الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                الْبَابُ الْخَامِسُ فِي مُسْتَنَدِ قَضَائِهِ قَاعِدَةٌ : فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَالْعِلَلِ وَالْأَسْبَابِ وَالْحُجَجِ فِي مَوَارِدِ الشَّرْعِ . أَمَّا الْأَدِلَّةُ : فَتَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ أَنَّهَا قِسْمَانِ : أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَحْكَامِ ، وَهِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ بِالْإِسْتِقْرَاءِ : الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا فِي الْمُقَدِّمَةِ ، وَأَدِلَّةُ وُقُوعِهَا ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ ، لِأَنَّهَا وُقُوعُ أَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا وَانْتِفَاءُ مَوَانِعِهَا ، كَأَدِلَّةِ الزَّوَالِ مِنَ الرُّخَامَاتِ ، وَمَوَازِينِ الشَّمْسِ وَغَيْرِهَا ، وَبَسْطُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ ، وَأَدِلَّةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ يَتَقَدَّمُ فِيهَا الْمُجْتَهِدُ ، ثُمَّ الْأَوْصَافُ الْمَنْصُوبَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا الْأَدِلَّةُ الَّتِي هِيَ أَدِلَّةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ ، مِنْهَا مَعْقُولُ الْحِكْمَةِ ، كَنَصْبِ الْإِسْكَارِ عِلَّةً لِلتَّحْرِيمِ ، وَالْإِقْتِيَاتِ لِلرِّبَا ، فَهَذِهِ عِلَلٌ ، وَتَارَةً لَا تُعْقَلُ حِكْمَتُهَا ، كَالزَّوَالِ ، وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ، وَالصِّيَامِ ، فَهَذِهِ أَسْبَابٌ ، ثُمَّ إِذَا دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ ، وَتَقَرَّرَ السَّبَبُ ، وَالْحُكْمُ وَعِلَّتُهُ ، وَتَعَلَّقَ النِّزَاعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِيهِ ، أَوْ هُوَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، فَالْمُثْبِتُ لِذَلِكَ مِنْ بَيِّنَةٍ ، أَوْ أَيْمَانٍ ، أَوْ إِقْرَارِ حُجَجٍ ، فَالْحُجَجُ مُتَأَخِّرَةُ الرُّتْبَةِ عَنِ الْجَمِيعِ ، وَالْأَدِلَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَالْأَسْبَابُ وَالْعِلَلُ مُتَوَسِّطَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ الْأَدِلَّةِ ، وَمُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحُجَجِ ، فَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمِيعِ . إِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَجَمِيعُ مَا يَقْضِي بِهِ الْحَاكِمُ الْمُقَلِّدُ حُجَجٌ إِذَا قُلْنَا : لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَقْضِي بِعِلْمِهِ فَلَيْسَ الْعِلْمُ حُجَّتَهُ ، بَلْ بَدَلُ الْحُجَّةِ ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الْحُجَّةِ إِثَارَةُ الظَّنَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ ، قَامَ مَقَامَ الْحُجَّةِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُ ، إِنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ : الْقَاضِي يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، لَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ ، بَلْ غَالِبُهُ ظَنٌّ ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ الْمُجْتَهِدُ فَيَحْكُمُ بِالْحُجَجِ وَالْأَدِلَّةِ ، وَالْمُقَلِّدُ لَا يَجُوزُ لَهُ اتِّبَاعُ الْأَدِلَّةِ ، وَأَصْلُ الْقَضَاءِ بِالْأَدِلَّةِ : قَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ لِلْيَمَنِ : ( كَيْفَ تَقْضِي ؟ قَالَ لَهُ : أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، قَالَ : فَفِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ، قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَهُ ) وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الِاجْتِهَادِ مَا هُوَ . وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ : يَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ ، وَيُقَدِّمُ مَا صَحِبَهُ الْعَمَلُ ، لِأَنَّ أَصْلَ مَالِكٍ : تَقْدِيمُ الْعَمَلِ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْآحَادِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَبْهَرِيُّ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ السُّنَّةَ ، فَبِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا فَمَا صَحِبَهُ الْعَمَلُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ ، وَإِلَّا تَخَيَّرُوا مِنْ أَقْوَالِهُمْ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَقِيلَ : لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَإِنْ خَالَفَهُمْ كُلَّهُمْ ، حُجَّةُ الْأَوَّلِ : قَوْلُهُ _ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ _ : ( أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ ) فَإِنْ فُقِدَ ذَلِكَ فَابْنِ عَلَى الْأُصُولِ بَعْدَ مَشُورَةِ الْعُلَمَاءِ ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى شَيْءٍ أَخَذْتَ بِهِ ، إِلَّا فَبِأَحْسَنِ أَقْوَالِهِمْ عِنْدَهُ ، وَإِنْ رَأَى مُخَالَفَتَهُمْ فَعَلَ إِنْ كَانَ نَظِيرًا لَهُمْ وَإِلَّا فَلَا ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ ، قَالَ : وَالصَّحِيحُ لَهُ مُخَالَفَتُهُمْ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا ، وَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ هَلْ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يُقَلِّدَ أَقْوَالًا مَذْكُورَةً فِي الْأُصُولِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَفَرْضُهُ : الْمَشُورَةُ وَالتَّقْلِيدُ ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَضَى بِقَوْلِ أَعْلَمِهِمْ . وَقِيلَ : بِقَوْلِ أَكْثَرِهِمْ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحِكَايَةِ عَنِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ ، وَقِيلَ : يَتَخَيَّرُ وَيَتَحَرَّى الصَّوَابَ دُونَ الْهَوَى ، وَلَهُ الِاكْتِفَاءُ بِمَشُورَةِ وَاحِدٍ ، وَأَعْلَمُهُمْ أَفْضَلُ ، وَمَنْ دُونَهُ يَجُوزُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، وَفِي النَّوَادِرِ : إِذَا وَجَدَ الْمُجْتَهِدُ حَدِيثًا شَاذًّا رَدَّهُ إِلَى الْأُصُولِ ، وَإِذَا فَقَدَ النُّصُوصَ مَثَّلَ بِالنَّظَائِرِ وَشَاوَرَ ، ثُمَّ إِذَا حَكَمَ فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ تَرَكَ ، وَلَا يَحْكُمُ وَفِي قَلْبِهِ شَكٌّ ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَذْلِ الْجُهْدِ ، وَلَا يَحْكُمُ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَا حَضَرَهُ حَتَّى يَسْتَفْرِغَ جُهْدَهُ . وَالْعَدْلُ وَاجِبٌ إِجْمَاعًا وَاتِّبَاعُ الْهَوَى مُحَرَّمٌ إِجْمَاعًا . سُؤَالٌ : الْعَدْلُ الْوَاجِبُ هُوَ التَّسْوِيَةُ ، وَالْحَاكِمُ لَا يُسَوِّي لِتَقْدِيمِهِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى خَصْمِهِ ، وَيُحَلِّفُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ ، وَيُلْزِمُ أَحَدَهُمَا الْبَيِّنَةَ دُونَ الْآخَرِ ، فَلَا تَسْوِيَةَ ؟ جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْإِقْبَالِ عَلَيْهِمَا ، وَالنَّظَرِ وَالْمَجْلِسِ وَالِاسْتِمَاعِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَتِ التَّسْوِيَةُ . وَثَانِيهُمَا : سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ بِالْمَظْنُونِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ ، كَالْقَسَامَةِ ، وَاللِّعَانِ يُسَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ ، وَالنِّسَاءِ فِي دَرْءِ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ ، وَبَيْنَ الْخُصُومِ فِي تَحْلِيفِ كُلِّ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، وَكُلِّ مُدَّعٍ بَعْدَ النُّكُولِ ، وَإِذَا تَنَاكَلَا لَمْ يَحْلِفْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا ، وَالتَّسْوِيَةُ فِي صَرْفِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فِي تَقْدِيمِ الضَّرُورَاتِ عَلَى الْحَاجَةِ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ ، وَيُسَوِّي فِي سَدِّ الْخَلَّةِ لَا مِقْدَارِ الْمَدْفُوعِ ، وَيُسَوِّي الْإِمَامُ بَيْنَ النَّاسِ فِي نَصْبِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ وَكُفَاةِ الثُّغُورِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْكِرَاعِ وَالسِّلَاحِ . تَنْبِيهٌ : الْمُقَلِّدُ لَهُ حَالَتَانِ : تَارَةً يُحِيطُ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ ، فَيَجُوزُ لَهُ تَخْرِيجُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ الْفَارِقِ ، وَمَعَ إِمْكَانِهِ يَمْتَنِعُ ، لِأَنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى إِمَامِهِ وَقَوَاعِدِهِ كَنِسْبَةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ إِلَى صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ وَشَرِيعَتِهِ ، فَكَمَا لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ التَّخْرِيجُ عِنْدَ عَدَمِ الْفَارِقِ ، وَيَمْتَنِعُ عِنْدَ الْفَارِقِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا الْمُقَلِّدُ ، وَتَارَةً لَا يُحِيطُ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّخْرِيجُ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْفَارِقُ ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ لَأَوْجَبَ لَهُ الِاطِّلَاعُ الْفَرْقَ ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى مَذْهَبِهِ كَنِسْبَةِ مَنْ دُونَ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ إِلَى جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ ، فَكَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُقَلِّدِ التَّخْرِيجُ فِيمَا لَيْسَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْأَدِلَّةِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَفْضَلُ إِلَّا بِقَوْلِ عَالِمٍ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ دَلِيلُهُ لِقُصُورِهِ عَنْ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ ، فَكَذَلِكَ هَذَا ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الْقَضَاءِ : أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَنْصُوصٍ فَافْهَمْ هَذَا التَّحْرِيرَ فَإِنَّهُ يَطَّرِدُ فِي الْفُتْيَا .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية