الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا أُحْضِرَ ابْنُ شَنَبُوذَ الْمُقْرِئُ ، فَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ عَلَيْهِ حُرُوفًا انْفَرَدَ بِهَا ، فَاعْتَرَفَ بِبَعْضِهَا ، وَأَنْكَرَ بَعْضَهَا ، فَاسْتُتِيبَ مِنْ ذَلِكَ ، وَاسْتُكْتِبَ بِخَطِّهِ بِالرُّجُوعِ عَمَّا نُقِمَ عَلَيْهِ ، وَضُرِبَ سَبْعَ دُرَرٍ بِإِشَارَةِ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ ، وَنُفِيَ إِلَى الْبَصْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، فَدَعَا عَلَى الْوَزِيرِ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ وَيُشَتَّتَ شَمْلُهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ عَمَّا قَرِيبٍ . وَفِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ نَادَى بَدْرٌ الْخَرْشَنِيُّ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ فِي الْجَانِبَيْنِ مِنْ بَغْدَادَ أَنْ لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْبَرْبَهَارِيِّ الْوَاعِظِ الْحَنْبَلِيِّ ، وَحَبَسَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً ، وَاسْتَتَرَ الْبَرْبَهَارِيُّ ، فَلَمْ يَظْهَرْ مُدَّةً . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " : وَفِي شَهْرِ أَيَّارَ تَكَاثَفَتِ الْغُيُومُ ، وَاشْتَدَّ الْحَرُّ جِدًّا ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنْهُ - وَهُوَ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا ، وَأَظْلَمَتْ وَاسْوَدَّتْ إِلَى بَعْدِ الْعَصْرِ ، ثُمَّ خَفَّتْ ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى بَعْدِ عَشَاءِ الْآخِرَةِ . وَفِيهَا اسْتَبْطَأَ الْأَجْنَادُ أَرْزَاقَهُمْ ، فَقَصَدُوا دَارَ الْوَزِيرِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ مُقْلَةَ ، فَنَقَبُوهَا وَأَخَذُوا مَا فِيهَا . وَوَقَعَ حَرِيقٌ عَظِيمٌ فِي طَرِيقِ الْبَزَّازِينَ ، فَاحْتَرَقَ بِسَبَبِهِ لِلنَّاسِ شَيْءٌ كَثِيرٌ ، فَعَوَّضَ عَلَيْهِمُ الرَّاضِي بِاللَّهِ بَعْضَ مَا كَانَ ذَهَبَ لَهُمْ . وَفِي رَمَضَانَ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى بَيْعَةِ جَعْفَرِ بْنِ الْمُكْتَفِي وَظَهَرَ الْوَزِيرُ عَلَى أَمْرِهِمْ ، فَحَبَسَ جَعْفَرًا ، وَنُهِبَتْ دَارُهُ ، وَحَبَسَ جَمَاعَةً مِمَّنْ كَانَ بَايَعَهُ ، وَانْطَفَأَتْ نَارُهُ . وَخَرَجَ الْحُجَّاجُ فِي خُفَارَةِ الْأَمِيرِ لُؤْلُؤٍ ، فَاعْتَرَضَهُمْ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ ، وَرَجَعَ مَنِ انْهَزَمَ مِنْهُمْ إِلَى بَغْدَادَ وَبَطَلَ الْحَجُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ ، وَكَانَ قَتْلُهُ لَهُمْ فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بِعَيْنِهَا تَسَاقَطَتْ كَوَاكِبُ كَثِيرَةٌ بِبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ عَلَى صِفَةٍ لَمْ يُرَ مَثْلُهَا وَلَا مَا يُقَارِبُهَا . قَالَ : وَغَلَا السِّعْرُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، حَتَّى بِيعَ الْكُرُّ مِنَ الْحِنْطَةِ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا . وَفِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ كَانَ مَقْتَلُ مَرْدَاوِيجَ بْنِ زِيَّارَ الدَّيْلَمِيِّ ، وَكَانَ قَبَّحَهُ اللَّهُ سَيِّئَ السِّيرَةِ وَالسَّرِيرَةِ ، يَزْعُمُ أَنَّ رُوحَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ حَلَّتْ فِيهِ ، وَلَهُ سَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَالْأَتْرَاكُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُمُ الْجِنُّ الَّذِينَ سُخِّرُوا لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ، وَكَانَ يُسِيءُ الْمُعَامَلَةَ لَهُمْ ، وَيَحْتَقِرُهُمْ غَايَةَ الِاحْتِقَارِ ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبُهُ حَتَّى أَمْكَنَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ ، فَقَتَلُوهُ فِي حَمَّامٍ ، وَكَانَ الَّذِي مَالَأَ عَلَى قَتْلِهِ غُلَامُهُ بَجْكَمُ التُّرْكِيُّ - جَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ خَيْرًا - وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ رَهِينَةً عِنْدَهُ ، فَلَمَّا قُتِلَ أُطْلِقَ مِنَ السِّجْنِ وَالْقَيْدِ ، فَذَهَبَ إِلَى أَخِيهِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ مَعَهُ إِلَى أَخِيهِ ، وَالْتَفَّتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مَنَ الْأَتْرَاكِ عَلَى بَجْكَمَ ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى بَغْدَادَ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ صُرِفُوا إِلَى الْبَصْرَةِ فَكَانُوا بِهَا . وَأَمَّا الدَّيْلَمُ فَإِنَّهُمْ بَعَثُوا إِلَى أَخِي مَرْدَاوِيجَ ، وَهُوَ وُشْمَكِيرُ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ تَلَقَّوْهُ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ حُفَاةً مُشَاةً ، فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَذْهَبَ مُلْكُهُمْ ، فَانْتُدِبَ لِمُحَارَبَتِهِ السَّعِيدُ نَصْرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّامَانِيُّ نَائِبُ خُرَاسَانَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ وَالْأَقَالِيمِ ، فَانْتَزَعَ مِنْهُ بُلْدَانًا هَائِلَةً . وَفِيهَا بَعَثَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ الْفَاطِمِيُّ جَيْشًا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ فِي الْبَحْرِ إِلَى نَاحِيَةِ الْفِرِنْجِ ، فَافْتَتَحُوا مَدِينَةَ جَنَوَةَ وَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَثَرْوَةً ، وَرَجَعُوا سَالِمِينَ غَانِمِينَ . وَفِيهَا بَعَثَ عِمَادُ الدَّوْلَةِ بْنُ بُوَيْهِ أَخَاهُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ إِلَى أَصْبَهَانَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى بِلَادِ الْجَبَلِ ، وَاتَّسَعَتْ مَمْلَكَةُ عِمَادِ الدَّوْلَةِ ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ . وَفِيهَا كَانَ غَلَاءٌ شَدِيدٌ بِخُرَاسَانَ ، وَفِنَاءٌ كَثِيرٌ ، بِحَيْثُ كَانَ يَهُمُّهُمْ أَمْرُ دَفْنِ الْمَوْتَى . وَفِيهَا قَتَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ نَائِبُ الْمَوْصِلِ عَمَّهُ أَبَا الْعَلَاءِ سَعِيدَ بْنَ حَمْدَانَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنْهُ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَزِيرَهُ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُقْلَةَ فِي جُيُوشٍ ، فَهَرَبَ مِنْهُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُ ابْنِ مُقْلَةَ بِالْمَوْصِلِ رَجَعَ إِلَى بَغْدَادَ فَاسْتَقَرَّتْ يَدُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمَوْصِلِ وَبَعَثَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْأَلُ أَنْ يَضْمَنَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ ، وَاسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى مَا كَانَ . وَخَرَجَ الْحَجِيجُ ، فَلَقِيَهُمُ الْقُرْمُطَيْ فِي الْقَادِسِيَّةِ فَقَاتَلُوهُ ، فَظَفِرَ بِهِمْ ، فَسَأَلُوهُ الْأَمَانَ ، فَأَمَّنَهُمْ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى بَغْدَادَ فَرَجَعُوا ، وَتَعَطَّلَ عَلَيْهِمُ الْحَجُّ عَامَهُمْ ذَلِكَ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية