الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                        صحيح البخاري بَاب وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ الْآيَةَ 4549 حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فتح الباري لابن حجر قَوْلُهُ : ( سُورَةُ " حم " الْجَاثِيَةِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ " الْجَاثِيَةُ " حَسْبُ . قَوْلُهُ : ( جَاثِيَةٌ : مُسْتَوْفِزِينَ عَلَى الرُّكَبِ ) كَذَا لَهُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَقَالَ : أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ " جَاثِيَةٌ " قَالَ : عَلَى الرُّكَبِ . وَيُقَالُ اسْتَوْفَزَ فِي قِعْدَتِهِ إِذَا قَعَدَ مُنْتَصِبًا قُعُودًا غَيْرَ مُطْمَئِنٍّ . قَوْلُهُ : ( نَسْتَنْسِخُ نَكْتُبُ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ : وَقَالَ : مُجَاهِدٌ فَذَكَرَهُ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَعْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ . قَوْلُهُ : ( نَنْسَاكُمْ نَتْرُكُكُمْ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ قَالَ : الْيَوْمَ نَتْرُكُكُمْ كَمَا تَرَكْتُمْ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ ، لِأَنَّ مَنْ نَسِيَ فَقَدْ تَرَكَ بِغَيْرِ عَكْسٍ . قَوْلُهُ : ( يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُهْلِكُنَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، هُوَ الَّذِي يُمِيتُنَا وَيُحْيِينَا ، فَقَالَ : اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا الْآيَةَ ، قَالَ : فَيَسُبُّونَ الدَّهْرَ ، قَالَ : اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ " فَذَكَرَهُ . قَالَ : الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ يُخَاطِبُنِي مِنَ الْقَوْلِ بِمَا يَتَأَذَّى مَنْ يَجُوزُ فِي حَقِّهِ التَّأَذِّي ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ الْأَذَى ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ . وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَرَّضَ لِسَخَطِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَا الدَّهْرُ ) قَالَ : الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَا صَاحِبُ الدَّهْرِ وَمُدَبِّرُ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إِلَى الدَّهْرِ ، فَمَنْ سَبَّ الدَّهْرَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فَاعِلُ هَذِهِ الْأُمُورَ عَادَ سَبُّهُ إِلَى رَبِّهِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهَا ، وَإِنَّمَا الدَّهْرُ زَمَانٌ جُعِلَ ظَرْفًا لِمَوَاقِعِ الْأُمُورِ . وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ إِذَا أَصَابَهُمْ مَكْرُوهٌ أَضَافُوهُ إِلَى الدَّهْرِ فَقَالُوا : بُؤْسًا لِلدَّهْرِ ، وَتَبًّا لِلدَّهْرِ . وَقَالَ : النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ " أَنَا الدَّهْرُ " بِالرَّفْعِ فِي ضَبْطِ الْأَكْثَرِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ ، وَيُقَالُ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ أَنَا بَاقٍ أَبَدًا ، وَالْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ " الرَّفْعُ وَهُوَ مَجَازٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَسُبُّونَ الدَّهْرَ عِنْدَ الْحَوَادِثِ فَقَالَ : لَا تَسُبُّوهُ فَإِنَّ فَاعِلَهَا هُوَ اللَّهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا تَسُبُّوا الْفَاعِلَ فَإِنَّكُمْ إِذَا سَبَبْتُمُوهُ سَبَبْتُمُونِي . أَوِ الدَّهْرُ هُنَا بِمَعْنَى الدَّاهِرُ ، فَقَدْ حَكَى الرَّاغِبُ أَنَّ الدَّهْرَ فِي قَوْلِهِ " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ " غَيْرُ الدَّهْرِ فِي قَوْلِهِ " يَسُبُّ الدَّهْرَ " قَالَ : وَالدَّهْرُ الْأَوَّلُ الزَّمَانُ وَالثَّانِي الْمُدَبِّرُ الْمُصَرِّفُ لِمَا يَحْدُثُ ، ثُمَّ اسْتُضْعِفَ هَذَا الْقَوْلُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَعُدَّ الدَّهْرُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى . وَكَذَا قَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ مُحْتَجًّا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَكَانَ يَقُولُ : لَوْ كَانَ بِضَمِّهَا لَكَانَ الدَّهْرُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ رِوَايَتِهِ " فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ " قَالَ : ابْنُ الْجَوْزِيُّ : يُصَوَّبُ ضَمُّ الرَّاءِ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمَضْبُوطَ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ بِالضَّمِّ . ثَانِيهَا : لَوْ كَانَ بِالنَّصْبِ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ فَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُهُ ، فَلَا تَكُونُ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ سَبِّهِ مَذْكُورَةٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى يُقَلِّبُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ فَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ مَنْعُ الذَّمِّ . ثَالِثُهَا : الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا " فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ " انْتَهَى . وَهَذِهِ الْأَخِيرَةُ لَا تُعَيِّنُ الرَّفْعَ لِأَنَّ لِلْمُخَالِفَ أَنْ يَقُولَ : التَّقْدِيرُ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ يُقَلِّبُ ، فَتَرْجِعُ لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَكَذَا تَرْكُ ذِكْرِ عِلَّةِ النَّهْيِ لَا يُعَيِّنُ الرَّفْعَ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ مِنَ السِّيَاقِ ، أَيْ لَا ذَنْبَ لَهُ فَلَا تَسُبُّوهُ . 46 - سُورَةُ الْأَحْقَافِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تُفِيضُونَ : تَقُولُونَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَثَرَةٌ وَأَثْرَةٌ وَأَثَارَةٌ : بَقِيَّةٌ مِنْ عِلْمٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ لَسْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ وَقَالَ غَيْرُهُ ( أَرَأَيْتُمْ هَذِهِ الْأَلِفَ إِنَّمَا هِيَ تَوَعُّدٌ ، إِنْ صَحَّ مَا تَدَّعُونَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ ( أَرَأَيْتُمْ بِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ ، إِنَّمَا هُوَ : أَتَعْلَمُونَ أَبَلَغَكُمْ أَنَّ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ خَلَقُوا شَيْئًا؟‍! .

                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية