الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي سَادِسِ الْمُحَرَّمِ اسْتَسْقَى أَهْلُ بَغْدَادَ لِتَأَخُّرِ الْمَطَرِ عَنْ أَوَانِهِ ، فَلَمْ يُسْقَوْا ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ فِي النَّاسِ . وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ عَمِلَتِ الرَّوَافِضُ الْبِدْعَةَ الشَّنْعَاءَ ، وَكَثُرَ النَّوْحُ وَالْبُكَاءُ ، وَامْتَلَأَتْ بِذَلِكَ الطُّرُقَاتُ وَالْأَسْوَاقُ وَالْأَرْجَاءُ . وَفِي صَفَرٍ أُمِرَ النَّاسُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ لِقُحُوطِ الْأَمْطَارِ ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ بِاتِّسَاعِهَا مِائَةُ إِنْسَانٍ فِي الْجَوَامِعِ كُلِّهَا . وَفِيهَا وَقَعَ بَيْنَ الْجَيْشِ وَبَيْنَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ ، فَاتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى خُرُوجِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ ، فَرَدَّ كَثِيرًا مِنْ جَوَارِيهِ إِلَى أُسْتَاذِهِنَّ قَبْلَهُ ، وَاسْتَبْقَى بَعْضَهُنَّ مَعَهُ ، وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ سَادِسِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا ، وَكَتَبَ الْغِلْمَانُ الْأَسْفَهْسِلَارِيَّةُ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ ; لِيُقْدِمَ عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا قَدِمَ تَمَهَّدَتِ الْبِلَادُ ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِنَادِ وَالْإِلْحَادِ ، وَنَهَبُوا دَارَ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَغَيْرَهَا ، وَتَأَخَّرَ مَجِيءُ أَبِي كَالِيجَارَ ، وَذَلِكَ أَنَّ وَزِيرَهُ الْعَادِلَ بْنَ مَافَنَّةَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْقُدُومِ إِلَى بَغْدَادَ فَكَثُرَ الْعَيَّارُونَ بِبَغْدَادَ ، وَتَفَاقَمَ الْحَالُ بِهِمْ ، وَفَسَدَ الْبَلَدُ ، وَافْتَقَرَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ بِحَيْثُ إِنَّهُ احْتَاجَ إِلَى أَنْ بَاعَ بَعْضَ ثِيَابِهِ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَجَعَلَ أَبُو كَالِيجَارَ يَتَوَهَّمُ مِنَ الْأَتْرَاكِ ، وَيَطْلُبُ مِنْهُمْ رَهَائِنَ ، فَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ ، وَطَالَ الْفَصْلُ ، فَرَجَعُوا إِلَى مُكَاتَبَةِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَلَدِهِ ، وَشَرَعُوا فِي الِاعْتِذَارِ إِلَيْهِ ، وَخَطَبُوا لَهُ فِي الْبَلَدِ عَلَى عَادَتِهِ ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَى بَغْدَادَ ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ الرُّسُلَ إِلَى الْمَلِكِ أَبِي كَالِيجَارَ ، وَمِمَّنْ بَعَثَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، وَيَسْتَوْحِشُ مِنْهُ ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَحَمَّلَ أَمْرًا عَظِيمًا ، فَسَأَلَ أَنْ يُلَقَّبَ بِالسُّلْطَانِ الْمُعَظَّمِ مَالِكِ الْأُمَمِ ، فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : هَذَا لَا يُمْكِنُ ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ الْمُعَظَّمَ الْخَلِيفَةُ ، وَكَذَلِكَ مَالِكُ الْأُمَمِ . ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى تَلْقِيبِهِ بِمَلِكِ الدَّوْلَةِ ، فَأَرْسَلَ مَعَ الْمَاوَرْدِيِّ تُحَفًا عَظِيمَةً ; مِنْهَا أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ سَابُورِيَّةٍ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الدَّرَاهِمِ آلَافٌ ، وَتُحَفٌ وَأَلْطَافٌ . وَاجْتَمَعَ الْجُنْدُ عَلَى طَلَبِ أَرْزَاقِهِمْ مِنَ الْخَلِيفَةِ ، فَتَعَذَّرَ ذَلِكَ ، فَرَامُوا أَنْ يَقْطَعُوا خُطْبَتَهُ ، فَلَمْ تُصَلَّ الْجُمُعَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، ثُمَّ خُطِبَ لَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ الْقَابِلَةِ ، وَتَخَبَّطَ الْبَلَدُ جِدًّا وَكَثُرَ الْعَيَّارُونَ . ثُمَّ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ حَلَفَ الْخَلِيفَةُ لِجَلَالِ الدَّوْلَةِ بِخُلُوصِ النِّيَّةِ وَصَفَائِهَا ، وَأَنَّهُ عَلَى مَا يُحِبُّ مِنَ الصِّدْقِ وَصَلَاحِ النِّيَّةِ وَالسَّرِيرَةِ ، ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُمَا بِسَبَبِ لَعِبِ جَلَالِ الدَّوْلَةِ وَشُرْبِهِ النَّبِيذَ وَتَهَتُّكِهِ بِهِ ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَاصْطَلَحَا عَلَى فَسَادٍ . وَفِي رَجَبٍ غَلَتِ الْأَسْعَارُ جِدًّا بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَرَاضِي الْعِرَاقِ ، وَلَمْ يَحُجَّ أَحَدٌ مِنْهَا . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ مُوتَانٌ عَظِيمٌ بِبِلَادِ الْهِنْدِ وَغَزْنَةَ وَخُرَاسَانَ وَجُرْجَانَ وَالرَّيِّ وَأَصْبَهَانَ ، خَرَجَ مِنْهَا فِي أَدْنَى مُدَّةٍ أَرْبَعُونَ أَلْفَ جِنَازَةٍ ، وَفِي نَوَاحِي الْجَبَلِ وَالْمَوْصِلِ وَبَغْدَادَ طَرَفٌ قَوِيٌّ مِنْ ذَلِكَ بِالْجُدَرِيِّ ، بِحَيْثُ لَمَّ تَخْلُ دَارٌ مِنْ مُصَابٍ بِهِ ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِي حَزِيرَانَ وَتَمُّوزَ وَآبَ وَأَيْلُولَ وَتِشْرِينَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، وَكَانَ فِي الصَّيْفِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الْخَرِيفِ . قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ " . وَقَدْ رَأَى رَجُلٌ فِي مَنَامِهِ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُنَادِيًا يُنَادِي بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ : يَا أَهْلَ أَصْبَهَانَ سَكَتَ ، نَطَقَ ، سَكَتَ ، نَطَقَ . فَانْتَبَهَ الرَّجُلُ مَذْعُورًا ، فَلَمْ يَدْرِ أَحَدٌ تَأْوِيلَهَا ، حَتَّى قِيلَ ذَلِكَ لِرَجُلٍ لَبِيبٍ ، فَقَالَ : احْذَرُوا يَا أَهْلَ أَصْبَهَانَ فَإِنِّي قَرَأْتُ فِي شِعْرِ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ قَوْلَهُ : سَكَتَ الدَّهْرُ زَمَانًا عَنْهُمُ ثُمَّ أَبْكَاهُمُ دَمًا حِينَ نَطَقْ فَمَا كَانَ غَيْرَ قَلِيلٍ حَتَّى جَاءَ الْمَلِكُ مَسْعُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا ، حَتَّى قَتَلَ النَّاسَ فِي الْجَوَامِعِ . وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفَرَ الْمَلِكُ أَبُو كَالِيجَارَ بِالْخَادِمِ صَنْدَلٍ ، فَقَتَلَهُ ، وَكَانَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى الِاسْمِ ، فَاسْتَرَاحَ مِنْهُ . وَفِيهَا مَاتَ مَلِكُ التُّرْكِ الْكَبِيرُ صَاحِبُ بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَاسْمُهُ قَدْرَخَانُ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية