الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                مَسْأَلَةٌ قَالَ : قِيلَ لِمَالِكٍ : أَقُولُ : أَنَا مُؤْمِنٌ ، وَاللَّهُ مَحْمُودٌ ، أَوْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَقَالَ : قُلْ : مُؤْمِنٌ ، وَلَا تَجْعَلْ مَعَهَا غَيْرَهَا ، مَعْنَاهُ لَا تَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ ، قَالَ الْأَشْعَرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا : يَجُوزُ إِنْ " شَاءَ اللَّهُ " ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَغَيْرُهُ : لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ يَجِبُ فِيهِ الْجَزْمُ ، وَلَا جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ : بَلْ يَجُوزُ لِأَحَدِ وُجُوهٍ : إِمَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُسْتَقْبَلَ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ حُصُولُ الْإِيمَانِ فِيهِ ، أَوْ يُرِيدُ نَفْعَ الْإِيمَانِ الْحَاضِرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَهُوَ مَجْهُولُ الْحُصُولِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِلْجَهْلِ بِالْخَاتِمَةِ ، أَوْ يَكُونُ ذِكْرُ الِاسْتِثْنَاءِ لِلتَّبَرُّكِ لَا لِلتَّعْلِيقِ . مَسْأَلَةٌ قَالَ رَجُلٌ لِمَالِكٍ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) كَيْفَ اسْتَوَى ؟ قَالَ : الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ ، وَأُرَاكَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ ، أَخْرِجُوهُ . قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ : اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ ، وَإِنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِعِلْمِهِ ، وَقَالَ فِي " الرِّسَالَةِ " : اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ الْمَجِيدِ بِذَاتِهِ ، وَهَذَا أَقْرَبُ لِلتَّأْوِيلِ مِنَ الْأَوَّلِ ، أَيْ بِغَيْرِ مُعِينٍ بَلْ بِذَاتِهِ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ، وَغَيْرِهِ ، وَخَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرْشَ بِالِاسْتِوَاءِ ; لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ ، فَيَبْقَى غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ ، وَعَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ : إِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ الْجِهَةَ لِأَجْلِ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : هَذَا إِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ إِذَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّهُ ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ النَّافِيَةِ لِلْجِهَةِ ، وَإِنَّمَا قَصْدُهُمْ إِجْرَاءُ النُّصُوصِ كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ ، وَيَقُولُونَ : لَهَا مَعَانٍ لَا نُدْرِكُهَا ، وَيَقُولُونَ : هَذَا اسْتِوَاءٌ لَا يُشْبِهُ الِاسْتِوَاءَاتِ ، كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ دُونَ أَرْضِهِ فَوْقِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ الْفَوْقِيَّاتِ ، وَهَذَا أَقْرَبُ لِمَنَاصِبِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْجِهَةِ . وَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ : الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ ، أَنَّ عُقُولَنَا دَالَّتُنَا عَلَى الِاسْتِوَاءِ اللَّائِقِ بِاللَّهِ ، وَجَلَالِهِ ، وَعَظَمَتِهِ ، وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ دُونَ الْجُلُوسِ ، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ ، وَقَوْلُهُ : وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ مَعْنَاهُ : أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُوصَفُ بِمَا وَضَعَتِ الْعَرَبُ لَهُ كَيْفٌ ، وَهُوَ الْأَحْوَالُ الْمُتَنَقِّلَةُ ، وَالْهَيْئَاتُ الْجَسِيمَةُ مِنَ التَّرَبُّعِ وَغَيْرِهِ ، فَلَا يُعْقَلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى لِاسْتِحَالَتِهِ فِي جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَقَوْلُهُ : وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ ، مَعْنَاهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِي سِيرَةِ السَّلَفِ بِالسُّؤَالِ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُثِيرَةِ لِلْأَهْوَاءِ الْفَاسِدَةِ ، فَهُوَ بِدْعَةٌ ، وَرَأَيْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَوَابًا لِكَلَامٍ كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ مَالِكٌ : إِنَّكَ تَتَحَدَّثُ فِي أُصُولِ الدِّينِ ، وَإِنَّ السَّلَفَ لَمْ يَكُونُوا يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ ، فَأَجَابَ بِأَنَّ السَّلَفَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمْ تَكُنِ الْبِدَعُ ظَهَرَتْ فِي زَمَانِهِمْ ، فَكَانَ تَحْرِيكُ الْجَوَابِ عَنْهَا دَاعِيَةً لِإِظْهَارِهَا فَهُوَ سَعْيٌ فِي مُنْكَرٍ عَظِيمٍ ، فَلِذَلِكَ تُرِكَ ، قَالَ : وَفِي زَمَانِنَا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ، فَلَوْ سَكَتْنَا كُنَّا مُقِرِّينَ لِلْبِدَعِ ، فَافْتَرَقَ الْحَالُ ، وَهَذَا جَوَابٌ سَدِيدٌ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبِدَعَ ظَهَرَتْ بِبِلَادِهِ بِالْعِرَاقِ ، وَمَالِكٌ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بِبَلَدِهِ ، فَلِذَلِكَ أَنْكَرَ ، فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامَيْنِ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَوْ وَجَدْتُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَضَرَبْتُهُمْ بِالْحَدِيدِ . قَالَ لِي بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ تَحْرِيمُ الِاشْتِغَالِ بِأُصُولِ الدِّينِ ، قَلَتُ لَهُ : لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْيَوْمَ فِي عُرْفِنَا إِنَّمَا هُمُ الْأَشْعَرِيُّ ، وَأَصْحَابُهُ ، وَلَمْ يُدْرِكُوا الشَّافِعِيَّ ، وَلَا تِلْكَ الطَّبَقَةَ الْأُولَى ، إِنَّمَا كَانَ فِي زَمَانِ الشَّافِعِيِّ عُمَرُ بْنُ عَبِيدٍ ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُبْتَدِعَةِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ ، وَلَوْ وَجَدْنَاهُمْ نَحْنُ ضَرَبْنَاهُمْ بِالسَّيْفِ فَضْلًا عَنِ الْحَدِيدِ ، فَكَلَامُهُ ذَمٌّ لِأُولَئِكَ لَا لِأَصْحَابِنَا ، وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْقَائِمُونَ بِحُجَّةِ اللَّهِ وَالنَّاصِرُونَ لِدِينِ اللَّهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَظَّمُوا ، وَلَا يُهْتَضَمُوا ; لِأَنَّهُمُ الْقَائِمُونَ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ عَنِ الْأُمَّةِ ، فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَرْضُ كِفَايَةٍ ، قَالَ لِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ : يَكْفِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، قُلْتُ لَهُ : فَمَنْ لَا يَعْتَقِدُهُمَا كَيْفَ تُقَامُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ بِهِمَا ؟ فَسَكَتَ .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية