الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                                        نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية

                                                                                                        الزيلعي - جمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي

                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                        أحاديث الهداية ( فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا نَبِيذَ التَّمْرِ ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا يَتَيَمَّمُ ) لِحَدِيثِ لَيْلَةِ الْجِنِّ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَوَضَّأَ بِهِ حِينَ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَتَيَمَّمُ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَمَلًا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهَا أَقْوَى ، أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِهَا لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ ، وَلَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ مَكِّيَّةً . وَقَالَ مُحَمَّدٌ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ ، لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا ، وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةً ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ احْتِيَاطًا . قُلْنَا : لَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ ؛ فَلَا يَصِحُّ دَعْوَى النَّسْخِ ، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَبِمِثْلِهِ يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ ، وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ بِهِ فَقَدْ قِيلَ : يَجُوزُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالْوُضُوءِ ، وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ . وَالنَّبِيذُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حُلْوًا رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ كَالْمَاءِ ، وَمَا اشْتَدَّ مِنْهَا صَارَ حَرَامًا لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ وَإِنْ غَيَّرَتْهُ النَّارُ ، فَمَا دَامَ حُلْوًا رَقِيقًا فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ ، وَإِنْ اشْتَدَّ ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ شُرْبُهُ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ لِحُرْمَةِ شُرْبِهِ عِنْدَهُ ، وَلَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْأَنْبِذَةِ جَرْيًا عَلَى قَضِيَّةِ الْقِيَاسِ . مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدَةَ الْمِصِّيصِيِّ ثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ : حَدَّثَنِي { عَمْرُو بْنُ غَيْلَانَ الثَّقَفِيُّ ، قَالَ : أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : حُدِّثْتُ أَنَّكَ كُنْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ وَفْدِ الْجِنِّ ؟ قَالَ : أَجَلْ ، قُلْتُ : حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَ ؟ قَالَ : إنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَجُلًا يُعَشِّيهِ ، إلَّا أَنَا فَإِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْنِي أَحَدٌ ، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ : أَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ : مَا أَخَذَكَ أَحَدٌ يُعَشِّيكَ ؟ قُلْتُ : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَانْطَلِقْ لَعَلِّي أَجِدُ لَكَ شَيْئًا ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى حُجْرَةَ أُمِّ سَلَمَةَ ، فَتَرَكَنِي وَدَخَلَ إلَى أَهْلِهِ ، ثُمَّ خَرَجَتْ الْجَارِيَةُ ، فَقَالَتْ : يَا ابْنَ مَسْعُودٍ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجِدْ لَكَ عَشَاءً ، فَارْجِعْ إلَى مَضْجَعِكَ . فَرَجَعْتُ إلَى الْمَسْجِدِ ، فَجَمَعْتُ حَصْبَاءَ الْمَسْجِدِ فَتَوَسَّدْتُهُ ، وَالْتَفَفْتُ بِثَوْبِي ، فَلَمْ أَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَتْ الْجَارِيَةُ ، فَقَالَتْ : أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاتَّبَعْتُهَا حَتَّى بَلَغْتُ مَقَامِي ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَدِهِ عَسِيبُ نَخْلٍ ، فَعَرَضَ بِهِ عَلَى صَدْرِي ، فَقَالَ : انْطَلَقَ أَنْتَ مَعِي حَيْثُ انْطَلَقْتُ ، قَالَ : فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا بَقِيعَ الْغَرْقَدِ ، فَخَطَّ بِعَصَاهُ خِطَّةً ، ثُمَّ قَالَ : اجْلِسْ فِيهَا وَلَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَك ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِ حَتَّى إذَا كَانَ مِنْ حَيْثُ لَا أَرَاهُ ثَارَتْ مِثْلُ الْعَجَاجَةِ السَّوْدَاءِ ، فَفَزِعْتُ ، وَقُلْتُ فِي نَفْسِي : هَذِهِ هَوَازِنُ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْتُلُوهُ ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَسْعَى إلَى الْبُيُوتِ ، فَأَسْتَغِيثَ النَّاسَ ، فَذَكَرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي أَنْ لَا أَبْرَحَ ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَزِّعُهُمْ بِعَصَاهُ ، وَيَقُولُ : اجْلِسُوا ، فَجَلَسُوا حَتَّى كَادَ يَنْشَقُّ عَمُودُ الصُّبْحِ ثُمَّ ثَارُوا وَذَهَبُوا ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَنِمْتَ ؟ فَقُلْتُ : لَا ، وَاَللَّهِ ، وَلَقَدْ فَزِعْتُ الْفَزْعَةَ الْأُولَى حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ آتِيَ الْبُيُوتَ فَأَسْتَغِيثَ النَّاسَ ، حَتَّى سَمِعْتُكَ تُفَزِّعُهُمْ بِعَصَاكَ ، فَقَالَ : لَوْ أَنَّكَ خَرَجْتَ مِنْ هَذِهِ الْحَلْقَةِ لَمْ آمَنْ أَنْ تُخْطَفَ ، فَهَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا مِنْهُمْ ؟ قُلْتُ : رَأَيْتُ رِجَالًا سُودًا مُسْتَفَزِّينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ ، قَالَ : أُولَئِكَ وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ ، فَسَأَلُونِي الزَّادَ وَالْمَتَاعَ ، فَمَتَّعْتُهُمْ بِكُلِّ عَظْمٍ حَائِلٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ بَعْرَةٍ ، قُلْتُ : وَمَا يُغْنِي ذَلِكَ عَنْهُمْ ؟ قَالَ : إنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ عَظْمًا إلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ لَحْمَهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُكِلَ ، وَلَا رَوْثَةً إلَّا وَجَدُوا فِيهَا حَبَّهَا الَّذِي كَانَ فِيهَا يَوْمَ أُكِلَتْ ، فَلَا يَسْتَنْقِي أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَظْمٍ وَلَا بَعْرَةٍ }انْتَهَى . وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمَّ . ثُمَّ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ حَدَّثَنِي نُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ الْقَيْنِيُّ ثَنَا أَبِي ثَنَا قُحَافَةُ بْنُ رَبِيعَةَ حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ . قَالَ : { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قَالَ : أَيُّكُمْ يَتْبَعُنِي إلَى وَفْدِ الْجِنِّ اللَّيْلَةَ ؟ فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ ثَلَاثًا ، فَمَرَّ بِي ، فَأَخَذَ بِيَدِي ، فَجَعَلْت أَمْشِي مَعَهُ حَتَّى خَنَسَتْ عَنَّا جِبَالُ الْمَدِينَةِ كُلُّهَا وَأَفْضَيْنَا إلَى أَرْضٍ بَرَازٍ ، فَإِذَا رِجَالٌ طِوَالٌ كَأَنَّهُمْ الرِّمَاحُ مُسْتَنْفَرِينَ ، ثِيَابُهُمْ مِنْ بَيْنِ أَرْجُلِهِمْ ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ غَشِيَتْنِي رَعْدَةٌ شَدِيدَةٌ }. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَضَعَّفَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أُنْكِرَ شُهُودَهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ . وَأَنْكَرَهُ ابْنُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَأَنْكَرَهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ ، ثُمَّ أَسْنَدَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : لَمْ أَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ أَسْنَدَ إلَى الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ ، هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ فَذَكَرَهُ إلَى آخِرِهِ بِلَفْظِ مُسْلِمٍ ، ثُمَّ أَسْنَدَ إلَى عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ قَالَ : لَا ، وَسَأَلْتُ إبْرَاهِيمَ ، فَقَالَ : لَيْتَ صَاحِبَنَا كَانَ ذَاكَ انْتَهَى . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ ، فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ فِي " بَابِ مَنْ كَبُرَ بِالطَّائِفَتَيْنِ " : أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يُدْرِكْ أَبَاهُ انْتَهَى . وَإِبْرَاهِيمُ أَيْضًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ صِفَةَ أَنْبِذَتِهِمْ الَّتِي كَانَتْ ، فَسَاقَ بِسَنَدِهِ إلَى عَائِشَةَ ، قَالَتْ : { كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِقَاءٍ ، نَنْبِذُهُ غُدْوَةً فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً ، وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً } ، وَهَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، ثُمَّ أَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى أَبِي الْعَالِيَةِ ، قَالَ : تُرَى نَبِيذُكُمْ هَذَا الْخَبِيثُ إنَّمَا كَانَ مَا يُلْقَى فِيهِ تَمَرَاتٌ فَيَصِيرُ حُلْوًا ؟ انْتَهَى . وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ ، أَنَّ مِثْلَ هَذَا النَّبِيذِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ : أَنَّ التَّمْرَ وَنَحْوَهُ إذَا غَلَبَ وَصْفٌ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرُ عَلَى الْمَاءِ ، فَأَزَالَ اسْمَهُ يَمْتَنِعُ الْوُضُوءُ بِهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا يُنْبَذُ مِنْ غُدْوَةٍ إلَى الْعِشَاءِ ، وَصَارَ حُلْوًا صَارَ كَذَلِكَ ؛ { وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : هَلْ مَعَك مَاءٌ ؟ قَالَ : لَا }فَدَلَّ أَنَّ الْمَاءَ اسْتَحَالَ فِي التَّمْرِ حَتَّى سَلَبَ عَنْهُ اسْمَ الْمَاءِ ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَضَعَّفَ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْوُضُوءُ لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ . وَقَالَ : إنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهَا حُجَّةٌ ، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : إنِّي لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ ، وَسُئِلَ أَبُو عُبَيْدَةَ هَلْ كَانَ أَبُوكَ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : لَا ، مَعَ أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ ، وَلَمْ نَعْتَبِرْ فِيهِ اتِّصَالًا وَلَا انْقِطَاعًا ، وَلَكِنَّا احْتَجَجْنَا بِكَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، لِأَنَّ مِثْلَهُ فِي تَقَدُّمِهِ فِي الْعِلْمِ ، وَمَكَانِهِ مِنْ أَمْرِهِ وَخِلْطَتِهِ بِخَاصَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا مِنْ أُمُورِهِ ، فَجَعَلْنَا قَوْلَهُ حُجَّةً فِيهِ ، قَالَ : وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ ، فَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ الْمَاءِ . وَالْمَرْوِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِهِ إنَّمَا هُوَ وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَيْرُ مُسَافِرٍ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يُرِيدُهُمْ ، فَهُوَ فِي حُكْمِ اسْتِعْمَالِهِ لَهُ بِمَكَّةَ ، فَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ فِي حَالِ وُجُودِ الْمَاءِ ، فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ثَبَتَ طَرْحُهُمْ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ النَّظَرُ عِنْدَنَا انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا مِنْ " شَرْحِ الْآثَارِ " . وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ : إنَّ فِي الْحَدِيثِ اضْطِرَابًا . وَفِي التَّارِيخِ جَهَالَةً ، وَلَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ ، وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ ، وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ " بِآيَةِ التَّيَمُّمِ " لِأَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ ، وَلَيْلَةُ الْجِنِّ كَانَتْ بِمَكَّةَ انْتَهَى . أَمَّا الِاضْطِرَابُ ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ شَهِدَ لَيْلَةَ الْجِنِّ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ ، وَأَمَّا جَهَالَةُ التَّارِيخِ ، فَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السِّيَرِ ذَكَرُوا أَنَّ قُدُومَ وَفْدِ نَصِيبِينَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ ثَلَاثِ سِنِينَ ، قَالَ السُّرُوجِيُّ : وَقَوْلُهُ : لَيْلَةُ الْجِنِّ يُوهِمُ أَنَّهَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي " كُتُبِ الْحَدِيثِ " ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ تَقَرَّرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، { فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ } ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مَشْهُورًا ، فَلَيْسَ يُرِيدُ الْمَشْهُورَ الِاصْطِلَاحِيَّ ، وَأَمَّا عَمَلُ الصَّحَابَةِ ، فَفِي " سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : النَّبِيذُ وَضُوءُ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ . وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ مَزِيدَةَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ثَنَا قَيْسُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ لَيْلَةَ الْجِنِّ : مَعَكَ مَاءٌ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا نَبِيذٌ فِي سَطِيحَةٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ صُبَّ عَلَيَّ ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ بِهِ }انْتَهَى . وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُسْنَدُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَكِنَّ الطَّبَرَانِيَّ فِي " مُعْجَمِهِ " جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَذَلِكَ الْبَزَّارُ فِي " مُسْنَدِهِ " وَلَفْظُهُمَا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ { ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَضَّأَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ بِنَبِيذٍ ، فَتَوَضَّأَ ، وَقَالَ : مَاءٌ طَهُورٌ }انْتَهَى . قَالَ الْبَزَّارُ : هَذَا حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّ ابْنَ لَهِيعَةَ كَانَتْ كُتُبُهُ قَدْ احْتَرَقَتْ ، وَبَقِيَ يَقْرَأُ مِنْ كُتُبِ غَيْرِهِ ، فَصَارَ فِي أَحَادِيثِهِ مَنَاكِيرُ ، وَهَذَا مِنْهَا انْتَهَى . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " سُنَنِهِ " وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَيُنْظَرُ لَفْظُهُ . وَمِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ : مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ مَجَاعَةَ عَنْ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ مَاءً وَوَجَدَ النَّبِيذَ فَلْيَتَوَضَّأْ بِهِ }انْتَهَى ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَبَانُ : " هُوَ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ " مَتْرُوكٌ ، وَمَجَاعَةُ : ضَعِيفٌ : وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عِكْرِمَةَ غَيْرُ مَرْفُوعٍ . طَرِيقٌ آخَرُ : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ . ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْمُسَيِّبِ بْنِ وَاضِحٍ ثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ ، سَوَاءً ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَهَمَ فِيهِ الْمُسَيِّبُ بْنُ وَاضِحٍ ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ قَوْلِ عِكْرِمَةَ غَيْرُ مَرْفُوعٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، ثُمَّ سَاقَهُ بِسَنَدِهِ إلَى عِكْرِمَةَ مِنْ قَوْلِهِ : وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَمَ فِيهِ الْمُسَيِّبُ بْنُ وَاضِحٍ فِي مَوْضِعَيْنِ : فِي ذِكْرِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ . وَفِي ذِكْرِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ مِنْ قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، كَمَا رَوَاهُ هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ . وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ . وَعَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَكَانَ الْمُسَيِّبُ رَحِمَهُ اللَّهُ كَثِيرَ الْوَهْمِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى .

                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                        الخدمات العلمية