الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ فِيهَا كَانَ الْقَبْضُ عَلَى الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ لِلَّهِ وَخِلَافَةُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ الْأَمِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ الْمُقْتَدِرِ بِاللَّهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَسَ الْخَلِيفَةُ عَلَى عَادَتِهِ فِي الرِّوَاقِ ، وَقَعَدَ الْمَلِكُ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَى السَّرِيرِ ، ثُمَّ أَرْسَلَ مَنِ اجْتَذَبَ الْخَلِيفَةَ بِحَمَائِلِ سَيْفِهِ عَنِ السَّرِيرِ ، وَلَفُّوهُ فِي كِسَاءٍ ، وَحَمَلُوهُ إِلَى الْخِزَانَةِ بِدَارِ الْمَمْلَكَةِ ، وَتَشَاغَلَ النَّاسُ بِالنَّهْبِ ، وَلَمْ يَدْرِ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا الْخَطْبُ وَلَا مَا الْخَبَرُ ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّ الْمَلِكَ بَهَاءَ الدَّوْلَةِ هُوَ الَّذِي مُسِكَ ، فَنُهِبَتِ الْخَزَائِنُ وَالْحَوَاصِلُ وَشَيْءٌ كَثِيرٌ مِنْ أَثَاثِ دَارِ الْخِلَافَةِ ، حَتَّى أُخِذَتْ ثِيَابُ الْأَعْيَانِ وَالْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ ، وَجَرَتْ كَائِنَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا ، وَرَجَعَ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى دَارِهِ ، وَكَتَبَ عَلَى الطَّائِعِ كِتَابًا بِالْخَلْعِ ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ الْأَشْرَافُ وَالْقُضَاةُ أَنَّهُ قَدْ خَلَعَ نَفْسَهُ عَنِ الْخِلَافَةِ وَسَلَّمَهَا إِلَى الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَنُودِيَ بِذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَتَشَغَّبَتِ الدَّيْلَمُ وَالْأَتْرَاكُ ، وَطَالَبُوا بِرَسْمِ الْبَيْعَةِ ، وَرَاسَلُوا بَهَاءَ الدَّوْلَةِ فِي ذَلِكَ ، وَتَطَاوَلَ الْأَمَرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَلَمْ يُمَكَّنُوا مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِصَرِيحِ اسْمِهِ ، بَلْ قِيلَ : اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عَبْدَكَ وَخَلِيفَتَكَ الْقَادِرَ بِاللَّهِ . وَلَمْ يُسَمَّ ، ثُمَّ أَرْضَى وُجُوهَهُمْ وَأَكَابِرَهُمْ ، وَأُخِذَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ ، وَأَمَرَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ بِتَحْوِيلِ جَمِيعِ مَا فِي دَارِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْأَوَانِي وَالْفُرُشِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَى دَارِهِ ، وَأُبِيحَتْ لِلْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ ، فَقَلَعُوا أَبْوَابَهَا وَشَبَابِيكَهَا وَشَعَّثُوا أَبْنِيَتَهَا ، ثُمَّ مُنِعُوا بَعْدَ ذَلِكَ . هَذَا كُلُّهُ وَالْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ قَدْ هَرَبَ إِلَى أَرْضِ الْبَطِيحَةِ مِنَ الطَّائِعِ حِينَ كَانَ يَطْلُبُهُ ، وَلَمَّا رَكِبَ إِلَى بَغْدَادَ مَنَعَتْهُ الدَّيْلَمُ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهَا حَتَّى يُعْطِيَهُمْ رَسْمَ الْبَيْعَةِ ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ خُطُوبٌ طَوِيلَةٌ ، ثُمَّ رَضُوا عَنْهُ ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا ، وَكَانَتْ مُدَّةُ هَرَبِهِ بِأَرْضِ الْبَطِيحَةِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ ، وَجَلَسَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ مَقْدِمِهِ جُلُوسًا عَامًّا لِلتَّهْنِئَةِ وَسَمَاعِ الْمَدَائِحِ وَالْقَصَائِدِ فِيهِ ، وَذَلِكَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَوَّالٍ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِبَيْعَةِ بَهَاءِ الدِّينِ وَتَفْوِيضِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِ مَا وَرَاءَ بَابِهِ ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا . وَقَدْ كَانَ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ مِنْ خِيَارِ الْخُلَفَاءِ وَسَادَاتِ الْعُلَمَاءِ فِي أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَقْرَانِهِ ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ ، حَسَنَ الِاعْتِقَادِ ، وَصَنَّفَ عَقِيدَةً فِيهَا فَضَائِلُ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ تُقْرَأُ فِي حِلَقِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ كُلَّ جُمُعَةٍ فِي جَامِعِ الْمَهْدِيِّ ، وَتَجْتَمِعُ النَّاسُ لِسَمَاعِهَا مُدَّةَ خِلَافَتِهِ ، وَكَانَ يُنْشِدُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ يَتَرَنَّمُ بِهَا ، وَهِيَ لِسَابِقٍ الْبَرْبَرِيِّ : سَبَقَ الْقَضَاءُ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنُ وَاللَّهُ يَا هَذَا لِرِزْقِكَ ضَامِنُ تُعْنَى بِمَا تُكْفَى وَتَتْرُكُ مَا بِهِ تَغْنَى كَأَنَّكَ لِلْحَوَادِثِ آمِنُ أَوَ مَا تَرَى الدُّنْيَا وَمَصْرَعَ أَهْلِهَا فَاعْمَلْ لِيَوْمِ فِرَاقِهَا يَا خَائِنُ وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا أَبًا لَكَ فِي الَّذِي أَصْبَحْتَ تَجْمَعُهُ لِغَيْرِكَ خَازِنُ يَا عَامِرَ الدُّنْيَا أَتَعْمُرُ مَنْزِلًا لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعَ الْمَنِيَّةِ سَاكِنُ الْمَوْتُ شَيْءٌ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ حُقٌّ وَأَنْتَ بِذِكْرِهِ مُتَهَاوِنُ إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَا تُؤَامِرُ مَنْ أَتَتْ فِي نَفْسِهِ يَوْمًا وَلَا تَسْتَأْذِنُ وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - وَهُوَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ - جَرَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ الرَّوَافِضِ وَالسُّنَّةِ ، وَاقْتَتَلُوا ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَاسْتَظْهَرَ أَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ ، وَخَرَّقُوا أَعْلَامَ السُّلْطَانِ ، فَقُتِلَ جَمَاعَةٌ اتُّهِمُوا بِفِعْلِ ذَلِكَ ، وَصُلِبُوا عَلَى الْقَنْطَرَةِ لِيَرْتَدِعَ أَمْثَالُهُمْ . وَفِيهَا ظَهَرَ أَبُو الْفُتُوحِ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعُلْوِيُّ أَمِيرُ مَكَّةَ وَادَّعَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ ، وَسَمَّى نَفْسَهُ الرَّاشِدَ بِاللَّهِ ، فَمَالَأَهُ أَهْلُ مَكَّةَ وَحَصَلَ لَهُ أَمْوَالٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْصَى لَهُ بِهَا ، فَانْتَظَمَ أَمْرُهُ بِسَبَبِهَا ، وَتَقَلَّدَ سَيْفًا وَزَعَمَ أَنَّهُ ذُو الْفَقَارِ ، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ قَضِيبًا زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَصَدَ بِلَادَ الرَّمْلَةِ لِيَسْتَعِينَ بِعَرَبِ الشَّامِ فَتَلَقَّوْهُ بِالرَّحْبِ وَقَبَّلُوا لَهُ الْأَرْضَ ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَظْهَرَ الْأَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ . ثُمَّ إِنَّ الْحَاكِمَ صَاحِبَ مِصْرَ - وَكَانَ قَدْ قَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - كَتَبَ إِلَى عَرَبِ الشَّامِ مُلَطَّفَاتٍ ، وَوَعَدَهُمْ مِنَ الذَّهَبِ بِأُلُوفٍ وَمِئَاتٍ ، وَكَذَلِكَ إِلَى عَرَبِ الْحِجَازِ ، وَاسْتَنَابَ عَلَى مَكَّةَ أَمِيرًا ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِجَارِيَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَانْتَظَمَ أَمْرُ الْحَاكِمِ ، وَتَمَزَّقَ أَمْرُ الرَّاشِدِ ، وَتَسَحَّبَ إِلَى بِلَادِهِ كَمَا بَدَأَ مِنْهَا ، وَعَادَ إِلَيْهَا ، وَكَانَ عَوْدُهُ إِلَيْهَا كَمَا رَحَلَ عَنْهَا ، وَاضْمَحَلَّ حَالُهُ ، وَانْتَقَضَتْ حِبَالُهُ ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ رِجَالُهُ ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية