الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                        فَرْعٌ اسْتَعَارَ صُنْدُوقًا ، فَوَجَدَ فِيهِ دَرَاهِمَ ، فَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ ، كَمَا لَوْ طَيَّرَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي دَارِهِ . الْحُكْمُ الثَّانِي : تَسَلُّطُ الْمُسْتَعِيرِ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِحَسَبِ إِذْنِ الْمُعِيرِ ، وَفِيهِ مَسَائِلُ . الْأُولَى : إِذَا أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ ، فَإِنَّ بَيْنَ مَا يَزْرَعُهُ ، كَقَوْلِهِ : أَعَرْتُكَ لِزِرَاعَةِ الْحِنْطَةِ ، نُظِرَ ، إِنْ لَمْ يَنْهَهُ عَنْ غَيْرِهَا ، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ الْحِنْطَةَ وَمَا ضَرَرُهُ كَضَرَرِهَا أَوْ دُونَهُ كَالشَّعِيرِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا فَوْقَهَا كَالذُّرَةِ وَالْقُطْنِ . وَإِنْ نَهَاهُ عَنْ غَيْرِهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ زَرْعُ غَيْرِهَا . وَحَيْثُ زَرَعَ مَا لَيْسَ لَهُ ، فَلِلْمُعِيرِ قَلْعُهُ مَجَّانًا . وَإِنْ أَطْلَقَ ذِكْرَ الزِّرَاعَةِ وَلَمْ يُبَيِّنِ الزُّرُوعَ ، صَحَّتِ الْإِعَارَةُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَيَزْرَعُ مَا شَاءَ ، لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ . وَالثَّانِي : لَا يَصِحُّ ، لِتَفَاوُتِ الضَّرَرِ . وَلَوْ قِيلَ : يَصِحُّ وَلَا يَزْرَعُ إِلَّا أَقَلَّ الْأَنْوَاعِ ضَرَرًا ، لَكَانَ مَذْهَبًا . الثَّانِيَةُ : إِذَا أَعَارَ لِلزِّرَاعَةِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ وَلَا الْغِرَاسُ . وَإِنْ أَعَارَ لِأَحَدِهِمَا ، فَلَهُ الزِّرَاعَةُ ، وَلَيْسَ لَهُ الْآخَرُ عَلَى الْأَصَحِّ . قُلْتُ : حَكَى صَاحِبُ الْمُهَذِّبِ وَغَيْرُهُ وَجْهًا : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزَّرْعُ إِذَا اسْتَعَارَ لِلْبِنَاءِ ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ يُرْخِي الْأَرْضَ ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ . وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الثَّالِثَةُ : إِذَا كَانَ الْمُسْتَعَارُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَالْبِسَاطِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِأَنْ يُفْرَشَ ، فَلَا حَاجَةَ فِي إِعَارَتِهِ إِلَى بَيَانِ الِانْتِفَاعِ ، وَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ بِجِهَتَيْنِ فَصَاعِدًا ، كَالْأَرْضِ تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ ، وَالْبِنَاءِ ، وَالْغِرَاسِ ، وَكَالدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ ، وَالْحَمْلِ ، فَهَلْ تَصِحُّ الْإِعَارَةُ مُطْلَقًا ، أَمْ يُشْتَرَطُ بَيَانُ جِهَةِ الِانْتِفَاعِ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ ، وَالْغَزَالِيِّ : الثَّانِي ، وَقَطَعَ الرُّويَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ بِالْأَوَّلِ . قُلْتُ : صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي " الْمُحَرَّرِ " الثَّانِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَعَلَى الْأَوَّلِ : لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ كَيْفَ شَاءَ . وَقَالَ الرُّويَانِيُّ : يَنْتَفِعُ بِمَا هُوَ الْعَادَةُ فِيهِ ، وَهَذَا أَحْسَنُ . وَعَلَى الثَّانِي : لَوْ قَالَ : أَعَرْتُكَ لِتَنْتَفِعَ بِهِ كَيْفَ شِئْتَ ، أَوْ لِتَفْعَلَ بِهِ مَا بَدَا لَكَ ، فَوَجْهَانِ . الْحُكْمُ الثَّالِثُ : الْجَوَازُ . فَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ الرَّدُّ مَتَى شَاءَ ، سَوَاءٌ الْعَارِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ وَالْمُؤَقَّتَةُ ، إِلَّا فِي صُورَتَيْنِ . الْأُولَى : إِذَا أَعَارَ أَرْضًا لِدَفْنِ مَيِّتٍ ، فَدَفَنَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ وَنَبْشُ الْقَبْرِ إِلَى أَنْ يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ ، وَلَهُ سَقْيُ الْأَشْجَارِ الَّتِي فِيهَا إِنْ لَمْ يُفْضِ إِلَى ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ الْمَيِّتِ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يُوضَعْ فِيهِ الْمَيِّتُ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَكَذَا بَعْدَ الَوَضْعِ مَا لَمْ يُوَارِهِ التُّرَابُ . قَالَ : وَمُؤْنَةُ الْحَفْرِ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْحَفْرِ وَقَبْلَ الدَّفْنِ ، عَلَى وَلِيِّ الْمَيِّتِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَمُّهَا . قُلْتُ : كَذَا هُوَ فِي نَسْخِ كِتَابِ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ غَلَطٌ فِي النَّقْلِ عَنِ الْمُتَوَلِّي ، فَإِنَّ الْمُتَوَلِّيَ قَالَ : إِذَا رَجَعَ فِي الْعَارِيَّةِ بَعْدَ الْحَفْرِ وَقَبْلَ الدَّفْنِ ، غَرِمَ لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ مُؤْنَةَ الْحَفْرِ ؛ لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ فِي الْحَفْرِ أَوْقَعَهُ فِي الْتِزَامِ مَا الْتُزِمَ ، وَفَوَّتَ عَلَيهِ مَقْصُودَهُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ، فَهَذَا لَفْظُ الْمُتَوَلِّي بِحُرُوفِهِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِطْلَاقُ الْإِعَارَةِ ، لَا يُسَلَّطُ عَلَى الدَّفْنِ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ يُسَلَّطُ عَلَى مَا شَاءَ مِنَ الْمَنَافِعِ عَلَى الَوَجْهَيْنِ كَمَا سَبَقَ ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ . قُلْتُ : فِي " الْبَيَانِ " وَغَيْرِهِ : أَنَّهُ لَوْ أَعَارَ أَرْضًا لِيَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا ، صَحَّتِ الْعَارِيَّةُ . فَإِذَا نَبَعَ الْمَاءُ ، جَازَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَخْذُهُ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ : إِذَا أَعَارَهُ جِدَارًا لِوَضْعِ الْجُذُوعِ ، فَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ . فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ ، فَهَلْ فَائِدَتُهُ طَلَبُ الْأُجْرَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ ، أَمِ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَلْعِ وَضَمَانِ أَرْشِ النَّقْصِ ؟ وَجْهَانِ . وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا كُلِّهُ وَاضِحًا مَعَ بَيَانِ الْأَصَحِّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ . قُلْتُ : وَمِنْ أَحْكَامِهَا ، أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمُعِيرُ ، أَوْ جُنَّ ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيهِ ، أَوْ حُجِرَ عَلَيهِ لِسَفَهٍ ، انْفَسَخَتِ الْإِعَارَةُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ . وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَعِيرُ ، انْفَسَخَتْ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالِانْتِفَاعِ إِنَّمَا كَانَ لِلْمُسْتَعِيرِ دُونَ وَارِثِهِ ، وَإِذَا انْفَسَخَتْ ، وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ رَدُّهَا ، ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ الْمُتَوَلِّي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية