الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
فَصْلٌ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ مُبَيِّنًا لِلْإِجْمَالِ اعْلَمْ أَنَّ الْكِتَابَ هُوَ الْقُرْآنُ الْمَتْلُوُّ ؛ وَهُوَ إِمَّا نَصٌّ ، وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ( الْبَقَرَةِ : 196 ) وَإِمَّا ظَاهِرٌ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى مَعَ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ . وَالرَّافِعُ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ قَرَائِنُ لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ ، وَاللَّفْظِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَى مُتَّصِلَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ ، أَمَّا الْمُتَّصِلَةُ فَنَوْعَانِ : نَوْعٌ يَصْرِفُ اللَّفْظَ إِلَى غَيْرِ الِاحْتِمَالِ الَّذِي لَوْلَا الْقَرِينَةُ لِحُمِلَ عَلَيْهِ ، وَيُسَمَّى تَخْصِيصًا وَتَأْوِيلًا . وَنَوْعٌ يَظْهَرُ بِهِ الْمُرَادُ مِنَ اللَّفْظِ ، وَيُسَمَّى بَيَانًا . فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَحَرَّمَ الرِّبَا ( الْبَقَرَةِ : 275 ) فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ - : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ( الْبَقَرَةِ : 275 ) الْبَعْضُ دُونَ الْكُلِّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرٌ بِأَصْلِ الْوَضْعِ ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الِاحْتِمَالِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ . وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلٌ بِإِجْمَالِ الْبَيْعِ ؛ لِأَنَّ الرِّبَا مُجْمَلٌ ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْبَيْعِ ، وَاسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمَعْلُومِ يَعُودُ بِالْإِجْمَالِ عَلَى أَصْلِ الْكَلَامِ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ فَإِنَّ الرِّبَا عَامٌّ فِي الزِّيَادَاتِ كُلِّهَا ، وَكَوْنُ الْبَعْضِ غَيْرَ مُرَادٍ نَوْعُ تَخْصِيصٍ ، فَلَا تَتَغَيَّرُ بِهِ دَلَالَةُ الْأَوْضَاعِ . وَمِثَالُ النَّوْعِ الثَّانِي قَوْلُهُ - تَعَالَى - : مِنَ الْفَجْرِ ( الْبَقَرَةِ : 187 ) فَإِنَّهُ فَسَّرَ مُجْمَلَ قَوْلِهِ - تَعَالَى - : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ( الْبَقَرَةِ : 187 ) إِذْ لَوْلَا : مِنَ الْفَجْرِ لَبَقِيَ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ عَلَى تَرَدُّدِهِ وَإِجْمَالِهِ . وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانَ يَرْبِطُ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ ، وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ لَوْنُهُمَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - بَعْدَ ذَلِكَ : مِنَ الْفَجْرِ فَعَلِمُوا أَنَّهُ أَرَادَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارِ . وَأَمَّا اللَّفْظِيَّةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَنَوْعَانِ أَيْضًا : تَأْوِيلٌ وَبَيَانٌ . فَمِثَالُ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ( الْبَقَرَةِ : 230 ) فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ( الْبَقَرَةِ : 229 ) الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ ، إِذْ لَوْلَا هَذِهِ الْقَرِينَةُ لَكَانَ الْكُلُّ مُنْحَصِرًا فِي الطَّلْقَتَيْنِ ، وَهَذِهِ الْقَرِينَةُ وَإِنْ كَانَتْ مَذْكُورَةً فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الطَّلْقَتَيْنِ ، إِلَّا أَنَّهَا جَاءَتْ فِي آيَةٍ أُخْرَى ، فَلِهَذَا جُعِلَتْ مِنْ قِسْمِ الْمُنْفَصِلَةِ . وَمِثَالُ الثَّانِي قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ( الْقِيَامَةِ : 22 وَ 23 ) فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الرُّؤْيَةِ وَيُفَسَّرُ بِهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ( الْأَنْعَامِ : 103 ) حَيْثُ كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ أَصْلًا ، وَبَيْنَ نَفْيِ الْإِحَاطَةِ ، وَالْحَصْرِ دُونَ أَصْلِ الرُّؤْيَةِ . وَأَيْضًا قَوْلُهُ - تَعَالَى - : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( الْمُطَفِّفِينَ : 15 ) فَإِنَّهُ لَمَّا حَجَبَ الْفُجَّارَ عَنْ رُؤْيَتِهِ خِزْيًا لَهُمْ دَلَّ عَلَى إِثْبَاتِهَا لِلْأَبْرَارِ ، وَارْتَفَعَ بِهِ الْإِجْمَالُ فِي قَوْلِهِ : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ( الْأَنْعَامِ : 103 ) . وَأَمَّا الْقَرَائِنُ الْمَعْنَوِيَّةُ فَلَا تَنْحَصِرُ وَمِنْ مِثْلِهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى - : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ( الْبَقَرَةِ : 228 ) فَإِنَّ صِيغَتَهُ صِيغَةُ الْخَبَرِ ؛ وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، فَإِنَّهُنَّ قَدْ لَا يَتَرَبَّصْنَ ، فَيَقَعُ خَبَرُ اللَّهِ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ ، وَهُوَ مُحَالٌ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْقَرِينَةِ حَمْلَ الصِّيغَةِ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ صِيَانَةً لِكَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَنِ احْتِمَالِ الْمُحَالِ . وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِيمَا وَرَدَ مِنْ صِيغَةِ الْخَبَرِ ؛ وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَمْرُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية