الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين صِفَةُ الْمِيزَانِ . ثُمَّ لَا تَغْفُلْ عَنِ الْفِكْرِ فِي الْمِيزَانِ وَتَطَايُرِ الْكُتُبِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالشَّمَائِلِ فَإِنَّ النَّاسَ بَعْدَ السُّؤَالِ ثَلَاثُ فِرَقٍ فِرْقَةٌ لَيْسَ لَهُمْ حَسَنَةٌ فَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ عُنُقٌ أَسْوَدُ فَيَلْقُطُهُمْ لَقْطَ الطَّيْرِ الْحَبَّ وَيُنْطَوَى عَلَيْهِمْ وَيُلْقِيهِمْ فِي النَّارِ فَتَبْتَلِعُهُمُ النَّارُ وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ شَقَاوَةً لَا سَعَادَةَ بَعْدَهَا وَقِسْمٌ آخَرُ لَا سَيِّئَةَ لَهُمْ فَيُنَادِي مُنَادٍ لِيَقُمِ الْحَمَّادُونَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَيَقُومُونَ وَيَسْرَحُونَ إِلَى الْجَنَّةِ ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَهْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ بِمَنْ لَمْ تَشْغَلْهُ تِجَارَةُ الدُّنْيَا وَلَا بَيْعُهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى . وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ سَعَادَةٌ لَا شَقَاوَةَ بَعْدَهَا وَيَبْقَى قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهْم الْأَكْثَرُونَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَلَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْغَالِبَ حَسَنَاتُهُمْ أَوْ سَيِّئَاتُهُمْ وَلَكِنْ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَعْرِفَهُمْ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ فَضْلَهُ عِنْدَ الْعَفْوِ وَعَدْلَهُ عِنْدَ الْعِقَابِ فَتَتَطَايَرُ الصُّحُفِ وَالْكُتُبِ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَيُنْصَبُ الْمِيزَانُ وَتَشْخَصُ الْأَبْصَارُ إِلَى الْكُتُبِ أَتَقَعُ فِي الْيَمِينِ أَوْ فِي الشِّمَالِ ، ثُمَّ إِلَى لِسَانِ الْمِيزَانِ أَيَمِيلُ إِلَى جَانِبِ السَّيِّئَاتِ أَوِ إِلَى جَانِبِ الْحَسَنَاتِ . إتحاف السادة المتقين * (صِفَةُ الْمِيزَانِ) * وَلَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذِكْرِ الْمَوْقِفِ وَالْحِسَابِ ذَكَرَ الْمِيزَانَ؛ لِأَنَّ وَزْنَ الْأَعْمَالِ يَكُونُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحِسَابِ؛ إِذِ الْوَزْنُ لِلْجُزْءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ، فَإِنَّ الْمُحَاسَبَةَ لِتَقْرِيرِ الْأَعْمَالِ وَالْوَزْنِ لِإِظْهَارِ مَقَادِيرِهَا لِيَكُونَ الْجَزَاءُ بِجِنْسِهَا، فَقَالَ: (ثُمَّ لَا تَغْفُلْ عَنِ التَّفْكِيرِ فِي الْمِيزَانِ) ذِي الْكِفَّتَيْنِ وَاللِّسَانِ، تُوزَنُ فِيهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ مَنِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، وَقَوْمٌ مِنْ قُدَمَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْوَزْنِيَّةِ أَنْكَرُوا الْمِيزَانَ وَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ الْعَدْلُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجَهْمِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ لَكِنْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقِيَامَةِ مِيزَانًا يَجْعَلُ رُجْحَانَهُ عَلَامَةً لِمَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَخِفَّتَهُ عَلَامَةً لِمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ . وَيُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ وَالْأَعْمَشِ أَنَّ الْمِيزَانَ بِمَعْنَى الْعَدْلِ وَالْقَضَاءِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ شَائِعًا فِي اللُّغَةِ لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فِي الْمِيزَانِ الْحَقِيقِيِّ وَوَصَفَهُ بِكِفَّتَيْنِ وَلِسَانٍ، وَإِنَّ كُلَّ كِفَّةٍ مِنْهَا طِبَاقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَالَ: وَلَوْ جَازَ حَمْلُ الْمِيزَانِ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَجَازَ حَمْلُ الصِّرَاطِ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ عَلَى مَا تَرِدُ عَلَى الْأَرْوَاحِ دُونَ الْأَجْسَامِ مِنَ الْأَحْزَانِ وَالْأَفْرَاحِ وَالشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الصَّادِقُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اهـ . وَمِمَّنْ كَانَ يُنْكِرُ الْمِيزَانَ أَبُو سَلَمَةَ عُثْمَانُ بْنُ مِقْسَمٍ الْبَرِّيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ سَقَطَ الْوُثُوقُ بِهِ لِهَذِهِ الْبِدْعَةِ؛ وَلِذَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ إِنَّهُ قَدَرِيٌّ مُعْتَزِلِيٌّ، وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: مَنْ أَنْكَرَ الْمِيزَانَ فَقَدْ رَدَّ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرَدَّ عَلَى رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمِيزَانَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَجَاءَتِ السُّنَّةُ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ، فَقِيلَ: إِنَّ صُورَةَ الْإِفْرَادِ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ جَمَعَا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَعَدُّدُهَا بِتَعَدُّدِ الْأَعْمَالِ فَيَكُونُ هُنَاكَ مَوَازِينُ لِلْعَامِلِ الْوَاحِدِ يُوزَنُ بِكُلِّ مِيزَانٍ مِنْهَا صِنْفٌ مِنْ أَعْمَالِهِ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِيزَانٌ وَاحِدٌ يُوزَنُ بِهَا لِلْجَمِيعِ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي الْآيَةِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِلتَّفْخِيمِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْعَدَدِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُرَادُ رَسُولٌ وَاحِدٌ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . (ثُمَّ انْظُرْ فِي تَطَايُرِ الْكُتُبِ) هِيَ صُحُفُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ الَّتِي أَثْبَتَهَا الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ مِنْ حَسَنٍ وَسَيِّئٍ (إِلَى الْإِيمَانِ وَالشَّمَائِلِ) فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى صَحِيفَتَهُ بِيَمِينِهِ، وَأُولَئِكَ السُّعَدَاءُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطِي بِشَمَالِهِ، وَأُولَئِكَ الْأَشْقِيَاءُ (فَإِنَّ النَّاسَ بَعْدَ) الْفَرَاغِ مِنْ (السُّؤَالِ ثَلَاثُ فِرَقٍ فِرْقَةٌ لَيْسَ لَهُمْ حَسَنَةٌ فَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ عُنُقٌ أَسْوَدُ فَيَلْقُطُهُمْ لَقْطَ الطَّيْرِ الْحَبَّ وَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ وَيُلْقِيهِمْ فِي النَّارِ فَتَبْتَلِعُهُمُ النَّارُ وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ) عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ لَقَدْ شَقَوْا (شَقَاوَةً لَا سَعَادَةَ بَعْدَهَا) . وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَخْرُجُ عُنُقُ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَكُلِّ مَنْ دَعَا مِنَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ . وَرَوَى أَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ الْيَوْمَ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ فَتَطْرَحُهُمْ فِي غَمَرَاتِ جَهَنَّمَ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَبُو يَعْلَى أَيْضًا وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَرَائِطِيُّ فِي مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ بِلَفْظِ: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُنُقٌ أَشَدُّ سَوَادًا مِنَ النَّارِ فَيَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ طَلْقٍ ذَلْقٍ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ تُكَلِّمُ بِهِ فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَمَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَتَنْضَمُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْذِفُهُمْ فِي النَّارِ قَبْلَ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ . (وَقِسْمٌ آخَرُ لَا سَيِّئَةَ لَهُمْ فَيُنَادِي مُنَادٍ) أَلَا (لِيَقُمِ الْحَمَّادُونَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَيَقُومُونَ وَيَسْرَحُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِأَهْلِ قِيَامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ بِمَنْ لَمْ تَشْغَلْهُ تِجَارَةُ الدُّنْيَا وَلَا بَيْعُهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهَنَّادٌ فِي الزُّهْدِ وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي الصَّلَاةِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ : يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَسْمَعُهُمُ الدَّاعِي، وَيُنْفِذُهُمُ الْبَصَرَ فَيَقُومُ مُنَادٍ فَيُنَادِي: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ؟ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُنَادِي أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ؟ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُنَادِي: لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانُوا لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يَقُومُ سَائِرُ النَّاسِ فَيُحَاسَبُونَ . وَرَوَى الْحَاكِمُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُنْفِذُهُمُ الْبَصَرَ وَيَسْمَعُهُمُ الدَّاعِي وَيُنَادِي مُنَادٍ سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ لِمَنِ الْكَرَمُ الْيَوْمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ؟ ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؟ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيْنَ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَحْمَدُونَ رَبَّهُمْ؟ وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ قَدْ سَعِدُوا سَعَادَةً لَا شَقَاوَةَ بَعْدَهَا وَيَلْحَقُ بِهَؤُلَاءِ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ . رَوَى الْخَطِيبُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ لِيَقُمْ مَنْ عَلَى اللَّهِ أَجْرُهُ فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا عَنْ ذَنْبِ أَخِيهِ (وَيَبْقَى قِسْمٌ ثَالِثٌ هُمُ الْأَكْثَرُونَ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ وَلَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْغَالِبَ حَسَنَاتُهُمْ أَوْ سَيِّئَاتُهُمْ وَلَكِنْ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَعْرِفَهُمْ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ فَضْلَهُ عِنْدَ الْعَفْوِ وَعَدْلَهُ عِنْدَ الْعِقَابِ) . وَهَذَا أَحَدُ أَوْجُهِ الْحِكْمَةِ فِي نَصْبِ الْمِيزَانِ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ لِامْتِحَانِ الْخَلْقِ بِالْإِيمَانِ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَالثَّالِثُ لِإِظْهَارِ عَلَامَةِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالرَّابِعُ لِإِقَامَةِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ، وَالْخَامِسُ لِيَعْرِفَ الْعِبَادُ مَا لَهُمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا ذَكَرَهَا الْحَافِظُ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ فِي مِنْهَاجِ الِاسْتِقَامَةِ، وَمِمَّا يَسْتَأْنِسُ لِهَذَا التَّقْسِيمِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: يُحَاسَبُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِوَاحِدَةِ دَخْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ قَرَأَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ الْآيَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْمِيزَانَ يُخَفَّفُ بِمِثْقَالِ حَبَّةٍ وَيُرَجَّحُ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ فَوُقِفُوا عَلَى الصِّرَاطِ (فَتَطَايَرُ الصُّحُفِ وَالْكُتُبِ) هِيَ كُتُبُ الْأَعْمَالِ (مُنْطَوِيَةٌ عَلَى الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَتَنْصِبُ الْمِيزَانَ) وَاخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ وَضْعِهَا وَالَّذِي جَاءَ فِي أَكْثَرِ الْأَخْبَارِ أَنَّ الْجَنَّةَ تُوضَعُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ وَالنَّارُ عَلَى يَسَارِ الْعَرْشِ وَيُنْصَبُ الْمِيزَانُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى فَتُوضَعُ كِفَّةُ الْحَسَنَاتِ مُقَابِلَ الْجَنَّةِ وَكِفَّةُ السَّيِّئَاتِ مُقَابِلَ النَّارِ. ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ (وَتَشْخَصُ الْأَبْصَارُ إِلَى الْكُتُبِ أَتَقَعُ فِي الْيَمِينِ أَوْ فِي الشِّمَالِ، ثُمَّ إِلَى لِسَانِ الْمِيزَانِ أَيَمِيلُ إِلَى جَانِبِ السَّيِّئَاتِ أَوِ الْحَسَنَاتِ) . وَاخْتُلِفَ فِي الْمَوْزُونِ نَفْسِهِ؛ فَالْمَشْهُورُ الرَّاجِحُ أَنَّهُ تُوزَنُ الصُّحُفُ الَّتِي كُتِبَ فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ وَأَقْوَالُهُمْ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ الْمَشْهُورُ الْآتِي ذِكْرُهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُوزَنُ الْأَجْسَامُ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِإِزَاءِ كُلِّ عَمَلٍ جِسْمًا فَتُحْمَلُ الْأَجْسَامُ الَّتِي تُقَابِلُ الْحَسَنَاتِ فِي كِفَّةٍ وَالْأَجْسَامُ الَّتِي تُقَابِلُ السَّيِّئَاتِ فِي كِفَّةٍ؛ فَأَيُّ الْكِفَّتَيْنِ حَصَلَ فِيهَا الرُّجْحَانُ وَقَعَ بِهَا الِاعْتِبَارُ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ يَصِيرَانِ أَجْسَامًا وَتُوزَنُ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّ مِنَ الثَّوَابِ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَكَذَلِكَ الْعِقَابُ، وَلَا يَصِحُّ وَزْنُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ تَتَرَاءَى فِي الْمِيزَانِ كَمَا يَتَرَاءَى الْوَجْهُ فِي الْمِرْآةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَقِيقَةِ فِيهَا، وَهَلْ تُوزَنُ الْأَعْمَالُ جَمِيعُهَا أَوْ بَعْضُهَا؟! فَقِيلَ: إِنَّمَا يُوزَنُ مِنَ الْأَعْمَالِ بِخَوَاتِيمِهَا، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ شَرًّا خَتَمَ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ . وَرُوِيَ عَنْ وَهْبٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: يُوزَنُ أَوَّلُ الْأَعْمَالِ وَآخِرُهَا، وَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية