الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                          مؤطأ مالك وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرِيلَ قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ قَالَ مَالِكٌ لَا أَحْسِبُهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ شرح الزرقاني 1778 1730 - ( مَالِكٌ عَنْ سُهَيْلِ ) - بِضَمِّ السِّينِ - ( ابْنِ أَبِي صَالِحٍ ) ذَكْوَانَ ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ ) ، أَيْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَرَادَ بِهِ خَيْرًا وَهَدَاهُ وَوَفَّقَهُ ، قَالَ عِيَاضٌ : الْمَحَبَّةُ : الْمَيْلُ وَهُوَ عَلَى اللَّهِ مُحَالٌ ، فَالْمَعْنَى إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ ، وَإِيصَالُهُ إِلَيْهِ ، انْتَهَى . فَيَرْجِعُ الْأَوَّلُ إِلَى صِفَةِ مَعْنًى ، هِيَ الْإِرَادَةُ ، وَالثَّانِي إِلَى صِفَةِ فِعْلٍ ، هِيَ الْإِيصَالُ . ( قَالَ لِجِبْرِيلَ : قَدْ أَحْبَبْتُ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ) أَنْتَ يَا جِبْرِيلُ ، بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ ، وَكَسْرِ الْحَاءِ ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، ثَقِيلَةٍ بِإِدْغَامِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ ، وَالْأَصْلُ : فَأَحْبِبْهُ . ( فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي ) بِأَمْرِ اللَّهِ ، إِذْ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا مَا يُؤْمَرُونَ ( فِي أَهْلِ السَّمَاءِ ) ، زَادَ فِي مُسْلِمٍ : فَيَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ) ، مَا قَابَلَ الْأَرْضَ ، فَالْمُرَادُ : السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ . قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا إِعْلَامٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ ، وَأَمْرُهُ الْمَلَائِكَةَ بِذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِهِ وَتَشْرِيفٌ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَلَأِ الْكَرِيمِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ . قَالَ عِيَاضٌ : مَحَبَّةُ جِبْرِيلَ ، وَالْمَلَائِكَةِ تَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ مِنَ الْمَيْلِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا ثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ ، وَاسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ . ( ثُمَّ يَضَعُ لَهُ الْقَبُولَ ) - بِفَتْحِ الْقَافِ - : الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَى ، وَمَيْلُ النَّفْسِ ( فِي ) أَهْلِ ( الْأَرْضِ ) ، أَيْ يُحْدِثُ لَهُ فِي الْقُلُوبِ مَوَدَّةً ، وَيَزْرَعُ لَهُ فِيهَا مَهَابَةً ، فَتُحِبُّهُ الْقُلُوبُ ، وَتَرْضَى عَنْهُ النُّفُوسُ مِنْ غَيْرِ تَوَدُّدٍ مِنْهُ ، وَلَا تَعَرُّضٍ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا مَوَدَّاتِ الْقُلُوبِ مِنْ قَرَابَةٍ ، أَوْ صَدَاقَةٍ ، أَوِ اصْطِنَاعِ مَعْرُوفٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِرَاعٌ مِنْهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً ، تَخْصِيصًا مِنْهُ لِأَوْلِيَائِهِ بِكَرَامَةٍ خَاصَّةٍ ، كَمَا يَقْذِفُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ الرُّعْبَ وَالْهَيْبَةَ إِعْظَامًا لَهُمْ ، وَإِجْلَالًا لِمَكَانِهِمْ ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ : وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ : إِنَّ اللَّهَ يَبْتَدِئُ الْمَحَبَّةَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَالْقُرْآنُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ) ( سورة مَرْيَمَ : الْآيَةُ 96 ) ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : يُحِبُّهُمْ وَيُحَبِّبُهُمْ إِلَى النَّاسِ ، انْتَهَى . قَالَ بَعْضُهُمْ : وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَيَنْشَأُ عِنْدَهُمْ هَيْبَتُهُ وَإِعْزَازُهُمْ لَهُ : ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) ( سورة الْمُنَافِقُونَ : الْآيَةُ 8 ) ، قَالَ الْأَبِيُّ : وَلَا يُشْكَلُ عَلَى الْحَدِيثِ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ لَا يَعْرِفُ فَضْلًا عَنْ وَضْعِ الْقَبُولِ لَهُ بِدَلِيلِ خَبَرِ : رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى إِذَا أَحَبَّهُ قَدْ يَضَعُ ، فَالْقَضِيَّةُ مُهْمَلَةٌ فِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ ; لِأَنَّ " إِذَا وَإِنْ " إِهْمَالٌ فِي الشَّرْطِيَّاتِ ، لَا كُلِّيَّةٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْمَنْطِقِ . ( وَإِذَا أَبْغَضَ اللَّهُ الْعَبْدَ ) ، أَيْ أَرَادَ بِهِ شَرًّا وَأَبْعَدَهُ عَنِ الْهِدَايَةِ ، ( قَالَ مَالِكٌ : لَا أَحْسِبُهُ ) ، لَا أَظُنُّ سُهَيْلًا ( إِلَّا قَالَ فِي الْبُغْضِ مِثْلَ ذَلِكَ ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ جَمَاعَةٌ لَمْ يَشُكُّوا ، مِنْهُمْ : مَعْمَرٌ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْبُغْضَ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ بِسَنَدِهِ فَقَالَ : " وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ : إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ : إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ فَيُبْغِضُونَهُ ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ " ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ الْقَارِيِّ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَالْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ : كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ بْنِ الْمُسَيَّبِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْبُغْضِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ : كُنَّا بِعَرَفَةَ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، فَقُلْتُ لِأَبِي : يَا أَبَتِ إِنِّي أَرَى اللَّهَ يُحِبُّ عُمَرَ ، قَالَ وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ : لِمَا لَهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ ، قَالَ : بِأَبِيكَ ! أَنْتَ سَمِعْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ بِدُونِ ذِكْرِ الْبُغْضِ .

                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                          الخدمات العلمية