الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                          المقنع لابن قدامة بَابُ الْمُوصَى بِهِ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ ، كَالْآبِقِ ، وَالشَّارِدِ ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ ، وَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ ، وَبِالْمَعْدُومِ كَالَّذِي تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ أَبَدًا ، أَوْ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ ، فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ ، وَإِلَّا بَطَلَتْ وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمِائَةٍ لَا يَمْلِكُهَا ، صَحَّ ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ وَتَصِحُّ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ كَالْكَلْبِ ، وَالزَّيْتِ النَّجِسِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي مَالٌ ، فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ ، وَإِنْ قَلَّ الْمَالُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَفِي الْآخَرِ لَهُ ثُلُثُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِمَا ، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُولِ كَعَبْدٍ وَشَاةٍ ، يُعْطَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الِاسْمُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْعُرْفِ كَالشَّاةِ فِي الْعُرْفِ لِلْأُنْثَى ، وَالْبَعِيرِ وَالثَّوْرِ هُوَ فِي الْعُرْفِ لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، غَلَبَ الْعُرْفُ ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا : تَغْلِبُ الْحَقِيقَةُ ، وَالدَّابَّةُ اسْمٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ، صَحَّ ، وَيُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا مِنْهُمْ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ : يُعْطَى وَاحِدًا بِالْقُرْعَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ ، لَمْ تَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَتَصِحُّ فِي الْآخَرِ ، وَيُشْتَرَى لَهُ مَا يُسَمَّى عَبْدًا ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ فَمَاتُوا إِلَّا وَاحِدًا ، تَعَيَّنَتِ الْوَصِيَّةُ فِيهِ ، فَإِنْ قُتِلُوا كُلُّهُمْ ، فَلَهُ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ عَلَى قَاتِلِهِ ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِقَوْسٍ وَلَهُ أَقْوَاسٌ لِلرَّمْيِ وَالْبُنْدُقِ وَالنَّدْفِ ، فَلَهُ قَوْسُ النِّشَابِ ; لِأَنَّهُ أَظْهَرُهَا ، إِلَّا أَنْ تَقْتَرِنَ بِهِ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إِلَى غَيْرِهِ ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ : لَهُ وَاحِدٌ مِنْهَا كَالْوَصِيَّةِ بِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِكَلْبٍ أَوْ طَبْلٍ ، وَلَهُ مِنْهَا مُبَاحٌ وَمُحَرَّمٌ ، انْصَرَفَ إِلَى الْمُبَاحِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا مُحَرَّمٌ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ ، وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِيمَا عُلِمَ مِنْ مَالِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ ، فَاسْتَحْدَثَ مَالًا ، دَخَلَ ثُلُثُهُ فِي الْوَصِيَّةِ وَإِنْ قُتِلَ وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ ، فَهَلْ تَدْخُلُ الدِّيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، فَإِنْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ بِقَدْرِ نِصْفِ الدِّيَةِ ، فَهَلْ تُحْسَبُ الدِّيَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ مِنَ الثُّلُثَيْنِ ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ . ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا مُحَرَّمٌ ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمُحَرَّمِ مَعْصِيَةٌ ، فَلَمْ تَصِحَّ كَالْكَنِيسَةِ ، فَلَوْ كَانَ طَبْلٌ إِذَا فُصِلَ صَلَحَ لِلْحَرْبِ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَيَلْحَقُ بِطَبْلِ اللَّهْوِ الْمِزْمَارُ وَالطُّنْبُورُ وَعُودُ اللَّهْوِ ; لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ فِيهِ الْأَوْتَارُ أَوْ لَا ; لِأَنَّهُ مُهَيَّأٌ لِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ ، وَتُبَاحُ الْوَصِيَّةُ بِالدُّفِّ الْمُبَاحِ لِلْخَبَرِ ( وَتُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ فِيمَا عُلِمَ مِنْ مَالِهِ ) اتِّفَاقًا ( وَمَا لَمْ يُعْلَمْ ) أَيْ : تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِ الْمَوْجُودِ ، وَإِنْ جَهِلَهُ ، وَعَنْهُ إِنْ عَلِمَ بِهِ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَرَبِيعَةَ ، إِلَّا فِي الْمُدَبَّرِ ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ لَفْظٌ عَامٌّ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا لَا يَعْلَمُ بِهِ مِنْ مَالِهِ ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِثُلُثِهِ . ( وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ ، فَاسْتَحْدَثَ مَالًا ) قَبْلَ مَوْتِهِ ( دَخَلَ ثُلُثُهُ فِي الْوَصِيَّةِ ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ التِّلَادِ وَالْمُسْتَفَادِ ; لِأَنَّ الْحَادِثَ مِنْ مَالِهِ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ ، وَتُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ مَلَكَهُ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ ، وَعَنْهُ : يَعُمُّ الْمُتَجَدِّدَ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ ، أَوْ قَوْلِهِ بِثُلُثِي يَوْمَ أَمُوتُ ( وَإِنْ قُتِلَ ) عَمْدًا ، أَوْ خَطَأً ( وَأُخِذَتْ دِيَتُهُ ، فَهَلْ تَدْخُلُ الدِّيَةُ فِي الْوَصِيَّةِ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ ، وَقَدَّمَهَا فِي الْفُرُوعِ : تَدْخُلُ دِيَتُهُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّهَا تَجِبُ لِلْمَيِّتِ بَدَلَ نَفْسِهِ ، وَنَفْسُهُ لَهُ ، فَكَذَا بَدَلُهَا ، قَالَ أَحْمَدُ : قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ الدِّيَةَ مِيرَاثٌ ، فَتُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتَجْهِيزُهُ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحُوزُ وَرَثَتُهُ مِنْ أَمْلَاكِهِ مَا اسْتَغْنَى عَنْهُ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ مِلْكٌ بَعْدَ مَوْتِهِ كَصَيْدٍ وَقَعَ فِي أُحْبُولَةٍ نَصَبَهَا خِلَافًا لِلِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ ، وَإِنْ تَلِفَ بِهَا شَيْءٌ فَيَتَوَجَّهُ فِي ضَمَانِ الْمَيِّتِ الْخِلَافُ ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ . وَالثَّانِيَةُ : لَا تَدْخُلُ فِي وَصِيَّتِهِ ، نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِلْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ; لِأَنَّ سَبَبَهَا الْمَوْتُ ، فَلَا يَجُوزُ وُجُوبُهَا قَبْلَهُ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَقَدَّمُ سَبَبَهُ ، إِذْ بِالْمَوْتِ تَزُولُ أَمْلَاكُهُ ( فَإِنْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ بِقَدْرِ نِصْفِ الدِّيَةِ ، فَهَلْ تُحْسَبُ الدِّيَةُ عَلَى الْوَرَثَةِ مِنَ الثُّلُثَيْنِ ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ ، فَعَلَى الْأُولَى تُحْسَبُ الدِّيَةُ مِنْ مَالِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ بِقَدْرِ نِصْفِ الدِّيَةِ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ ، نَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ ، وَإِلَّا أُخْرِجَ مِنْهُ قَدْرُ ثُلُثِهَا ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ : لَا تُحْسَبُ الدِّيَةُ ، وَتَخْرُجُ الْوَصِيَّةُ مِنْ تِلَادِ مَالِهِ دُونَ دِيَتِهِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَيْسَتْ مِنْ مَالِهِ ، فَيَخْتَصُّ بِهَا الْوَرَثَةُ .

                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                          الخدمات العلمية