الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَوْلُهُ تَعَالَى : قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ؟ قُتِلَ أَيْ لُعِنَ . وَقِيلَ : عُذِّبَ . وَالْإِنْسَانُ الْكَافِرُ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ قُتِلَ الْإِنْسَانُ فَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ الْكَافِرُ . وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ ، وَكَانَ قَدْ آمَنَ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ وَالنَّجْمُ ارْتَدَّ ، وَقَالَ : آمَنْتُ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ إِلَّا النَّجْمَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِ - قُتِلَ الْإِنْسَانُ أَيْ لُعِنَ عُتْبَةُ حَيْثُ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ ، وَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ أَسَدَ الْغَاضِرَةِ فَخَرَجَ مِنْ فَوْرِهِ بِتِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْغَاضِرَةِ تَذَكَّرَ دُعَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَجَعَلَ لِمَنْ مَعَهُ أَلْفَ دِينَارٍ إِنْ هُوَ أَصْبَحَ حَيًّا ، فَجَعَلُوهُ فِي وَسَطِ الرُّفْقَةِ ، وَجَعَلُوا الْمَتَاعَ حَوْلَهُ ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ الْأَسَدُ ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الرِّحَالِ وَثَبَ ، فَإِذَا هُوَ فَوْقَهُ فَمَزَّقَهُ ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ نَدَبَهُ وَبَكَى وَقَالَ : مَا قَالَ مُحَمَّدٌ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا كَانَ . وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا أَكْفَرَهُ : أَيُّ شَيْءٍ أَكْفَرَهُ ؟ وَقِيلَ : مَا تَعَجُّبٌ ; وَعَادَةُ الْعَرَبِ إِذَا تَعَجَّبُوا مِنْ شَيْءٍ قَالُوا : قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَحْسَنَهُ ! وَأَخْزَاهُ اللَّهُ مَا أَظْلَمَهُ ; وَالْمَعْنَى : اعْجَبُوا مِنْ كُفْرِ الْإِنْسَانِ لِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا بَعْدَ هَذَا . وَقِيلَ : مَا أَكْفَرَهُ بِاللَّهِ وَنِعَمِهِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِكَثْرَةِ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ عَلَى التَّعَجُّبِ أَيْضًا ; قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَيْ مَا أَشَدَّ كُفْرَهُ ! وَقِيلَ : مَا اسْتِفْهَامٌ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ دَعَاهُ إِلَى الْكُفْرِ ; فَهُوَ اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ . وَ ( مَا ) تَحْتَمِلُ التَّعَجُّبَ ، وَتَحْتَمِلُ مَعْنَى أَيَّ ، فَتَكُونُ اسْتِفْهَامًا . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ أَيْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ هَذَا الْكَافِرَ فَيَتَكَبَّرَ ؟ أَيِ اعْجَبُوا لِخَلْقِهِ . مِنْ نُطْفَةٍ أَيْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ مَهِينٍ جَمَادٍ خَلَقَهُ فَلَمْ يَغْلَطْ فِي نَفْسِهِ ؟ ! قَالَ الْحَسَنُ : كَيْفَ يَتَكَبَّرُ مَنْ خَرَجَ مِنْ سَبِيلِ الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ . فَقَدَّرَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . كَذَا رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَيْ قَدَّرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَعَيْنَيْهِ وَسَائِرَ آرَابِهِ ، وَحَسَنًا وَدَمِيمًا ، وَقَصِيرًا وَطَوِيلًا ، وَشَقِيًّا وَسَعِيدًا . وَقِيلَ : فَقَدَّرَهُ أَيْ فَسَوَّاهُ كَمَا قَالَ : أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا . وَقَالَ : الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ . وَقِيلَ : فَقَدَّرَهُ أَطْوَارًا أَيْ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ; نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ، إِلَى أَنْ تَمَّ خَلْقُهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَمُقَاتِلٍ : يَسَّرَهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ . مُجَاهِدٌ : يَسَّرَهُ لِطَرِيقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ; أَيْ بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ . دَلِيلُهُ : إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ . وَقَالَهُ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ . وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا قَالَ : سَبِيلُ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ . ابْنُ زَيْدٍ : سَبِيلُ الْإِسْلَامِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَاهِرٍ يَسَّرَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا خَلَقَهُ لَهُ وَقَدَّرَهُ عَلَيْهِ ; دَلِيلُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ . ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ أَيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا يُوَارَى فِيهِ إِكْرَامًا ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّا يُلْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ تَأْكُلُهُ الطَّيْرُ وَالْعَوَافِي ; قَالَهُ الْفَرَّاءُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : أَقْبَرَهُ : جَعَلَ لَهُ قَبْرًا ، وَأَمَرَ أَنْ يُقْبَرَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَلَمَّا قَتَلَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَتْ بَنُو تَمِيمٍ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ : أَقْبَرْنَا صَالِحًا ; فَقَالَ : دُونَكُمُوهُ . وَقَالَ : أَقْبَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ قَبَرَهُ ; لِأَنَّ الْقَابِرَ هُوَ الدَّافِنُ بِيَدِهِ ، قَالَ الْأَعْشَى : لَوْ أَسْنَدَتْ مَيْتًا إِلَى نَحْرِهَا عَاشَ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَى قَابِرِ يُقَالُ : قَبَرْتُ الْمَيِّتَ : إِذَا دَفَنْتُهُ ، وَأَقْبَرَهُ اللَّهُ : أَيْ صَيَّرَهُ بِحَيْثُ يُقْبَرُ ، وَجَعَلَ لَهُ قَبْرًا ; تَقُولُ الْعَرَبُ : بَتَرْتُ ذَنَبَ الْبَعِيرِ ، وَأَبْتَرَهُ اللَّهُ ، وَعَضَبْتُ قَرْنَ الثَّوْرِ ، وَأَعْضَبَهُ اللَّهُ ، وَطَرَدْتُ فُلَانًا ، وَاللَّهُ أَطْرَدَهُ ، أَيْ صَيَّرَهُ طَرِيدًا . ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ أَيْ أَحْيَاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ . وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ أَنْشَرَهُ بِالْأَلِفِ . وَرَوَى أَبُو حَيْوَةَ عَنْ نَافِعٍ وَشُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ( شَاءَ نَشَرَهُ ) بِغَيْرِ أَلِفٍ ، لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ بِمَعْنًى ; يُقَالُ : أَنَشَرَ اللَّهُ الْمَيِّتُ وَنَشَرَهُ ; قَالَ الْأَعْشَى : حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأَوْا يَا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ قَوْلُهُ تَعَالَى : كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ : لَمَّا يَقْضِ : لَا يَقْضِي أَحَدٌ مَا أُمِرَ بِهِ . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ لَمْ يَفِ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِ فِي صُلْبِ آدَمَ . ثُمَّ قِيلَ : ( كَلَّا ) رَدْعٌ وَزَجْرٌ ، أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ : كَمَا يَقُولُ الْكَافِرُ ; فَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا أُخْبِرَ بِالنُّشُورِ قَالَ : وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى رُبَّمَا يَقُولُ قَدْ قَضَيْتُ مَا أُمِرْتُ بِهِ . فَقَالَ : كَلَّا لَمْ يَقْضِ شَيْئًا بَلْ هُوَ كَافِرٌ بِي وَبِرَسُولِي . وَقَالَ الْحَسَنُ : أَيْ حَقًّا لَمْ يَقْضِ : أَيْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا أُمِرَ بِهِ . وَ ( مَا ) فِي قَوْلِهِ : ( لَمَّا ) عِمَادٌ لِلْكَلَامِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَقَوْلُهُ : عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ . وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ فَوْرَكٍ : أَيْ : كَلَّا لَمَّا يَقْضِ اللَّهُ لِهَذَا الْكَافِرِ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ ، بَلْ أَمَرَهُ بِمَا لَمْ يَقْضِ لَهُ . ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْوَقْفُ عَلَى كَلَّا قَبِيحٌ ، وَالْوَقْفُ عَلَى ( أَمَرَهُ ) وَ ( نَشَرَهُ ) جَيِّدٌ ; فَ " كَلَّا " عَلَى هَذَا بِمَعْنَى حَقًّا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية