الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَفِيهَا وَلَّى بَهَاءُ الدَّوْلَةِ الشَّرِيفَ أَبَا أَحْمَدَ الْحُسَيْنَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى الْمُوسَوِيَّ قَضَاءَ الْقُضَاةِ وَالْحَجَّ وَالْمَظَالِمَ وَنِقَابَةَ الطَّالِبِيِّيِنَ ، وَلُقِّبَ بِالطَّاهِرِ الْأَوْحَدِ ذِي الْمَنَاقِبِ ، وَكَانَ التَّقْلِيدُ لَهُ بِشِيرَازَ ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى بَغْدَادَ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْخَلِيفَةُ الْقَادِرُ فِي قَضَاءِ الْقُضَاةِ ، فَتَوَقَّفَ حَالُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ . وَفِيهَا مَلَكَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ وَاصِلٍ بِلَادَ الْبَطِيحَةِ ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا مُهَذِّبَ الدَّوْلَةِ فَقَصَدَهُ زَعِيمُ الْجُيُوشِ لِيَأْخُذَهَا مِنْهُ ، فَهَزَمَهُ ابْنُ وَاصِلٍ وَنَهَبَ أَمْوَالَهُ وَحَوَاصِلَهُ ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا أَصَابَ فِي خَيْمَةِ الْخِزَانَةِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ وَخَمْسُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ . وَفِيهَا خَرَجَ الرَّكْبُ الْعِرَاقِيُّ فِي جَحْفَلٍ كَبِيرٍ وَتَجَمُّلٍ كَثِيرٍ ، فَاعْتَرَضَهُمُ الْأُصَيْفِرُ أَمِيرُ الْأَعْرَابِ لِيَنْهَبَهُمْ ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ بِشَابَّيْنِ قَارِئَيْنِ مُجِيدَيْنِ كَانَا مَعَهُمْ - يُقَالُ لَهُمَا : أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الرَّفَّاءِ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الدَّجَاجِيِّ ، وَكَانَا مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ قِرَاءَةً - لِيُكَلِّمَاهُ فِي شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنَ الْحَجِيجِ ، وَيُطْلِقُ سَرَاحَهُمْ ; لِيُدْرِكُوا الْحَجَّ ، فَلَمَّا جَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ قَرَآ جَمِيعًا عَشْرًا بِأَصْوَاتٍ هَائِلَةٍ مَطْبُوعَةٍ ، فَأَدْهَشَهُ ذَلِكَ وَأَعْجَبَهُ جِدًّا ، وَقَالَ لَهُمَا : كَيْفَ عَيْشُكُمَا بِبَغْدَادَ ؟ فَقَالَا : بِخَيْرٍ ، لَا يَزَالُ النَّاسُ يُكْرِمُونَنَا وَيَبْعَثُونَ إِلَيْنَا بِالذَّهَبِ وَالدَّرَاهِمِ وَالتُّحَفِ ، فَقَالَ : هَلْ أَطْلَقَ لَكُمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ ؟ فَقَالَا : لَا ، وَلَا أَلْفَ دِينَارٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ؟! ، قَالَ : فَإِنِّي أُطْلِقُ لَكُمَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ . فَأَطْلَقَ بِسَبَبِهِمَا الْحَجِيجَ ، فَلَمْ يَعْرِضْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَذَهَبَ النَّاسُ ، وَهُمْ سَالِمُونَ شَاكِرُونَ لِذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ الْمُقْرِئَيْنِ . وَلَمَّا وَقَفَ النَّاسُ بِعَرَفَاتٍ قَرَأَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ قِرَاءَةً عَظِيمَةً عَلَى جَبَلِ الرَّحْمَةِ ، فَضَجَّ النَّاسُ مِنْ سَائِرِ الرُّكُوبِ لِقِرَاءَتِهِمَا ، وَقَالُوا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ : مَا كَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مَعَكُمْ بِهَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يُصَابَا جَمِيعًا ، بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَخْرُجُوا بِأَحَدِهِمَا ، فَإِذَا أُصِيبَ سَلِمَ الْآخَرُ . وَكَانَتِ الْحُجَّةُ وَالْخُطْبَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا لِلْمِصْرِيِّينَ كَمَا هِيَ لَهُمْ مِنْ سِنِينَ مُتَقَدِّمَةٍ . وَقَدْ كَانَ أَمِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ سَرِيعًا إِلَى بَغْدَادَ عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّتِي جَاءُوا مِنْهَا ، وَأَنْ لَا يَسِيرَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ ; خَوْفًا مِنَ الْأَعْرَابِ ، وَكَثْرَةِ الْخِفَارَاتِ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ ، فَوَقَفَ هَذَانِ الْقَارِئَانِ عَلَى جَادَّةِ الطَّرِيقِ الَّتِي مِنْهَا يُعْدَلُ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ ، وَقَرَآ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [ التَّوْبَةِ : 120 ] الْآيَاتِ . فَضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ ، وَأَمَالَتِ النُّوقُ أَعْنَاقَهَا نَحْوَهُمَا ، فَمَالَ النَّاسُ وَالْأَمِيرُ بِأَجْمَعِهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ ، فَزَارُوا وَعَادُوا سَالِمِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ . وَلَمَّا رَجَعَ هَذَانِ الْقَارِئَانِ رَتَّبَهُمَا وَلِيُّ الْأَمْرِ مَعَ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبُهْلُولِ - وَكَانَ مُقْرِئًا مُجِيدًا أَيْضًا - لِيُصَلُّوا بِالنَّاسِ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فِي رَمَضَانَ ، فَكَثُرَ الْجَمْعُ وَرَاءَهُمْ لِحُسْنِ تِلَاوَتِهِمْ ، وَكَانُوا يَتَنَاوَبُونَ فِي الْإِمَامَةِ . وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ الْبُهْلُولِ يَوْمًا فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ قَوْلَهُ تَعَالَى : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [ الْحَدِيدِ : 16 ] فَنَهَضَ إِلَيْهِ رَجُلٌ صُوفِيٌّ ، وَهُوَ يَتَمَايَلُ ، فَقَالَ : كَيْفَ قُلْتَ ؟ فَأَعَادَ الْآيَةَ ، فَقَالَ الصُّوفِيُّ : بَلَى وَاللَّهِ ، وَسَقَطَ مَيِّتًا رَحِمَهُ اللَّهُ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَكَذَلِكَ وَقَعَ لِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْخَشَّابِ شَيْخِ ابْنِ الرَّفَّا ، وَكَانَ تِلْمِيذًا لِأَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَدَمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَكَانَ جَيِّدَ الْقِرَاءَةِ حَسَنَ الصَّوْتِ أَيْضًا ، قَرَأَ ابْنُ الْخَشَّابِ لَيْلَةً فِي جَامِعِ الرُّصَافَةِ فِي الْإِحْيَاءِ هَذِهِ الْآيَةَ : أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ فَتَوَاجَدَ رَجُلٌ صُوفِيٌّ ، وَقَالَ : بَلَى وَاللَّهِ قَدْ آنَ . وَجَلَسَ وَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا ، ثُمَّ سَكَتَ سَكْتَةً ، فَحَرَّكُوهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية