كُنَّا بِالْبَيْضَاءِ طَلَبَ قُمْقُمَةً فَأَحْضَرْتُهَا لَهُ فَقَالَ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ طَوِيلًا كَأَنَّهُ لَمْ يَرَنِي قَطُّ وَقَالَ رَأَيْتُكَ مَرَّةً مَنْ أَنْتَ فَقُلْتُ الْمُسْتَعَانُ بِاللَّهِ صَحِبْتُكَ مُدَّةً وَخَرَجْتُ مِنْ مَسْكَنِي وَمَالِي نَسِيتَنِي السَّاعَةَ تَقُولُ رَأَيْتُكَ مَرَّةً (وَلَا تَسْتَبْعِدُ هَذَا فَإِنَّكَ تَجِدُ نَظِيرَ هَذَا فِي الْقُلُوبِ الْمُعَظِّمَةِ لِمُلُوكِ الْأَرْضِ حَتَّى أَنَّ خَدَمَ الْمَلِكِ قَدْ لَا يُحِسُّونَ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ فِي مَجَالِسِ الْمُلُوكِ لِشِدَّةِ اسْتِغْرَاقِهِمْ بِهِمْ ) وَانْصِرَافِ هِمَمِهِمْ إِلَيْهِمْ (بَلْ قَدْ يَشْتَغِلُ الْقَلْبُ بِمُهِمِّ حَقِيرٍ مِنْ مُهِمَّاتِ الدُّنْيَا فَيَغُوصُ الرَّجُلُ فِي الْفِكْرِ فِيهِ وَيَمْشِي ) وَلَمْ يَزَلْ فِي ذَلِكَ الْفِكْرِ (فَرُبَّمَا يُجَاوِزُ الْمَوْضِعَ الَّذِي قَصَدَهُ وَيَنْسَى الشُّغْلَ الَّذِي نَهَضَ لَهُ ) فَيَتَعَجَّبُ مِنْ حَالِهِ وَيَرْجِعُ (وَقِيلَ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ الْبَصْرِيِّ الْعَابِدِ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (هَلْ تَعْرِفُ فِي زَمَانِكَ هَذَا رَجُلًا قَدِ اشْتَغَلَ بِحَالِهِ عَنِ الْخَلْقِ فَقَالَ مَا أَعْرِفُ ) بِهَذَا الْوَصْفِ (إِلَّا رَجُلًا سَيَدْخُلُ ) عَلَيْكُمُ (السَّاعَةَ فَمَا كَانَ سَرِيعًا حَتَّى دَخَلَ عُتْبَةُ ) بْنُ أَبَانَ بْنِ تَغْلِبَ (الْغُلَامُ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ يَا عُتْبَةُ فَقَالَ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا وَكَانَ طَرِيقُهُ عَلَى السُّوقِ فَقَالَ مَنْ لَقِيتَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا ) ، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِي مُضَرُ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ تَعْلَمُ أَحَدًا يَمْشِي فِي الطُّرُقِ مُشْتَغِلًا بِنَفْسِهِ لَا يَعْرِفُ أَحَدًا يَقُولُ مِنَ اشْتِغَالِهِ قَالَ مَا أَعْرِفُ أَحَدًا إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا السَّاعَةَ يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عُتْبَةُ قَالَ وَطَرِيقُهُ عَلَى السُّوقِ قَالَ فَقَالَ لَهُ يَا عُتْبَةُ مَنْ رَأَيْتَ وَمَنْ تَلَقَّاكَ فِي الطَّرِيقِ قَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا (وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُ مَرَّ بِامْرَأَةٍ فَدَفَعَهَا فَسَقَطَتْ عَلَى وَجْهِهَا فَقِيلَ لَهُ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ مَا ظَنَنْتُ إِلَّا جِدَارًا ) وَهَذَا لِشِدَّةِ اسْتِغْرَاقِهِ بِاللَّهِ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْجِدَارِ لَا لِكَوْنِهِ حَصُورًا (وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ مَرَرْتُ بِجَمَاعَةٍ يَتَرَامَوْنَ ) بِالسِّهَامِ وَيَتَسَابَقُونَ فِيهَا (وَوَاحِدٌ جَالِسٌ بَعِيدًا مِنْهُمْ فَتَقَدَّمْتُ إِلَيْهِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُكْمِلَهُ فَقَالَ ذِكْرُ اللَّهِ أَشْهَى فَقُلْتُ أَنْتَ وَحْدَكَ ) هُنَا (فَقَالَ مَعِيَ رَبِّي وَمَلَكَايَ فَقُلْتُ مَنْ سَبَقَ مِنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ مَنْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ فَقُلْتُ أَيْنَ الطَّرِيقُ فَأَشَارَ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَامَ وَمَشَى وَقَالَ أَكْثَرُ خَلْقِكَ لَاهٍ شَاغِلٌ عَنْكَ فَهَذَا كَلَامُ مُسْتَغْرِقٍ بِمُشَاهَدَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا مِنْهُ وَلَا يَسْمَعُ إِلَّا فِيهِ فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُرَاقَبَةِ لِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ فَإِنَّهَا لَا تَتَحَرَّكُ إِلَّا بِمَا هُوَ فِيهِ وَدَخَلَ ) أَبُو بَكْرٍ (الشِّبْلِيُّ ) قُدِّسَ سِرُّهُ (عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ ) أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ (النُّورِيِّ ) الْوَاعِظِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَوَجَدَهُ سَاكِنًا حَسَنَ الِاجْتِمَاعِ لَا يَتَحَرَّكُ مِنْ ظَاهِرِهِ شَيْءٌ ) وَهَذَا هُوَ هَيْئَةُ الْمُرَاقِبِ (فَقَالَ لَهُ ) الشِّبْلِيُّ (مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةَ وَالسُّكُونَ فَقَالَ مِنْ سِنَّوْرٍ ) وَهِيَ الْهِرَّةُ (كَانَتْ لَنَا إِذَا أَرَادَتِ الصَّيْدَ رَابَطَتْ رَأْسَ الْحَجَرِ ) وَرَاقَبَتْ عَلَيْهِ (لَا تَتَحَرَّكُ لَهَا شَعْرَةٌ ) فَهَذِهِ الْحِكَايَةُ هِيَ كَيْفِيَّةُ الِاسْتِعْدَادِ بِأَنْ يَعْلَمَ الْقُرْبَ بِقُرْبِ الرَّبِّ وَيَجْلِسَ مُطْرِقًا سَاكِنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مَعَ الرِّيَاضَاتِ وَالتَّهْذِيبِ تَوَلَّدَ مِنْهُ تَعْظِيمٌ وَإِجْلَالٌ وَكُلَّمَا زَادَتِ الْمَعْرِفَةُ زَادَ الْإِجْلَالُ وَالتَّعْظِيمُ . (وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) مُحَمَّدُ (بْنُ خَفِيفٍ ) الشِّيرَازِيُّ شَيْخُ الشُّيُوخِ وَوَاحِدُ وَقْتِهِ وَصَحِبَهُ رُوَيْمٌ وَالْجُرَيْرِيُّ وَابْنُ عَطَاءٍ وَغَيْرُهُمْ مَاتَ سَنَةَ 371 (خَرَجْتُ مِنْ مِصْرَ أُرِيدُ الرَّمْلَةَ ) قَاعِدَةَ فِلَسْطِينَ (لِلِقَاءِ أَبِي عَلِيٍّ ) أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ (الرُّوذَبَارِيِّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَقَامَ بِمِصْرَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ 322 صَحِبَ الْجُنَيْدَ وَالنُّورِيَّ وَابْنَ الْجَلَاءِ وَغَيْرَهُمْ وَكَانَ مِنْ أَطْرَفِ الْمَشَايِخِ وَأَعْلَمِهِمْ بِالطَّرِيقَةِ (فَقَالَ لِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ الْمِصْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالزَّاهِدِ إِنَّ فِي صُورَ ) ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الشَّامِ (شَابًّا وَكَهْلًا قَدِ اجْتَمَعَا عَلَى حَالِ الْمُرَاقَبَةِ فَلَوْ نَظَرْتَ إِلَيْهِمَا نَظْرَةً لَعَلَّكَ تَسْتَفِيدُ مِنْهُمَا ) فَسَافَرْتُ فِي الْبَحْرِ (فَدَخَلْتُ صُورَ وَأَنَا جَائِعٌ عَطْشَانُ وَفِي وَسَطِي خِرْقَةٌ وَلَيْسَ عَلَى كَتِفِي شَيْءٌ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا بِشَخْصَيْنِ قَاعِدَيْنِ مُسْتَقْبِلَيِ الْقِبْلَةِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا فَمَا أَجَابَانِي فَقُلْتُ لَعَلَّهُمَا مَا لَمْ يَسْمَعَانِي فَسَلَّمْتُ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً فَلَمْ أَسْمَعِ الْجَوَابَ فَقُلْتُ نَشَدْتُكُمَا بِاللَّهِ إِلَّا رَدَدْتُمَا عَلَيَّ السَّلَامَ فَرَفَعَ الشَّابُّ رَأْسَهُ مِنْ رُقْعَتِهِ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَقَالَ يَا ابْنَ خَفِيفٍ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ) أَيْ : فِي نَفْسِهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْآخِرَةِ (وَمَا بَقِيَ مِنَ الْقَلِيلِ إِلَّا الْقَلِيلُ فَخُذْ مِنَ الْقَلِيلِ الْكَثِيرَ يَا ابْنَ خَفِيفٍ مَا أَقَلَّ شُغْلَكَ حَتَّى تَتَفَرَّغَ إِلَى لِقَائِنَا قَالَ فَأَخَذَ بِكُلِّيَّتِي ) أَيْ : مَجَامِعِي (ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فِي الْمَكَانِ ) أَيْ : عَادَ لِلْمُرَاقَبَةِ مِنْ حِينِهِ (فَبَقِيتُ عِنْدَهُمَا حَتَّى صَلَّيْنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فَذَهَبَ جُوعِي وَعَطَشِي وَعَنَائِي فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ قُلْتُ عِظْنِي فَرَفَعَ رَأَسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ يَا ابْنَ خَفِيفٍ نَحْنُ أَصْحَابُ الْمَصَائِبِ لَيْسَ لَنَا لِسَانُ الْعِظَةِ فَبَقِيتُ عِنْدَهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا آكُلُ وَلَا أَشْرَبُ وَلَا أَنَامُ وَلَا رَأَيْتُهُمَا أَكَلَا شَيْئًا وَلَا شَرِبَا . وَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قُلْتُ فِي سِرِّي أُحَلِّفُهُمَا أَنْ يَعِظَانِي لَعَلِّي أَنْتَفِعُ بِعِظَتِهِمَا فَرَفَعَ الشَّابُّ رَأَسَهُ وَقَالَ لِي يَا ابْنَ خَفِيفٍ عَلَيْكَ بِصُحْبَةِ مَنْ يُذَكِّرُكَ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ وَتَقَعُ هَيْبَتُهُ عَلَى قَلْبِكَ يَعِظُكَ بِلِسَانِ فِعْلِهِ وَلَا يَعِظُكَ بِلِسَانِ قَوْلِهِ وَالسَّلَامُ قُمْ عَنَّا ) وَفِيهِ كَرَامَةٌ لَهُمَا حَيْثُ إِنَّهُمَا عَرَفَاهُ وَنَادَيَاهُ بِاسْمِهِ إِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ لَهُمَا وَفِيهِ أَنَّ الْمَشْغُولَ بِاللَّهِ أَهَمُّ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ شُغْلُ حَالِهِ وَاسْتِغْرَاقُهُ يَمْنَعُهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْوَعْظِ وَالنَّصِيحَةِ وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِحَالِهِ وَيُتَّعَظُ بِهِ (فَهَذِهِ دَرَجَةُ الْمُرَاقِبِينَ الَّذِينَ غَلَبَ عَلَى قُلُوبِهِمُ الْإِجْلَالُ وَالتَّعْظِيمُ ) وَالْهَيْبَةُ (فَلَمْ تَبْقَ فِيهِمْ مُتَّسَعٌ لِغَيْرِ ذَلِكَ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية