الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري 6721 حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فتح الباري لابن حجر قَوْلُهُ ( عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) أَيِ ابْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ ) هُوَ جَدُّ الرَّاوِي عَنْهُ . قَوْلُهُ : لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ ) أَيِ الْخِلَافَةُ ، يَعْنِي لَا يَزَالُ الَّذِي يَلِيهَا قُرَشِيًّا . قَوْلُهُ ( مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ ) قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُمْ لَا يَبْقَى مِنْهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ إِلَّا اثْنَانِ أَمِيرٌ وَمُؤَمَّرٌ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ لَهُمْ تَبَعٌ . قُلْتُ : فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ " وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ " مَا بَقِيَ فِي النَّاسِ اثْنَانِ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى " وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ انْتِفَاءُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي غَيْرِ قُرَيْشٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَيَكُونَ التَّقْدِيرُ لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ ، أَيْ لَا يُسَمَّى بِالْخَلِيفَةِ إِلَّا مَنْ يَكُونُ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا أَنْ يُسَمَّى بِهِ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ غَلَبَةً وَقَهْرًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ الْأَمْرِ فِي قُرَيْشٍ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنَّ بِالْبِلَادِ الْيَمَنِيَّةِ وَهِيَ النُّجُودُ مِنْهَا طَائِفَةً مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ لَمْ تَزَلْ مَمْلَكَةُ تِلْكَ الْبِلَادِ مَعَهُمْ مِنْ أَوَاخِرِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ ، وَأَمَّا مَنْ بِالْحِجَازِ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُمْ أُمَرَاءُ مَكَّةَ وَأُمَرَاءُ يَنْبُعَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُمْ أُمَرَاءُ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا مِنْ صَمِيمِ قُرَيْشٍ لَكِنَّهُمْ تَحْتَ حُكْمِ غَيْرِهِمْ مِنْ مُلُوكِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ ، فَبَقِيَ الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ بِقُطْرٍ مِنَ الْأَقْطَارِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَكَبِيرُ أُولَئِكَ أَيْ أَهْلُ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ الْإِمَامُ ، وَلَا يَتَوَلَّى الْإِمَامَةُ فِيهِمْ إِلَّا مَنْ يَكُونُ عَالِمًا مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَمْ يَخْلُ الزَّمَانُ عَنْ وُجُودِ خَلِيفَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِذْ فِي الْمَغْرِبِ خَلِيفَةٌ مِنْهُمْ عَلَى مَا قِيلَ وَكَذَا فِي مِصْرَ . قُلْتُ : الَّذِي فِي مِصْرَ لَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ قُرَشِيًّا لِأَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْعَبَّاسِ ، وَالَّذِي فِي صَعْدَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْيَمَنِ لَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ قُرَشِيًّا لِأَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَأَمَّا الَّذِي فِي الْمَغْرِبِ فَهُوَ حَفْصِيٌّ مِنْ ذُرِّيَّةِ أَبِي حَفْصٍ صَاحِبِ ابْنِ تُومَرْتَ وَقَدِ انْتَسَبُوا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَهُوَ قُرَشِيٌّ . وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ " لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ وَاصِبًا مَا بَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ عِشْرُونَ رَجُلًا " وَقَالَ النَّوَوِيُّ : حُكْمُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُسْتَمِرٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ ، وَقَدْ ظَهَرَ مَا قَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْ زَمَنِهِ إِلَى الْآنَ لَمْ تَزَلِ الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ مِنْ غَيْرِ مُزَاحَمَةٍ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَنْ تَغَلَّبَ عَلَى الْمُلْكِ بِطَرِيقِ الشَّرِكَةِ لَا يُنْكِرُ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ وَإِنَّمَا يَدَّعِي أَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْهُمْ انْتَهَى . وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْخَوَارِجَ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ تَسَمَّوْا بِالْخِلَافَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ قُرَيْشٍ ، وَكَذَلِكَ ادَّعَى الْخِلَافَةَ بَنُو عُبَيْدٍ وَخُطِبَ لَهُمْ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْحِجَازِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالْعِرَاقِ أَيْضًا وَأُزِيلَ الْخِلَافَةُ بِبَغْدَادَ قَدْرَ سَنَةٍ ، وَكَانَتْ مُدَّةُ بَنِي عُبَيْدٍ بِمِصْرَ سِوَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ بِالْمَغْرِبِ تَزِيدُ عَلَى مِائَتِي سَنَةٍ ، وَادَّعَى الْخِلَافَةَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ صَاحِبُ ابْنِ تُومَرْتَ وَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ بِالْمَغْرِبِ إِلَى الْيَوْمِ ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَمَّا عَنْ بَنِي عُبَيْدٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَلَمْ يُبَايِعُوهُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَصْفِ ، وَالَّذِينَ أَثْبَتُوا نِسْبَتَهُمْ لَيْسُوا بِدُونِ مَنْ نَفَاهُ ، وَأَمَّا سَائِرُ مَنْ ذُكِرَ وَمَنْ لَمْ يُذْكَرْ فَهُمْ مِنَ الْمُتَغَلِّبِينَ وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِمْ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ خَبَرٌ عَنِ الْمَشْرُوعِيَّةِ أَيْ لَا تَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى إِلَّا لِقُرَشِيٍّ مَهْمَا وُجِدَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَكَأَنَّهُ جَنَحَ إِلَى أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَفَعَهُ قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ مِثْلَهُ ، وَفِي نُسْخَةِ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مُرْسَلًا أَنَّهُ بَلَغَهُ مِثْلُهُ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ مِثْلُهُ ، وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَتَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ : فِي هَذَا الْأَمْرِ " وَشَاهِدُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ كَالْأَوَّلِ ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهَزِيلِ قَالَ " لَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ قُرَيْشٌ لَأَجْعَلَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي جُمْهُورٍ مِنْ جَمَاهِيرِ الْعَرَبِ غَيْرَهُمْ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : كَذَبْتَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قُرَيْشٌ قَادَةُ النَّاسِ " . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْحَدِيثِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ تَخْصِيصِ قُرَيْشٍ بِالذِّكْرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ وُقُوعُ الْمُبْتَدَأِ مُعَرَّفًا بِاللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ بِالْحَقِيقَةِ هَاهُنَا هُوَ الْأَمْرُ الْوَاقِعُ صِفَةً لِهَذَا وَهَذَا لَا يُوصَفُ إِلَّا بِالْجِنْسِ ، فَمُقْتَضَاهُ حَصْرُ جِنْسِ الْأَمْرِ فِي قُرَيْشٍ ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ : لَا أَمْرَ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ " وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ فَهُوَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ كَأَنَّهُ قَالَ ائْتَمُّوا بِقُرَيْشٍ خَاصَّةً ، وَبَقِيَّةُ طُرُقِ الْحَدِيثِ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَى إِفَادَةِ الْمَفْهُومِ لِلْحَصْرِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ شَرْطَ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ طَوَائِفُ بِبَعْضِ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَجُوزُ إِلَّا مِنْ وَلَدِ عَلِيٍّ وَهَذَا قَوْلُ الشِّيعَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا شَدِيدًا فِي تَعْيِينِ بَعْضِ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَخْتَصُّ بِوَلَدِ الْعَبَّاسِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَأَتْبَاعِهِ . وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ طَائِفَةً قَالَتْ : لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي وَلَدِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَتْ أُخْرَى فِي وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي بَنِي أُمَيَّةَ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي وَلَدِ عُمَرَ ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ . وَقَالَتِ الْخَوَارِجُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ غَيْرَ قُرَشِيٍّ ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ مَنْ قَامَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَوَاءٌ كَانَ عَرَبِيًّا أَمْ عَجَمِيًّا ، وَبَالَغَ ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ : تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْقُرَشِيِّ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ أَقَلَّ عَشِيرَةً فَإِذَا عَصَى كَانَ أَمْكَنَ لِخَلْعِهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ : لَمْ يُعَرِّجِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَعْدَ ثُبُوتِ حَدِيثِ الْأَئِمَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ وَعَمِلَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اعْتِبَارِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الِاخْتِلَافُ . قُلْتُ : قَدْ عَمِلَ بِقَوْلِ ضِرَارٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُوجَدَ مَنْ قَامَ بِالْخِلَافَةِ مِنَ الْخَوَارِجِ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ كَقَطَرِيٍّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَدَامَتْ فِتْنَتُهُمْ حَتَّى أَبَادَهُمُ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً ، وَكَذَا تَسَمَّى بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْرِ الْخَوَارِجِ مِمَّنْ قَامَ عَلَى الْحَجَّاجِ كَابْنِ الْأَشْعَثِ ، ثُمَّ تَسَمَّى بِالْخِلَافَةِ مَنْ قَامَ فِي قُطْرٍ مِنَ الْأَقْطَارِ فِي وَقْتٍ مَا فَتَسَمَّى بِالْخِلَافَةِ وَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ كَبَنِي عَبَّادٍ وَغَيْرِهِمْ بِالْأَنْدَلُسِ كَعَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَذُرِّيَّتِهِ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ كُلِّهَا ، وَهَؤُلَاءِ ضَاهَوْا الْخَوَارِجَ فِي هَذَا وَلَمْ يَقُولُوا بِأَقْوَالِهِمْ وَلَا تَمَذْهَبُوا بِآرَائِهِمْ بَلْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ دَاعِينَ إِلَيْهَا . وَقَالَ عِيَاضٌ : اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْإِمَامِ قُرَشِيًّا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَقَدْ عَدُّوهَا فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ فِيهَا خِلَافٌ وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ ، قَالَ : وَلَا اعْتِدَادَ بِقَوْلِ الْخَوَارِجِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمُسْلِمِينَ . قُلْتُ : وَيَحْتَاجُ مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ إِلَى تَأْوِيلِ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ أَنَّهُ قَالَ : إِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَأَبُو عُبَيْدَةَ حَيٌّ اسْتَخْلَفْتُهُ " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَإِنْ أَدْرَكَنِي أَجَلِي وَقَدْ مَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ اسْتَخْلَفْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الْحَدِيثَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ أَنْصَارِيٌّ لَا نَسَبَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ بَعْدَ عُمَرَ عَلَى اشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةُ قُرَشِيًّا أَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُعَيِّنِ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ مِنْ تَأْمِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ وَغَيْرِهِمْ فِي الْحُرُوبِ فَلَيْسَ مِنَ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى فِي شَيْءٍ ، بَلْ فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ اسْتِنَابَةُ غَيْرِ الْقُرَشِيِّ فِي حَيَاتِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ مَا فَرَضَهُ الْفُقَهَاءُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ قُرَشِيٌّ يُسْتَخْلَفْ كِنَانِيٌّ فَإِنْ لَمْ يُوجَدُ فَمِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ مُسْتَجْمِعٌ الشَّرَائِطَ فَعَجَمِيٌّ وَفِي وَجْهٍ جُرْهُمِيٌّ وَإِلَّا فَمِنْ وَلَدِ إِسْحَاقَ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا فَرَضَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ عَلَى عَادَتِهُمْ فِي ذِكْرِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ عَقْلًا وَإِنْ كَانَ لَا يَقَعُ عَادَةً أَوْ شَرْعًا . قُلْتُ وَالَّذِي حَمَلَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْهُ الْخَبَرَ الْمَحْضَ وَخَبَرُ الصَّادِقِ لَا يَتَخَلَّفُ ، وَأَمَّا مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْأَمْرِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا وَبِغَيْرِهِ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى رُجْحَانِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِتَقْدِيمِ الْقُرَشِيِّ عَلَى مَنْ لَيْسَ قُرَشِيًّا . قَالَ عِيَاضٌ : وَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْخُلَفَاءُ ، وَإِلَّا فَقَدْ قَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ وَوَرَاءَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَقَدَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَابْنَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي التَّأْمِيرِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبُعُوثِ وَالسَّرَايَا وَمَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ . وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقُرَشِيِّ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ ، فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِتَرْجِيحِ الشَّافِعِيِّ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُسْتَدِلِّ بِهِ أَنَّ الْفَضْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْقُرَشِيِّ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ كَوْنَهُ قُرَشِيًّا مِنْ أَسْبَابِ الْفَضْلِ وَالتَّقَدُّمِ كَمَا أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْفَضْلِ وَالتَّقَدُّمِ الْوَرَعُ وَالْفِقْهُ وَالْقِرَاءَةُ وَالسِّنُّ وَغَيْرُهَا ، فَالْمُسْتَوِيَانِ فِي جَمِيعِ الْخِصَالِ إِذَا اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِخَصْلَةٍ مِنْهَا دُونَ صَاحِبِهِ تَرَجَّحَ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى تَقْدِيمِ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَنْ سَاوَاهُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قُرَشِيٌّ ، وَعَجَبٌ قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ فِي " الْمُفْهِمِ " بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ : أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَرْجِيحِ الشَّافِعِيِّ صَحِبَتْهُ غَفْلَةٌ قَارَنَهَا مِنْ صَمِيمِ التَّقْلِيدِ طَيْشُهُ ، كَذَا قَالَ وَلَعَلَّ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْغَفْلَةُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مُرَادَ الْمُسْتَدِلِّ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية