مشكاة المصابيح
1562 - وعن سعد - رضي الله عنه - قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - : أي الناس أشد بلاء ؟ قال : " الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة هون عليه ، فما زال كذلك حتى يمشي على الأرض ما له ذنب " رواه الترمذي ، وابن ماجه ، والدارمي ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
مرقاة المفاتيح
1562 - ( وعن سعد قال : سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أي الناس أشد ) أي : أكثر أو أصعب بلاء ؟ أي : محنة ومصيبة . ( قال : " الأنبياء ) أي : هم أشد في الابتلاء ; لأنهم يتلذذون بالبلاء كما يتلذذ غيرهم بالنعماء ، ولأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية ، وليتوهن على الأمة الصبر على البلية . ( ثم الأمثل ) أي : الأشبه بهم ، أو الأفضل من غيرهم . ( فالأمثل ) قال ابن الملك : أي : الأشرف فالأشرف ، والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة [ ص: 1141 ] يعني : من هو أقرب إلى الله بلاؤه أشد ليكون ثوابه أكثر . قال الطيبـي : ثم فيه للتراخي في الرتبة ، والفاء للتعاقب على سبيل التوالي تنزلا من الأعلى إلى الأسفل ، واللام في الأنبياء للجنس اهـ . كونها للاستغراق ، إذ لا يخلو واحد منهم من عظيم محنة ، وجسيم بلية بالنسبة لأهل زمنه ، ويدل عليه قوله : ( يبتلى الرجل على حسب دينه ) أي : مقداره ضعفا وقوة ، ونقصا وكمالا ، قال الطيبـي : الجملة بيان للجملة الأولى ، واللام في الرجل للاستغراق في الأجناس المتوالية اهـ . ويصح كونها للجنس ، بل هو الصحيح كما يدل عليه قوله على حسب دينه . ( فإن كان ) : تفصيل للابتلاء وقدره . ( في دينه صلبا ) : خبر كان أي : شديدا ، واسمه ضمير راجع إلى الرجل ، والجار متعلق بالخبر . ( اشتد بلاؤه أي : كمية وكيفية . ( وإن كان ) أي : هو . ( في دينه رقة ) : الجملة خبر كان ، ويحتمل أن يكون رقة اسم كان أي : ضعف . قال الطيبـي : جعل الصلاة صفة له ، والرقة صفة له ، والرقة صفة لدينه مبالغة وعلى الأصل اهـ . وكأن الأصل في الصلب أن يستعمل في الجثث ، وفي الرقة أن تستعمل في المعاني ، ويمكن أن يحمل على التفنن في العبارة . ( هون ) : على بناء المفعول سهل وقلل . ( عليه ) أي : البلاء . قال ابن الملك : ليكون ثوابه أقل . أقول : بل رحمة عليه ولطفا به ، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، ولولا التخفيف في بلائه لخشي عليه الكفر من ابتلائه ; ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - : " كاد الفقر أن يكون كفرا " . ( فما زال ) أي : الرجل المبتلى قال الطيبـي : الضمير راجع إلى اسم كان الأول . ( كذلك ) أي : أبدا يصيب الصالح البلاء ، ويغفر ذنبه بإصابته إياه . ( حتى يمشي على الأرض ) : كناية عن خلاصه من الذنوب ، فكأنه كان محبوسا ، ثم أطلق وخلي سبيله . ( ما له ) أي : عليه . ( ذنب ) : يختص به ، وربما يكون شفيعا لغيره . ( رواه الترمذي ، وابن ماجه ، والدارمي ، وقال الترمذي : هذا حديث صحيح ) .


