الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
بَابُ ذِكْرِ خِلَافَةِ الْمُعْتَزِّ بِاللَّهِ وَاسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، وَقِيلَ اسْمُهُ: الزُّبَيْرُ وَيُكَنَّى: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَكَانَ طَوِيلًا ، أَبْيَضَ ، أَسْوَدَ الشَّعَرِ كَثِيفَهُ ، حَسَنَ الْوَجْهِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْجِسْمِ ، ضَيِّقَ الْجَبْهَةِ ، أَحْمَرَ الْوَجْنَتَيْنِ ، وُلِدَ بِسَامُرَّاءَ وَبَقِيَ مُنْذُ بُويِعَ أَرْبَعَ سِنِينَ وَبَعْضَ أُخْرَى ، وَلَمَّا بُويِعَ الْمُعْتَزُّ أَمَرَ لِلنَّاسِ بِرِزْقِ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ فَلَمْ يُتِمُّ الْمَالُ ، فَأُعْطَوْا رِزْقَ شَهْرَيْنِ ، وَكَانَ الْمُسْتَعِينُ خَلَّفَ بِسَامُرَّاءَ مَالًا قُدِمَ عَلَيْهِ بِهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ مِائَةِ أَلْفٍ ، وَكَانَ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْتَعِينِ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَفِي بَيْتِ مَالِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْمُسْتَعِينِ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ ، وَأُحْضِرَ لِلْبَيْعَةِ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ الرَّشِيدِ مَحْمُولًا فِي مِحَفَّةٍ وَبِهِ نِقْرِسٌ ، فَأُمِرَ بِالْبَيْعَةِ ، فَامْتَنَعَ وَقَالَ لِلْمُعْتَزِّ: خَرَجْتَ إِلَيْنَا خُرُوجَ طَائِعٍ فَخَلَعْتَهَا وَزَعَمْتَ أَنَّكَ لَا تَقُومُ بِهَا . فَقَالَ الْمُعْتَزُّ: أُكْرِهْتُ عَلَى ذَلِكَ ، وَخِفْتُ السَّيْفَ . فَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ: مَا عَلِمْنَا أَنَّكَ أُكْرِهْتَ ، وَقَدْ بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ ، أَفَتُرِيدُ أَنْ نُطَلِّقَ نِسَاءَنَا ، وَنَخْرُجَ مِنْ أَمْوَالِنَا ، وَلَا نَدْرِي مَا يَكُونُ إِنْ تَرَكْتَنِي عَلَى أَمْرِي حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ ، وَإِلَّا فَهَذَا السَّيْفُ ، فَقَالَ الْمُعْتَزُّ: اتْرُكُوهُ . فَرُدَّ إِلَى مَنْزِلِهِ وَبَايَعَ جَمَاعَةٌ ، ثُمَّ صَارَ إِلَى بَغْدَادَ ، وَوَلَّى الْمُعْتَزُّ الْعُمَّالَ . وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمُسْتَعِينَ ، فَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ بِتَحْصِينِ بَغْدَادَ ، فَأُدِيرَ عَلَيْهَا السُّورُ مِنْ دِجْلَةَ إِلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ ، ثُمَّ سُوقِ الثُّلَاثَاءِ ، وَرُتِّبَ عَلَى كُلِّ بَابِ قَائِدٌ ، وَأُمِرَ بِحَفْرِ الْخَنَادِقِ ، فَبَلَغَتِ النَّفَقَةُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَنُصِبَتِ الْمَجَانِيقُ وَالْعَرَّادَاتُ ، وَفَرَضَ لِقَوْمٍ مِنَ الْعَيَّارِينَ فُرُوضًا ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ عَرِّيفًا ، وَعَمِلَ لَهُمْ تِرَاسًا مِنَ الْبَوَارِي الْمُقَيَّرَةِ ، وَمَخَالِيَ يَمْلَؤُهَا حِجَارَةً ، وَأَنْفَقَ عَلَى [تِلْكَ] الْبَوَارِي مِائَةَ [أَلْفِ] دِينَارٍ ، وَأَمَرَ بِقِطَعِ الْمِيرَةِ عَنْ سَامُرَّاءَ ، وَكَتَبَ إِلَى الْعُمَّالِ أَنْ يَحْمِلُوا الْأَمْوَالَ إِلَى بَغْدَادَ ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُسْتَعِينَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْأَتْرَاكِ ، وَالْجُنْدِ الَّذِينَ بِسَامُرَّاءَ يَأْمُرُهُمْ بِنَقْضِ بَيْعَةِ الْمُعْتَزِّ ، وَمُرَاجَعَةِ الْوَفَاءِ لَهُ بِبَيْعَتِهِمْ ، ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَ الْمُعْتَزِّ وَبَيْنَ ابْنِ طَاهِرٍ مُرَاسَلَاتٌ ، يَدْعُوهُ الْمُعْتَزُّ إِلَى خَلْعِ الْمُسْتَعِينِ وَمُبَايَعَتِهِ ، وَكَتَبَ الْمُعْتَزُّ وَالْمُسْتَعِينُ إِلَى مُوسَى بْنِ بُغَا وَهُوَ مُقِيمٌ بِأَطْرَافِ الشَّامِ ، كُلٌّ يَدْعُوهُ إِلَى نَفْسِهِ ، فَانْصَرَفَ إِلَى الْمُعْتَزِّ وَكَانَ مَعَهُ ، وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُغَا الصَّغِيرُ إِلَى بَغْدَادَ عَلَى أَبِيهِ ، وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ بِسَامُرَّاءَ حِينَ خَرَجَ أَبُوهُ مِنْهَا مَعَ الْمُسْتَعِينِ ، فَصَارَ إِلَى الْمُسْتَعِينِ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ ، وَقَالَ لِأَبِيهِ: إِنَّمَا قَدِمْتُ إِلَيْكَ لِأَمُوتَ تَحْتَ رِكَابِكَ ، فَأَقَامَ بِبَغْدَادَ أَيَّامًا . ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَأْذَنَ لِيَخْرُجَ إِلَى قَرْيَةٍ بِقُرْبِ بَغْدَادَ عَلَى طَرِيقِ الْأَنْبَارِ ، فَأَذِنَ لَهُ ، فَأَقَامَ فِيهَا إِلَى اللَّيْلِ ، ثُمَّ هَرَبَ مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ ، فَمَضَى فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِلَى سَامُرَّاءَ مُجَانِبًا لِأَبِيهِ ، وَاعْتَذَرَ إِلَى الْمُعْتَزِّ مِنْ مَصِيرِهِ إِلَى بَغْدَادَ ، فَأَخْبَرَ الْمُعْتَزَّ [أَنَّهُ] إِنَّمَا صَارَ إِلَيْهَا لِيَعْرِفَ أَخْبَارَهُمْ فَيُخْبِرَهُ بِهَا ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَرَدَّهُ إِلَى خِدْمَتِهِ . وَوَرَدَ الْحَسَنُ بْنُ الْأَفْشِينِ إِلَى بَغْدَادَ ، فَخَلَعَ عَلَيْهِ الْمُسْتَعِينُ وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً ، وَزَادَ فِي رِزْقِهِ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ، وَلَمْ يَزَلْ أَسَدُ بْنُ دَاوُدَ مُقِيمًا بِسَامُرَّاءَ إِلَى أَنْ عَمِلَ عَلَى الْهَرَبِ مِنْهَا ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنِ طَاهِرٍ فَضَمَّ إِلَيْهِ مِائَةَ فَارِسٍ وَمِائَتَيْ رَاجِلٍ ، وَوَكَّلَهُ بِبَابِ الْأَنْبَارِ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ خَالِدٍ . وَعَقَدَ الْمُعْتَزُّ لِأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ يَوْمَ السَّبْتِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى حَرْبِ الْمُسْتَعِينِ وَابْنِ طَاهِرٍ وَوَلَّاهُ ذَلِكَ ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجَيْشَ ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ ، فَوَافَى حَسَنُ بْنُ الْأَفْشِينِ مَدِينَةَ [بَغْدَادَ] ، ثُمَّ وَافَى أَبُو أَحْمَدَ وَعَسْكَرَ بِالشَّمَّاسِيَّةِ لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ صَفَرٍ ، وَجَاءَ جَاسُوسٌ إِلَى ابْنِ طَاهِرٍ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَحْمَدَ قَدْ عَبَّأَ قَوْمًا يَحْرُقُونَ طِلَالَ الْأَسْوَاقِ مِنْ جَانِبَيْ بَغْدَادٍ ، فَكُشِطَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، فَلَمَّا كَانَ فِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ عَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ عَلَى تَوْجِيهِ الْجُيُوشِ إِلَى الْقَفَصِ لِيَعْرِضَهُمْ هُنَاكَ ، فَذَهَبَ بِهِ الْأَتْرَاكُ ، فَرَكِبَ وَرَكِبَ مَعَهُ وَصِيفٌ وَبُغَا ، وَخَرَجَ مَعَهُ الْفُقَهَاءُ وَالْقُضَاةُ ، وَعَزَمَ عَلَى دُعَائِهِمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ ، وَبَعَثَ يَبْذُلُ لُهُمُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَلِيَّ الْعَهْدِ بَعْدَ الْمُسْتَعِينِ ، فَإِنْ قَبِلُوا وَإِلَّا بَاكَرَهُمُ الْقِتَالَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ . فَمَضَى نَحْوَ بَابِ قُطْرَبُّلَ ، فَنَزَلَ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ هُوَ وَوَصِيفٌ وَبُغَا ، ثُمَّ رَجَعَ وَجَاءَ الْأَتْرَاكُ إِلَى بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ فَرُمُوا بِالسِّهَامِ وَالْمَجَانِيقِ وَالْعَرَّادَاتِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ قَتْلَى وَجَرْحَى ، وَانْهَزَمَ عَامَّةُ أَهْلِ بَغْدَادَ ، وَثَبَتَ أَهْلُ الْبَوَارِي ، ثُمَّ انْصَرَفَ الْفَرِيقَانِ وَقَدْ نَسَا وَوَافَى لِلْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ . ثُمَّ وَجَّهَ الْمُعْتَزُّ عَسْكَرًا كَبِيرًا فَضَرَبُوا بَيْنَ قُطْرَبُّلَ وَقَطِيعَةِ أُمِّ جَعْفَرٍ ، وَذَلِكَ عَشِيَّةَ الثُّلَاثَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَجَّهَ ابْنُ طَاهِرٍ جَيْشًا فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا ، فَوَضَعُوا فِي أَصْحَابِ أَبِي أَحْمَدَ السُّيُوفَ فَلَمْ يَنْجُ إِلَّا أَقَلُّهُمْ ، وَانْتَهَبُوا عَسْكَرَهُمْ ، وَأَمَرَ ابْنُ طَاهِرٍ لِمَنْ أَبْلَى فِي هَذَا الْيَوْمِ بِالْأَسْوِرَةِ ، وَأَعْطَى مَنْ جَاءَهُ بِرَأْسِ تُرْكِيٍّ خَمْسِينَ دِرْهَمًا ، وَطُلِبَتِ الْمُنْهَزِمَةُ فَبَلَغَ بَعْضُهُمْ أَوَانًا وَبَعْضُهُمْ سَامُرَّاءَ . وَكَانَ عَسْكَرُ الْأَتْرَاكِ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَقُتِلَ بَيْنَهُمْ أَلْفَانِ ، وَوُضِعَ فِيهِمُ السَّيْفُ مِنْ بَابِ الْقَطِيعَةِ إِلَى الْقَفَصِ ، وَغَرِقَ جَمَاعَةٌ ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ . وَوَافَى عَيَّارُو بَغْدَادَ قُطْرَبُّلَ ، فَانْتَهَبُوا مَا تَرَكَهُ الْأَتْرَاكُ مِنْ مَتَاعٍ ، وَأُشِيرَ عَلَى ابْنِ طَاهِرٍ أَنْ يَتْبَعَهُمْ بِعَسْكَرٍ ، فَأَبَى أَنْ يَتْبَعَ مُوَلِّيًا ، وَلَمْ يَأْمُرْ أَنْ يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحٍ ، وَقَبِلَ أَمَانَ مَنْ أَسْتَأْمَنَ ، وَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ كِتَابٌ يُذْكَرُ فِيهِ هَذِهِ الْوَقْعَةُ ، فَقُرِئَ [عَلَى أَهْلِ] بَغْدَادَ فِي الْجَوَامِعِ . وَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ إِلَى الشَّمَّاسِيَّةِ ، فَأَمَرَ بِهَدْمِ مَا وَرَاءِ سُورِ بَغْدَادَ مِنَ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْبَسَاتِينِ ، وَقَطْعِ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ مِنْ بَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ لِتَتَّسِعَ النَّاحِيَةُ عَلَى مَنْ حَارَبَ فِيهَا ، وَوَجَّهَ مِنْ نَاحِيَةِ فَارِسَ وَالْأَهْوَازِ مَالًا إِلَى بَغْدَادَ [عَلَى] نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ حِمَارًا ، فَوَجَّهَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ بَابَكَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ لِيَأْخُذَ ذَلِكَ الْمَالَ ، فَوَجَّهَ ابْنُ طَاهِرٍ مَنْ عَدَلَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ ، فَفَاتَ ابْنَ بَابَكَ ، فَعَدَلَ ابْنُ بَابَكَ حِينَ فَاتَهُ الْمَالُ إِلَى النَّهْرَوَانِ ، فَأَوْقَعَ بِمَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْجُنْدِ ، وَأَحْرَقَ السُّفُنَ ، وَانْصَرَفَ إِلَى سَامُرَّاءَ ، وَرَأَى الْعَوَامُّ بِسَامُرَّاءَ ضَعْفَ الْمُعْتَزِّ ، فَانْتَهَبُوا سُوقَ الْحُلِيِّ وَالسُّيُوفِ وَالصَّيَارِفَةِ . وَلِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ صَارَ الْأَتْرَاكُ وَالْمَغَارِبَةُ أَصْحَابُ الْمُعْتَزِّ إِلَى أَبْوَابِ بَغْدَادَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ ، فَأُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ فِي وُجُوهِهِمْ وَرُمُوا بِالسِّهَامِ وَالْمَجَانِيقِ ، فَقُتِلَ وَجُرِحَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَاعَةٌ . وَجَاءَ عَسْكَرٌ مِنْ سَامُرَّاءَ ، فَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ ، فَسَارَ حَتَّى جَازَ عَسْكَرَ أَبِي أَحْمَدَ ، وَقُتِلَ مِنْ عَسْكَرِ أَبِي أَحْمَدَ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسِينَ ، وَخَرَجَ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ بِيَدِهِ مِقْلَاعٌ وَمِخْلَاةٌ فِيهَا حِجَارَةٌ ، وَكَانَ يَرْمِي فَلَا يُخْطِئُ وُجُوهَ الْأَتْرَاكِ وَوُجُوهَ دَوَابِّهِمْ ، وَكَانَ الْأَتْرَاكُ يَرْمُونَهُ فَلَا يُصِيبُونَهُ ، فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ بِالرِّمَاحِ فَحَمَلُوا عَلَيْهِ فَرَمَى نَفْسَهُ إِلَى الْمَاءِ فَنَجَا . وَحُمِلَ إِلَى سَامُرَّاءَ سَبْعُونَ أَسِيرًا وَمِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَأْسًا ، وَأَمَرَ الْمُعْتَزُّ بِالرُّؤُوسِ فَدُفِنَتْ ، وَأَعْطَى كُلَّ أَسِيرٍ دِينَارَيْنِ ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْعَوْدِ إِلَى الْقِتَالِ . وَبَعَثَ ابْنُ طَاهِرٍ إِلَى الْمَدَائِنِ مَنْ حَصَّنَهَا ، وَحَفَرَ خَنْدَقَ كِسْرَى ، وَإِلَى الْأَنْبَارِ مَنْ ضَبَطَهَا ، فَجَاءَتِ الْأَتْرَاكُ إِلَى الْأَنْبَارِ ، فَهَرَبَ وَالِيهَا فَدَخَلُوا فَانْتَهَبُوا مَا فِيهَا . وَفِي النِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ اجْتَمَعَ بَنُو هَاشِمٍ بِبَغْدَادَ ، فَوَقَفُوا بِإِزَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَتَنَاوَلُوهُ بِالشَّتْمِ الْقَبِيحِ ، وَقَالُوا وَصَاحُوا بِالْمُسْتَعِينِ: قَدْ مَنَعَنَا أَرْزَاقَنَا وَالْأَمْوَالُ تُدْفَعُ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا ، وَنَحْنُ نَمُوتُ جُوعًا ، فَإِنْ وَقَعَ لَنَا بِهَا وَإِلَّا فَتَحْنَا الْأَبْوَابَ وَأَدْخَلْنَا الْأَتْرَاكَ . فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ رَفَقَ بِهِمْ [فَأَبَوْا] . وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَعْبَانَ كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْأَتْرَاكِ وَبَيْنَ ابْنِ طَاهِرٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَتْرَاكَ نَقَبُوا السُّورَ وَوَافَوْا بَابَ الْأَنْبَارِ فَأَحْرَقُوهُ بِالنَّارِ ، وَأَحْرَقُوا مَا كَانَ بَقِيَ مِنَ الْمَجَانِيقِ وَالْعَرَّادَاتِ ، وَدَخَلُوا بَغْدَادَ حَتَّى صَارُوا إِلَى بَابِ الْحَدِيدِ ، فَرَكِبَ ابْنُ طَاهِرٍ وَوَجَّهَ الْقُوَّادَ ، وَشَحَنَ الْأَبْوَابَ بِالرِّجَالِ ، وَرَكِبَ وَصِيفٌ وَبُغَا وَالْتَقَوْا بِالْأَتْرَاكِ ، فَهَزَمُوا الْأَتْرَاكَ ، وَسُدَّ بَابُ الْأَنْبَارِ بِآجُرٍّ وَجِصٍّ ، وَكَانَ فِي هَذَا الْيَوْمِ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بِبَابٍ الشَّمَّاسِيَّةِ . وَفِي ذِي الْقِعْدَةِ: كَانَتْ وَقْعَةٌ شَدِيدَةٌ لِأَهْلِ بَغْدَادَ ، وَهَزَمُوا فِيهَا الْأَتْرَاكَ ، وَانْتَهَبُوا عَسْكَرَهُمْ ، فَرَاسَلَ ابْنُ طَاهِرٍ الْمُعْتَزَّ فِي الصُّلْحِ ، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَخْلَعَ الْمُسْتَعِينَ وَتُبَايِعَ الْمُعْتَزَّ . فَشَتَمُوهُ ، وَلَقِيَ مِنْهُمْ شِدَّةً حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْهِمُ الْمُسْتَعِينُ وَمَعَهُ ابْنُ طَاهِرٍ ، وَحَلَفَ لَهُمْ أَنِّي مَا أَتَّهِمُهُ ، فَكَانَ الْمُسْتَعِينُ مُقِيمًا فِي دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ ، فَانْتَقَلَ إِلَى دَارِ رِزْقٍ الْخَادِمِ بِالرَّصَافَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْعَوَامَّ أَرَادُوا إِحْرَاقَ دَارِ ابْنِ طَاهِرٍ ، وَأُغْلِقَتْ أَبْوَابُ بَغْدَادَ عَلَى أَهْلِهَا ، فَصَاحُوا: الْجُوعَ ، وَلَمْ يَزَلْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ جَادًّا فِي نُصْرَةِ الْمُسْتَعِينِ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ جَمَاعَةٌ: إِنَّ هَذَا الَّذِي تَنْصُرُهُ أَمَرَ وَصِيفًا وَبُغَا بِقَتْلِكَ فَلَمْ يَفْعَلَا . فَتَنَكَّرَ لَهُ . ثُمَّ رَكِبَ إِلَيْهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَنَاظَرَهُ فِي الْخَلْعِ ، فَامْتَنَعَ ، وَظَنَّ الْمُسْتَعِينُ أَنَّ بُغَا وَوَصِيفًا مَعَهُ ، فَكَاشَفَاهُ ، فَقَالَ الْمُسْتَعِينُ: هَذِهِ عُنُقِي وَالسَّيْفُ وَالنِّطْعُ . ثُمَّ انْصَرَفَ ابْنُ طَاهِرٍ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُسْتَعِينُ يَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنْ لَمْ تَدْفَعْ عَنِّي فَكُفَّ عَنِّي . فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَقْعُدُ فِي بَيْتِي ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ خَلْعِهَا طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا . فَلَمَّا رَأَى الْمُسْتَعِينُ ضَعْفَ أَمْرِهِ أَجَابَ إِلَى الْخَلْعِ فَوَجَّهَ ابْنُ طَاهِرٍ إِلَى أَبِي أَحْمَدَ كِتَابًا بِأَشْيَاءَ سَأَلَهَا الْمُسْتَعِينُ حَتَّى يُجِيبَ إِلَى الْخَلْعِ ، فَأَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ ، وَكَانَ فِي سُؤَالِهِ: أَنْ يَنْزِلَ إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَكُونَ مُضْطَرَبُهُ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، فَأُجِيبَ ، وَذَلِكَ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ رَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الرَّصَافَةِ ، وَجَمَعَ الْقُضَاةَ ، فَأَدْخَلَهُمْ عَلَى الْمُسْتَعِينِ فَوْجًا فَوْجًا ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ صَيَّرَ أَمْرَهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأُعِدَّ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْمُعْتَزِّ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا لِلْمُسْتَعِينِ وَلِنَفْسِهِ وَلِقُوَّادِهِ ، فَخَرَجُوا إِلَى الْمُعْتَزِّ ، فَوَقَّعَ عَلَى ذَلِكَ بِخَطِّهِ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: تَحَرَّكَتِ الْعَلَوِيَّةُ فِي النَّوَاحِي فَخَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى طَبَرِسْتَانَ ، وَخَرَجَ بِالرَّيِّ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ ، وَخَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَوْكَبِيُّ فَسَارَ إِلَى الدَّيْلَمِ . وَخَرَجَ بِالْكُوفَةِ رَجُلٌ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ يُقَالُ لَهُ: الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ قَائِدًا فَأَسَرَهُ وَحَبْسَهُ وَأَحْرَقَ بِالْكُوفَةِ أَلْفَ دَارٍ . وَظَهَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمَكَّةَ ، فَهَرَبَ جَعْفَرُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى الْعَامِلُ عَلَى مَكَّةَ ، فَانْتَهَبَ إِسْمَاعِيلُ مَنْزِلَ جَعْفَرٍ وَمَنَازِلَ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ ، وَقَتَلَ الْجُنْدَ وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَأَخَذَ مَا فِي الْكَعْبَةِ مِنَ الْمَالِ ، وَمَا فِي خَزَائِنِهَا مِنَ الطِّيبِ وَالْكُسْوَةِ ، وَمَا حُمِلَ لِإِصْلَاحِ الْقَبْرِ مِنَ الْمَالِ ، وَأَخَذَ مِنَ النَّاسِ نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَانْتَهَبَ مَكَّةَ ، وَأَحْرَقَ بَعْضَهَا . ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ خَمْسِينَ يَوْمًا إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَتَوَارَى عَامِلُهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى مَكَّةَ فِي رَجَبٍ ، فَحَاصَرَهَا حَتَّى مَاتَ أَهْلُهَا جُوعًا وَعَطَشًا ، وَبَلَغَ الْخُبْزُ ثَلَاثُ أَوَاقٍ بِدِرْهَمٍ ، وَاللَّحْمُ رِطْلٌ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ ، وَشَرْبَةُ مَاءٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ، وَلَقِيَ أَهْلُ مَكَّةَ كُلَّ بَلَاءٍ . ثُمَّ رَحَلَ بَعْدَ سَبْعَةٍ وَخَمْسِينَ يَوْمًا إِلَى جُدَّةَ ، فَحَبَسَ عَنِ النَّاسِ الطَّعَامَ ، وَأَخَذَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ وَأَصْحَابِ الْمَرَاكِبِ ، وَحَمَلَ إِلَى مَكَّةَ الْحِنْطَةَ وَالذَّرَةَ مِنَ الْيَمَنِ ، ثُمَّ وَافَى الْمَوْقِفَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَهُنَاكَ وَلَّاهُ الْمُسْتَعِينُ ، فَقَتَلَ نَحْوَ أَلْفٍ وَمِائَةٍ مِنَ الْحَاجِّ ، وَسَلَبَ النَّاسِ ، فَهَرَبُوا إِلَى مَكَّةَ وَلَمْ يَقِفُوا بِعَرَفَةَ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا ، وَوَقَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى جُدَّةَ فَأَفْنَى أَمْوَالَهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية