الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 813 - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ - وَفِي رِوَايَةً : كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ - كَبَّرَ ، ثُمَّ قَالَ : " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِذَلِكَ أَمَرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ . اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي ، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا ، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا ، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ وَإِذَا رَكَعَ قَالَ : " اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي ، وَبَصَرِي ، وَمُخِّي ، وَعَظْمِي ، وَعَصَبِي " ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ : " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ " وَإِذَا سَجَدَ قَالَ : " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصُوَّرَهُ ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ " ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ ، وَمَا أَسْرَفْتُ ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ : " وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ، وَلَا مَنْجَى مِنْكَ وَلَا مَلْجَأَ إِلَّا إِلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ . مرقاة المفاتيح 813 - ( وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ) : قِيلَ أَيِ النَّافِلَةِ لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : " إِذَا قَامَ يُصَلِّي تَطَوُّعًا " الْآتِيَةِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ : كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ ، وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ كَانَ إِذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ الْفَرِيضَةَ ، إِطْلَاقُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ ؛ وَلِذَا أَجَابَ الْبَعْضُ بِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ ، ( وَفِي رِوَايَةٍ : كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ ، ثُمَّ قَالَ : " وَجَّهْتُ ) : وَفِي حَذْفِ إِنِّي إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْقِرَاءَةَ ( وَجْهِي ) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ تَوَجَّهْتُ بِالْعِبَادَةِ بِمَعْنَى أَخْلَصْتُ عِبَادَتِي لِلَّهِ ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ ، وَقِيلَ : صَرَفْتُ وَجْهِي وَعَمَلِي وَنِيَّتِي ، أَوْ أَخْلَصْتُ قَصْدِي وَوُجْهَتِي ، وَيَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي عِنْدَ تَلَفُّظِهِ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْحُضُورِ وَالْإِخْلَاصِ ، وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا ، وَأَقْبَحُ الْكَذِبِ مَا يَكُونُ وَالْإِنْسَانُ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ ، ( لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) : أَيْ إِلَى الَّذِي خَلَقَهُمَا وَعَمِلَهُمَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ ، وَأَعْرَضْتُ عَمَّا سِوَاهُ ، فَإِنَّ مَنْ أَوْجَدَ مِثْلَ هَذِهِ الْمُحْدَثَاتِ الَّتِي هِيَ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْإِبْدَاعِ وَالْإِتْقَانِ حَقِيقٌ بِأَنْ تَتَوَجَّهَ الْوُجُوهُ إِلَيْهِ ، وَأَنْ تُعَوِّلَ الْقُلُوبُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهَا عَلَيْهِ ، وَلَا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهِ ، وَلَا يَرْجُو إِلَّا دَوَامَ رِضَاهُ وَخَيْرَهُ ، وَإِنَّمَا جَمَعَ السَّمَاوَاتِ لِسَعَتِهَا ، أَوْ لِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِهَا ، أَوْ لِتَقَدُّمِ وَجُودِهَا ، أَوْ لِشَرَفِ جِهَتِهَا ، أَوْ لِفَضِيلَةِ جُمْلَةِ سُكَّانِهَا ، أَوْ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَإِلَّا فَالْأَرْضُ سَبْعٌ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ وَلِمَا وَرَدَ : وَرَبُّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ ( حَنِيفًا ) : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ وَجَّهْتُ ، أَيْ : مَائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ ثَابِتًا عَلَيْهِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ غَلَبَ عَلَى مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقِيلَ هُوَ الْمُسْلِمُ الْمُسْتَقِيمُ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ مَائِلًا عَنِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ وَالْآرَاءِ الزَّائِغَةِ مِنَ الْحَنَفِ ، وَهُوَ الْمَيْلُ يَعْنِي أَصْلُهُ الْمَيْلُ الْمُطْلَقُ ، ثُمَّ نُقِلَ فِي الْعُرْفِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ ، عَكْسُ الْإِلْحَادِ ، فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ لِمُطْلَقِ الْمَيْلِ ، وَمِنْهُ اللَّحْدُ ، وَفِي الْعُرْفِ الْمَيْلُ مِنَ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ، أَوْ مَائِلًا عَنْ كُلِّ جِهَةٍ وَقَصْدٍ إِلَى الْحُضُورِ وَالْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَةِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، فَهُوَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَتِهِ مُسْلِمًا بَعْدَ حَنِيفًا ، أَيْ : مُنْقَادًا مُطِيعًا لِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) : فِيهِ تَأْكِيدٌ وَتَعْرِيضٌ ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ أَوْ تَأْسِيسٌ بِجَعْلِ النَّفْيِ عَائِدًا إِلَى سَائِرِ الشِّرْكِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ ، لَكِنْ لَا يَسُوغُ هَذَا إِلَّا لِلْخَوَاصِّ فِي بَعْضِ الْمُنَازَلَاتِ ( إِنَّ صَلَاتِي ) ، أَيْ : عِبَادَتِي وَصَلَاتِي ، وَفِيهِ شَائِبَةُ تَعْلِيلٍ لِمَا قَبْلَهُ ( وَنُسُكِي ) ، أَيْ : دِينِي ، وَقِيلَ : عِبَادَتِي ، أَوْ تَقَرُّبِي ، أَوْ حَجِّي ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( وَمَحْيَايَ ) : بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ ، أَيْ : حَيَاتِي ( وَمَمَاتِي ) : بِالسُّكُونِ وَالْفَتْحِ ، أَيْ : مُوتِي ( لِلَّهِ ) ، أَيْ : هُوَ خَالِقُهُمَا وَمُقَدِّرُهُمَا ، وَقِيلَ : طَاعَاتِ الْحَيَاةِ وَالْخَيْرَاتِ الْمُضَافَةَ إِلَى الْمَمَاتِ كَالْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ أَوْ حَيَاتِي وَمَوْتِي لِلَّهِ لَا تَصَرُّفَ لِغَيْرِهِ فِيهِمَا ، أَوْ مَا أَنَا عَلَيْهِ مِنَ الْعِبَادَةِ فِي حَيَاتِي ، وَمَا أَمُوتُ خَالِصَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ أَوْ إِرَادَتِي مِنَ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ خَالِصَةٌ لِذِكْرِهِ وَحُضُورِهِ وَقُرْبِهِ ، وَلِلرِّضَا بِأَمْرِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، أَوْ جَمِيعَ أَحْوَالِي حَيَاتِي وَمَمَاتِي وَمَا بَعْدَهُ لِلَّهِ ( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ ، أَيْ : مَالِكِهِمْ وَمُرَبِّيهِمْ وَهُمْ مَا سِوَى اللَّهِ عَلَى الْأَصَحِّ ( لَا شَرِيكَ لَهُ ) : فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ( وَبِذَلِكَ ) ، أَيْ : بِالتَّوْحِيدِ الْكَامِلِ وَالشَّامِلِ لِلْإِخْلَاصِ قَوْلًا وَاعْتِقَادًا ( أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ، أَيِ : الْمُنْقَادِينَ وَالْمُطِيعِينَ لِلَّهِ ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَسَيَأْتِي رِوَايَةُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ تِلْكَ تَارَةً وَهَذِهِ أُخْرَى ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مُسْلِمِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، بَلْ جَاءَ أَنَّ النُّورَ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ سَبَقَ إِيجَادُهُ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلْقِ بِأَزْمِنَةٍ طَوِيلَةٍ وَالسُّنَةُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ الْأُولَى لَا غَيْرُ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْآيَةَ ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا وَرَدَ مِنَ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ لِحَمْلِهِ عَلَى التَّغْلِيبِ أَوْ إِرَادَةِ الْأَشْخَاصِ ( اللَّهُمَّ ) ، أَيْ : يَا اللَّهُ ، وَالْمِيمُ بَدَلٌ عَنْ حَرْفِ النِّدَاءِ ؛ وَلِذَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِلَّا فِي الشِّعْرِ ( أَنْتَ الْمَلِكُ ) : لَا مُلْكَ وَلَا مِلْكَ لِغَيْرِهِ ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ) ، أَيْ : أَنْتَ الْمُنْفَرِدُ بِالْأُلُوهِيَّةِ ( أَنْتَ رَبِّي ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ ، وَقَالَ مِيرَكُ فِي قَوْلِهِ : لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ بَعْدَ إِثْبَاتِ الْمُلْكِ لَهُ كَذَلِكَ فِي أَنْتَ الْمَلِكُ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الْخَبَرِ بِاللَّامِ تَرَقِّيًا مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى طِبْقَ قَوْلِهِ : مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ الرُّبُوبِيَّةَ فِي قَوْلِهِ : أَنْتَ رَبِّي لِتَخْصِيصِ الصِّفَةِ وَتَقْيِيدِهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ وَإِخْرَاجِهَا عَنِ الْإِطْلَاقِ ( وَأَنَا عَبْدُكَ ) : اعْتِرَافٌ لَهُ تَعَالَى بِالرُّبُوبِيَّةِ وَلِنَفْسِهِ ، بِالْعُبُودِيَّةِ ( ظَلَمْتُ نَفْسِي ) ، أَيْ : بِالْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أَوْ بِوَضْعِ مَحَبَّةِ الْغَيْرِ فِي قَلْبِي ( وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي ) : أَيْ بِعَمَلِي خِلَافَ الْأَوْلَى أَوْ بِوُجُودِي الَّذِي مَنْشَأُ ذَنْبِي ، كَمَا قِيلَ : وَجُودُكَ ذَنْبٌ لَا يُقَاسُ بِهِ ذَنْبٌ ( فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي ) ، أَيْ : تَقْصِيرَاتِي ( جَمِيعًا إِنَّهُ ) : بِالْكَسْرِ اسْتِئْنَافٌ فِيهِ مَعْنَى التَّعْلِيلِ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ ( لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ) ، أَيْ : جَمِيعَهَا ( إِلَّا أَنْتَ ) : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفَّارُ الْغَفُورُ ( وَاهْدِنِي ) ، أَيْ : دُلَّنِي وَوَفِّقْنِي وَثَبِّتْنِي وَأَوْصِلْنِي ( لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ ) : فِي عِبَادَتِكَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ ( لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ ) : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْهَادِي الْمُطْلَقُ وَعَجْزُ الْخَلْقِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ ( وَاصْرِفْ عَنِّي ) ، أَيْ : أَبْعِدْنِي وَامْنَعْنِي وَاحْفَظْنِي ( سَيِّئَهَا ) : أَيْ : سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ ( لَا يَصْرِفُ عَنِّي ) : لَا عَنْ غَيْرِي ( سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ ) : فَإِنَّ غَيْرَكَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى شَيْءٍ ( لَبَّيْكَ ) ، أَيْ : أَدُومُ عَلَى طَاعَتِكَ دَوَامًا بَعْدَ دَوَامٍ ، وَقِيلَ أُقِيمُ عَلَى طَاعَتِكَ إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ ، مِنْ أَلَبَّ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ اتِّجَاهِي إِلَيْكَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : دَارِي تُلِبُّ دَارَكَ ، أَيْ : تُوَاجِهُهَا ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُثَنًّى مِنْ لَبَّ أَوْ أَلَبَّ بَعْدَ حَذْفِ الزَّوَائِدِ ، مُضَافٌ إِلَى الْمُخَاطَبِ وَحُذِفَ النُّونُ بِالْإِضَافَةِ ، وَأُرِيدَ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ مِنْ غَيْرِ نِهَايَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ، أَيْ : كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ( وَسَعْدَيْكَ ) ، أَيْ : سَاعَدْتُ طَاعَتَكَ يَا رَبِّ مُسَاعَدَةً بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ ، وَهِيَ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُسَارَعَةُ ، أَوْ أَسْعَدُ بِإِقَامَتِي عَلَى طَاعَتِكَ وَإِجَابَتِي لِدَعْوَتِكَ سَعَادَةً بَعْدَ سَعَادَةٍ ( وَالْخَيْرُ كُلُّهُ ) ، اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَفِعْلًا ( لَيْسَ إِلَيْكَ ) ، أَيْ : فِي تَصَرُّفِكَ ، وَقِيلَ : هُمَا كِنَايَةٌ عَنْ سَعَةِ طُولِهِ وَكَثْرَةِ فَضْلِهِ ، أَوْ عَنْ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ شَيْءٌ إِلَّا عَنْهُمَا ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيِ : الْكُلُّ عِنْدَكَ كَالشَّيْءِ ، وَالْمَوْثُوقُ بِهِ الْمَقْبُوضُ عَلَيْهِ يَجْرِي بِقَضَائِكَ لَا يُدْرَكُ مِنْ غَيْرِكَ مَا لَمْ تَسْبِقْ بِهِ كَلِمَتُكَ ( وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ) ، أَيْ : لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ ، أَوْ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ ، بَلْ إِلَى مَا اقْتَرَفَتْهُ أَيْدِي النَّاسِ مِنَ الْمَعَاصِي ، أَوْ لَيْسَ إِلَيْكَ قَضَاؤُهُ فَإِنَّكَ لَا تَقْضِي الشَّرَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ شَرٌّ ، بَلْ لِمَا يَصْحَبُهُ مِنَ الْفَوَائِدِ الرَّاجِحَةِ ، فَالْمَقْضِيُّ بِالذَّاتِ هُوَ الْخَيْرُ ، وَالشَّرُّ دَاخِلٌ فِي الْقَضَاءِ بِالْعَرَضِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرَّ لَيْسَ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ ، وَقِيلَ : الشَّرُّ لَا يَصْعَدُ إِلَيْكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَقِيلَ : الشَّرُّ لَا يُضَافُ إِلَيْكَ بِحُسْنِ التَّأَدُّبِ ؛ وَلِذَا لَا يُقَالُ : يَا خَالِقَ الْخَنَازِيرِ وَإِنْ خَلَقَهَا ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ مُضِيفًا الْمَرَضَ إِلَى نَفْسِهِ وَالشِّفَاءَ إِلَى رَبِّهِ ، وَالْخَضِرُ أَضَافَ إِرَادَةَ الْغَيْبِ ، وَمَا كَانَ مِنْ بَابِ الرَّحْمَةِ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ : أَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا ، وَفِي هَذَا إِرْشَادٌ إِلَى تَعْلِيمِ الْأَدَبِ كَذَا قَالُوا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ فَتَأَمَّلْ ، فَإِنَّهُ دَقِيقٌ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : تَمَسَّكَ الْمُعْتَزِلَةُ بِهِ فِي نِسْبَةِ الشَّرِّ لِلْعَبْدِ لِتَقْدِيرِهِمْ مُتَعَلِّقَ الْجَارِ مَنْسُوبًا وَهُوَ تَحَكُّمٌ ؛ إِذْ هُوَ كَمَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ تَقْدِيرَهُ مُقَرَّبًا أَوْ مُضَافًا أَوْ صَاعِدًا أَوْ مَنْسُوبًا ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ مَا فَهِمُوهُ ، أَيْ : لَيْسَ الشَّرُّ مَنْسُوبًا إِلَيْكَ عَلَى انْفِرَادِهِ ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْأَدَبِ أَنْ لَا تُضَافَ الْمُحَقَّرَاتُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْتِقْلَالًا بَلْ تَبَعًا ( أَنَا بِكَ ) : أَيْ أَعُوذُ وَأَعْتَمِدُ وَأَلُوذُ وَأَقُومُ بِكَ ( وَإِلَيْكَ ) : أَتَوَجَّهُ وَأَلْتَجِئُ وَأَرْجِعُ وَأَنُوبُ أَوْ بِكَ وَحَّدْتُ وَإِلَيْكَ انْتَهَى أَمْرِي ، فَأَنْتَ الْمَبْدَأُ وَالْمُنْتَهَى ، وَقِيلَ : أَسْتَعِينُ بِكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ ، وَقِيلَ : أَنَا مُوقِنٌ بِكَ وَبِتَوْفِيقِكَ عَلِمْتُ ، وَالْتِجَائِي وَانْتِمَائِي إِلَيْكَ ، أَوْ بِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، أَوْ أَنَا بِكَ إِيجَادًا وَتَوْفِيقًا وَعَلَيْكَ أَلْتَجِئُ وَأَعْتَصِمُ ( تَبَارَكْتَ ) ، أَيْ : تَعَظَّمْتَ وَتَمَجَّدْتَ أَوْ جِئْتَ بِالْبَرَكَةِ أَوْ تَكَاثَرَ خَيْرُكَ وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ لِلدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ ( وَتَعَالَيْتَ ) : عَمَّا أَوْهَمَهُ الْأَوْهَامُ وَيَتَصَوَّرُ عُقُولُ الْأَنَامِ ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى قَالَهُ مِيرَكُ ، وَكَذَا ابْنُ حَجَرٍ ( أَسْتَغْفِرُكَ ) ، أَيْ : أَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ لِمَا مَضَى ( وَأَتُوبُ ) ، أَيْ : أَرْجِعُ عَنْ فِعْلِ الذَّنْبِ فِيمَا بَقِيَ مُتَوَجِّهًا ( إِلَيْكَ ) : بِالتَّوْفِيقِ وَالثَّبَاتِ إِلَى الْمَمَاتِ . ( وَإِذَا رَكَعَ قَالَ : " اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ) : وَفِي تَقَدُّمِ الْجَارِّ إِشَارَةٌ إِلَى التَّخْصِيصِ ( وَلَكَ أَسْلَمْتُ ) ، أَيْ : لَكَ ذَلَلْتُ وَانْقَدْتُ ، أَوْ لَكَ أَخْلَصْتُ وَجْهِي ، أَوْ لَكَ خَذَلْتُ نَفْسِي وَتَرَكْتُ أَهْوَاءَهَا ( خَشَعَ ) ، أَيْ : خَضَعَ وَتَوَاضَعَ أَوْ سَكَنَ ( لَكَ سَمْعِي ) : فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مِنْكَ ( وَبَصَرِي ) : فَلَا يَنْظُرُ إِلَّا بِكَ وَإِلَيْكَ تَخْصِيصُهُمَا مِنْ بَيْنِ الْحَوَاسِّ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْآفَاتِ بِهِمَا ، فَإِذَا خَشَعَتَا قَلَّتِ الْوَسَاوِسُ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَوْ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ النَّقْلِيِّ وَالْعَقْلِيِّ بِهِمَا ، وَقَدَّمَ السَّمْعَ ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الشَّرْعِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ فَضَّلَ السَّمْعَ ، وَنَسَبَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَبَعْضُهُمْ فَضَّلَ الْبَصَرَ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قُتَيْبَةَ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَتَوَقَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ كَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّيْسَابُورِيُّ : الِاشْتِغَالُ بِالتَّفْضِيلِ مِمَّا لَا طَائِلَ فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ ، ( وَمُخِّي ) : فَلَا يَعِي إِلَّا عَنْكَ ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ ( وَعَظْمِي وَعَصَبِي ) : فَلَا يَقُومَانِ وَلَا يَتَحَرَّكَانِ إِلَّا بِكَ فِي طَاعَتِكَ ، وَهُنَّ عَمَدُ الْحَيَوَانِ وَأَطْنَابُهُ ، وَاللَّحْمُ وَالشَّحْمُ غَادٍ وَرَائِحٌ ( فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ ) ، أَيْ : مِنَ الرُّكُوعِ ( قَالَ ) ، أَيْ : حَالَ الرَّفْعِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي الِاعْتِدَالِ قَالَ : ( اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ) : وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ : وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَسَبَقَ أَنَّهَا الْأَفْضَلُ لِدَلَالَتِهَا عَلَى زِيَادَةٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا حَذْفُهَا ( مِلْءَ السَّمَاوَاتِ ) : بِالنَّصْبِ هُوَ أَشْهَرُ كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ، وَقِيلَ : حَالٌ ، أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مَالِئًا لِتِلْكَ الْأَجْرَامِ عَلَى تَقْدِيرِ تَجَسُّمِهِ وَبِالرَّفْعِ صِفَةُ الْحَمْدِ ( وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ) ، أَيْ : بَعْدَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ صِفَةٌ لِشَيْءٍ كَالْكُرْسِيِّ وَالْعَرْشِ وَمَا فَوْقَهُ ، وَمَا تَحْتَ أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ ، وَلَا يُحِيطُ بِهِ إِلَّا خَالِقُهُ وَمُوجِدُهُ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الْجُسْمَانِيَّاتُ الْعُلْوِيَّاتُ وَالسُّفْلِيَّاتُ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : وَهَذَا غَايَةُ الْحَمْدِ لِلَّهِ تَعَالَى حَيْثُ حَمِدَهُ مِلْءَ كُلِّ مَخْلُوقَاتِهِ الْمَوْجُودَةِ ، وَمِلْءَ مَا يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ مِنَ الْمَعْدُومَاتِ الْمُمْكِنَةِ الْمُغَيَّبَةِ ، وَقَالَ مِيرَكُ : هَذَا يُشِيرُ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ الْحَمْدِ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِ الْجُهْدِ ، فَإِنَّهُ حَمِدَهُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ ارْتَفَعَ فَأَحَالَ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى الْمَشِيئَةِ ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ لِلْحَمْدِ مُنْتَهًى ؛ وَلِهَذِهِ الرُّتْبَةِ الَّتِي لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُسَمَّى أَحْمَدَ . ( وَإِذَا سَجَدَ قَالَ : " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ ، سَجَدَ وَجْهِي ) : بِالْوَجْهَيْنِ أَيْ : خَضَعَ وَذَلَّ وَانْقَادَ ( لِلَّذِي خَلَقَهُ ) أَيْ أَوْجَدَهُ مِنَ الْعَدَمِ ( وَصَوَّرَهُ ) أَحْسَنَ صُورَةٍ ( وَشَقَّ سَمْعَهُ ) أَيْ طَرِيقَ سَمْعِهِ إِذِ السِّمْعُ لَيْسَ فِي الْأُذُنَيْنِ ، بَلْ فِي مَقْعَرِ الصِّمَاخِ ( وَبَصَرَهُ ، تَبَارَكَ اللَّهُ ) : أَيْ : تَعَالَى وَتَعَظَّمَ ، وَالرِّوَايَةُ بِحَذْفِ الْفَاءِ ( أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) : أَيِ : الْمُصَوِّرِينَ وَالْمُقَدِّرِينَ ، فَإِنَّهُ الْخَالِقُ الْحَقِيقِيُّ الْمُنْفَرِدُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ ، وَغَيْرُهُ إِنَّمَا يُوجِدُ صُوَرًا مُمَوَّهَةً لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ الْخَلْقِ مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى خَالِقُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ، اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . ( ثُمَّ يَكُونُ ) : أَيْ : بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ( مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ ) : مِنْ سَيِّئَةٍ ( وَمَا أَخَّرْتُ ) : مِنْ عَمَلٍ أَيْ جَمِيعَ مَا فَرَطَ مِنِّي قَالَهُ الطِّيبِيُّ ، وَقِيلَ : مَا قَدَّمْتُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَمَا أَخَّرْتُ بَعْدَهَا ، وَقِيلَ : مَا أَخَّرْتُهُ فِي عِلْمِكَ مِمَّا قَضَيْتَهُ عَلَيَّ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنْ وَقَعَ مِنِّي فِي الْمُسْتَقْبَلِ ذَنْبٌ فَاجْعَلْهُ مَقْرُونًا بِمَغْفِرَتِكَ ( وَمَا أَسْرَرْتُ ) : أَيْ : أَخْفَيْتُ ( وَمَا أَعْلَنْتُ ) : تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ كَعَكْسِهِ فِي قَوْلِهِ ( وَمَا أَسْرَفْتُ ) : أَيْ : جَاوَزْتُ الْحَدَّ مُبَالَغَةً فِي طَلَبِ الْغُفْرَانِ بِذِكْرِ أَنْوَاعِ الْعِصْيَانِ ( وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ) : أَيْ : مِنْ ذُنُوبِي الَّتِي لَا أَعْلَمُهَا عَدَدًا وَحُكْمًا ( أَنْتَ الْمُقَدِّمُ ) : أَيْ : بَعْضَ الْعِبَادِ إِلَيْكَ بِتَوْفِيقِ الطَّاعَاتِ ( وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ ) : أَيْ بَعْضَهُمْ بِالْخِذْلَانِ عَنِ النُّصْرَةِ ، أَوْ أَنْتَ لِمَنْ شِئْتَ فِي مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَغَايَاتِ الْجَلَالِ ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لِمَنْ شِئْتَ عَنْ مَعَالِي الْأُمُورِ إِلَى سَفَاسِفِهَا ، فَنَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَنَا مِمَّنْ قَدَّمْتَهُ فِي مَعَالِمِ الدِّينِ ، وَنَعُوذُ بِكَ أَنْ تُؤَخِّرَنَا عَنْ طَرِيقِ الْيَقِينِ ، أَوْ أَنْتَ الرَّافِعُ وَالْخَافِضُ وَالْمُعِزُّ وَالْمُذِلُّ ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ) : فَلَا مَطْلُوبَ سِوَاكَ وَلَا مَحْبُوبَ إِلَّا إِيَّاكَ ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) : قَالَ مِيرَكُ : وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : " حَنِيفًا " " مُسْلِمًا " . ( وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ : " وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ) : هَذَا الْكَلَامُ إِرْشَادٌ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْأَدَبِ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ فِي مَحَاسِنِ الْأَشْيَاءِ دُونَ مَسَاوِيهَا ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ نَفْيَ شَيْءٍ عَنْ قُدْرَتِهِ ، يَعْنِي أَوْ إِثْبَاتَ شَيْءٍ لِغَيْرِهِ ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنِ الْقَاضِي ، قَالَ مِيرَكُ : وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ، ( وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ ) : أَيْ لَا مَهْدِيَّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتَهُ وَتَرَكَ مُقَابِلَهُ ، وَهُوَ لَا ضَالَّ إِلَّا مَنْ أَضْلَلْتَهُ ، لِمَا تَقَدَّمَ ، مُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ ، أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ بِمُقَابِلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ فَلَا مُتَمَسَّكَ لِلْمُعْتَزِلَةِ ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، ( أَنَا بِكَ ) : أَيْ : وُجِدْتُ ( وَإِلَيْكَ ) : أَنْتَهِي أَيْ أَنْتَ الْمَبْدَأُ وَالْمُنْتَهَى قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( لَا مَنْجَى ) بِالْقَصْرِ لَا غَيْرُ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ : ( لَا مَنْجَى ) مَقْصُورٌ لَا يَجُوزُ مَدُّهُ وَلَا قَصْرُهُ ، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ : لَا يَجُوزُ هَمْزُهُ لَا مَدًّا وَلَا قَصْرًا وَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوِ اسْمُ مَكَانٍ ، أَيْ : لَا مَوْضِعَ يَنْجُو بِهِ اللَّائِذُ ( مِنْكَ ) ، أَيْ : مِنْ عَذَابِكَ ( وَلَا مَلْجَأَ ) : الْأَصْلُ فِيهِ الْهَمْزُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلَيِّنُ هَمْزَتَهُ لِيَزْدَوِجَ مَعَ مِنْ مَنْجًى ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنِ الْقَاضِي ، أَيْ : لَا مَلَاذَ عِنْدَ نُزُولِ النَّوَائِبِ وَحُصُولِ الْمَصَائِبِ ( إِلَّا إِلَيْكَ ) : فَإِنَّ الْمُفَرِّجَ عَنِ الْمَهْمُومِينَ الْمُعِيذَ لِلْمُسْتَعِيذِينَ ، أَوِ الْمُرَادُ لَا مَهْرَبَ وَلَا مَخْلَصَ وَلَا مَلَاذَ لِمَنْ طَالَبْتَهُ إِلَّا إِلَيْكَ ، وَفِيهِ مَعْنًى مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ، وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( تَبَارَكْتَ ) : وَفِي نُسْخَةٍ : ( وَتَعَالَيْتَ ) ، أَيْ : تَعَاظَمْتَ عَنْ أَنْ تَحْتَاجَ إِلَى أَحَدٍ ، أَيْ : عَنْ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ فِي كُلِّ شُئُونِهِ إِلَيْكَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية