الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة السَّادِسَةُ : الْجَرْحُ : نِسْبَةُ مَا يُرَدُّ لِأَجْلِهِ الْقَوْلُ إِلَى الشَّخْصِ ، وَالتَّعْدِيلُ : خِلَافُهُ . اعْتَبَرَ قَوْمٌ بَيَانَ السَّبَبِ فِيهِمَا ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ ، اعْتِمَادًا عَلَى الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ خَبِيرًا ضَابِطًا ذَا بَصِيرَةٍ قُبِلَ مِنْهُ ، وَإِلَّا فَلَا . أَوْ يُطَالَبُ بِالسَّبَبِ . وَعِنْدَنَا : إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بَيَانُهُ فِي الْجَرْحِ فِي قَوْلٍ ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ ، وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ سَبَبًا سَبَبًا . وَفِي قَوْلٍ : لَا . اكْتِفَاءً بِظُهُورِ أَسْبَابِ الْجَرْحِ . وَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ لِتَضَمُّنِهِ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَنِ الْمُعَدِّلِ ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ فِي الْأَظْهَرِ فِيهِ . وَاعْتَبَرَ الْعَدَدَ فِيهِمَا قَوْمٌ ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ . وَعِنْدَنَا : يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ ، وَإِلَّا لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ ، إِذِ التَّعْدِيلُ لِلرِّوَايَةِ تَبَعٌ وَفَرْعٌ لَهَا . وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ ، إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةَ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ ، إِذْ عَدَمُ كَمَالِ نِصَابِهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَقَدْ رَوَى النَّاسُ عَنْ أَبِي بَكَرَةَ . وَإِلَّا رُدَّتْ حَتَّى يَتُوبَ . وَتَعْدِيلُ الرَّاوِي : إِمَّا بِصَرِيحِ الْقَوْلِ ، وَتَمَامُهُ : هُوَ عَدْلٌ رِضًى ، مَعَ بَيَانِ السَّبَبِ ، أَوْ بِالْحُكْمِ بِرِوَايَتِهِ ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ التَّعْدِيلِ الْقَوْلِيِّ ، وَلَيْسَ تَرْكُ الْحُكْمِ بِهَا جَرْحًا ، أَوْ بِالْعَمَلِ بِخَبَرِهِ إِنْ عُلِمَ أَنْ لَا مُسْتَنَدَ لِلْعَمَلِ غَيْرُهُ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَإِلَّا لَفَسَقَ الْعَامِلُ ، وَفِي كَوْنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ تَعْدِيلًا لَهُ قَوْلَانِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ ، أَوْ عَادَتِهِ ، أَوْ صَرِيحِ قَوْلِهِ ، أَنَّهُ لَا يَرَى الرِّوَايَةَ ، وَلَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ عَدْلٍ ، كَانَتْ تَعْدِيلًا ، وَإِلَّا فَلَا ، إِذْ قَدْ يَرْوِي الشَّخْصُ عَمَّنْ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ لَسَكَتَ . وَقَوْلُهُ : سَمِعْتُ فُلَانًا ، صِدْقٌ . وَلَعَلَّهُ جَهِلَ حَالَهُ ؛ فَرَوَى عَنْهُ ، وَوَكَلَ الْبَحْثَ إِلَى مَنْ أَرَادَ الْقَبُولَ . شرح مختصر الروضة الْمَسْأَلَةُ " السَّادِسَةُ : الْجَرْحُ : نِسْبَةُ مَا يُرَدُّ لِأَجْلِهِ الْقَوْلُ إِلَى الشَّخْصِ " . هَذَا الْكَلَامُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، وَلَا خَفَاءَ فِي مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ ، لِيُعْلَمَ مَنْ يَنْبَغِي الْأَخْذُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ . وَحَقِيقَةُ الْجَرْحِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - هُوَ الْقَطْعُ فِي الْجِسْمِ الْحَيَوَانِيِّ بِحَدِيدٍ ، أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ ، وَالْجُرْحُ - بِالضَّمِّ - هُوَ أَثَرُ الْجَرْحِ - بِالْفَتْحِ - وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمَقْطُوعُ مِنَ الْجِسْمِ ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ الْمُحَدِّثُونَ وَالْفُقَهَاءُ فِيمَا يُقَابِلُ التَّعْدِيلَ ، مَجَازًا ؛ لِأَنَّهُ تَأْثِيرٌ فِي الدِّينِ وَالْعِرْضِ ، كَمَا أَنَّ الْجَرْحَ الْحَقِيقِيَّ تَأْثِيرٌ فِي الْجِسْمِ . وَالْجَرْحُ كَمَا ذُكِرَ : هُوَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الشَّخْصِ مَا يُرَدُّ قَوْلُهُ لِأَجْلِهِ ، مِنْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ ، أَوِ ارْتِكَابِ دَنِيئَةٍ . وَبِالْجُمْلَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مَا يُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ قَبُولِ الرِّوَايَةِ . وَقَوْلُنَا : إِلَى الشَّخْصِ ، هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنِسْبَةٍ ، لَا بِالْقَوْلِ ، وَإِنَّمَا الْإِضَافَةُ مَنَعَتِ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مِنْ أَنْ يَلِيَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ . قَوْلُهُ : " وَالتَّعْدِيلُ خِلَافُهُ " ، أَيْ : خِلَافُ الْجَرْحِ ؛ فَيَكُونُ إِذَنْ نِسْبَةُ مَا يُقْبَلُ لِأَجْلِهِ قَوْلُ الشَّخْصِ ، أَيْ أَنْ يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ ، وَالْعِفَّةِ ، وَالصِّيَانَةِ ، وَالْمُرُوءَةِ ، وَالتَّدَيُّنِ ، بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ ، مَا يُسَوِّغُ قَبُولَ قَوْلِهِ شَرْعًا ، لِدَلَالَةِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ ، وَمُجَانَبَةِ الْكَذِبِ . وَقَوْلُنَا : الشَّخْصُ ، لِيَعُمَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى . وَالتَّعْدِيلُ : تَفْعِيلٌ ، مِنَ الْعَدَالَةِ ، وَهِيَ الِاعْتِدَالُ فِي السِّيرَةِ شَرْعًا ، بِحَيْثُ لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ . قَوْلُهُ : " وَاعْتَبَرَ قَوْمٌ بَيَانَ السَّبَبِ فِيهِمَا " ، أَيِ اشْتَرَطَ قَوْمٌ أَنْ يُبَيِّنَ الْجَارِحُ سَبَبَ الْجَرْحِ ، وَالْمُعَدِّلُ سَبَبَ التَّعْدِيلِ ؛ فَيَقُولُ مَثَلًا : هُوَ فَاسِقٌ ؛ لِأَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ، أَوْ هُوَ عَدْلٌ لِأَنَّهُ مُوَاظِبٌ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ ؛ فِيمَا أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : " وَنَفَاهُ آخَرُونَ " ، أَيْ : بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، نَفَى اشْتِرَاطَهُ آخَرُونَ ؛ فَقَالُوا : لَا يُشْتَرَطُ ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ : هُوَ فَاسِقٌ ، أَوْ عَدْلٌ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ ، اعْتِمَادًا عَلَى الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ ؛ لِأَنَّهُ ، إِنْ كَانَ خَبِيرًا بِمَا يُسْقِطُ الْعَدَالَةَ وَيُثْبِتُهَا ، عَالِمًا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَاتِّفَاقِهِمْ ، ضَابِطًا لَهُ ، ذَا بَصِيرَةٍ فِيهِ ، قُبِلَ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ؛ فَيُرَدُّ ، أَوْ يُطَالِبُهُ الْحَاكِمُ بِبَيَانِ السَّبَبِ ، لِيَنْظُرَ : هَلْ هُوَ مُؤَثِّرٌ أَمْ لَا ؟ وَإِذَا كَانَ إِنَّمَا يُقْبَلُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ حَالِهِ فِي الضَّبْطِ وَالْعِلْمِ مَا وَصَفْنَا ، لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إِلَى بَيَانِ السَّبَبِ ، فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْ مُسْلِمًا وَنَحْوَهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، إِذَا جَرَحُوا شَخْصًا ، أَوْ عَدَّلُوهُ ، يَبْعُدُ بَيَانُ اشْتِرَاطِهِمْ لِلسَّبَبِ ، مَعَ اشْتِهَارِ عِلْمِهِمْ ، وَضَبْطِهِمْ ، وَإِتْقَانِهِمْ ، وَاحْتِيَاطِهِمْ ، بِخِلَافِ مَنْ لَيْسَتْ حَالُهُ فِي ذَلِكَ كَحَالِهِمْ . قَوْلُهُ : " وَعِنْدَنَا : إِنَّمَا يُعْتَبَرُ بَيَانُهُ فِي الْجَرْحِ ، فِي قَوْلٍ ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ ، وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ سَبَبًا سَبَبًا ، وَفِي قَوْلٍ : لَا ، اكْتِفَاءً بِظُهُورِ أَسْبَابِ الْجَرْحِ " . مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّعْدِيلَ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ سَبَبِهِ ، اسْتِصْحَابًا لِحَالِ الْعَدَالَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، بِخِلَافِ سَبَبِ الْجَرْحِ ؛ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ بَيَانُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي سَبَبِ الْجَرْحِ ، وَاعْتِقَادِ بَعْضِهِمْ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْجَرْحِ جَارِحًا ، كَشُرْبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا ؛ فَإِنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ عِنْدَ مَالِكٍ ، دُونَ غَيْرِهِ ، وَكَمَنَ يَرَى إِنْسَانًا يَبُولُ قَائِمًا ؛ فَيُبَادِرُ لِجَرْحِهِ لِذَلِكَ ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي أَنَّهُ مُتَأَوِّلٌ ، مُخْطِئٌ أَوْ مَعْذُورٌ ، كَمَا حُكِيَ عَنِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ بَالَ قَائِمًا ؛ لِعُذْرٍ كَانَ بِهِ ؛ فَيَنْبَغِي بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ ، لِيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ وَاحْتِرَازٍ مِنَ الْخَطَأِ ، وَالْغُلُوِّ فِيهِ . وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ الْعَامَّةِ ، وَهُوَ يَضْرِبُ يَدًا عَلَى يَدٍ ، وَيُشِيرُ إِلَى رَجُلٍ ، وَيَقُولُ : مَا هَذَا إِلَّا زِنْدِيقٌ ، لَيْتَنِي قَدَرْتُ عَلَيْهِ ؛ فَأَفْعَلُ بِهِ ، وَأَفْعَلُ ؛ فَقُلْتُ : مَا رَأَيْتَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي عَنْ أَحْمَدَ : لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ سَبَبِ الْجَرْحِ أَيْضًا " اكْتِفَاءً " أَيْ : لِلِاكْتِفَاءِ بِظُهُورِ أَسْبَابِهِ ؛ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ ، مَشْهُورَةٌ بَيْنَ النَّاسِ ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْجَارِحِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَجْرَحُ بِمَا يَعْلَمُهُ صَالِحًا لِلْجَرْحِ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى . وَمَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ بَيَانِ السَّبَبِ فِيهِمَا حَسَنٌ جَيِّدٌ ؛ فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَوِ الْمُحَدِّثِ ، أَنْ لَا يَقْبَلَ إِلَّا قَوْلَ الْجَازِمِ ، الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ الْمُفَرِّطِ وَالْمُفْرِطِ ؛ فَمَنْ غَلَا فِي الْجَزْمِ ، حَتَّى جَرَحَ بِمَا يَصْلُحُ وَمَا لَا يَصْلُحُ ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِفْرَاطٌ ، وَالثَّانِي تَفْرِيطٌ ، وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ ، وَالصَّوَابُ التَّوَسُّطُ . وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِاخْتِلَافِ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ ، كَمَا سَبَقَ ؛ فَيَجْرَحُ عِنْدَ كُلِّ حَاكِمٍ بِمَا يَرَاهُ ذَلِكَ الْحَاكِمُ جَرْحًا ؛ فَيَجْرَحُ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا ؛ لِأَنَّهُ يَرَاهُ قَادِحًا دُونَ غَيْرِهِ ، إِذْ لَوْ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ ، لَكَانَ الْجَارِحُ أَوِ الْمُعَدِّلُ غَارًّا لِبَعْضِ الْحُكَّامِ ، حَتَّى يَحْكُمَ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَرَى قَبُولَ قَوْلِهِ ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْغِشِّ فِي الدِّينِ ، وَهُوَ حَرَامٌ . قَوْلُهُ : " وَالْجَرْحُ مُقَدَّمٌ ؛ لِتَضَمُّنِهِ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَنِ الْمُعَدِّلِ " ، أَيْ : إِذَا تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ ، بِأَنْ عَدَّلَ الشَّاهِدَ أَوِ الرَّاوِيَ طَائِفَةٌ ، وَجَرَحَهُ طَائِفَةٌ ، قُدِّمَ الْجَرْحُ ، وَعُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ ؛ لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَلَى الْمُعَدِّلِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ الْمُعَدِّلِ فِي تَعْدِيلِهِ اسْتِصْحَابُ حَالِ الْعَدَالَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَعَدَمُ الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا يُنَافِيهَا ، وَمُسْتَنَدَ الْجَارِحِ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ ؛ فَقُدِّمَ قَوْلُهُ كَرَاوِي الزِّيَادَةِ فِي الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُ سَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ غَيْرُهُ ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا أَمْكَنَ اطِّلَاعُ الْجَارِحِ عَلَى زِيَادَةٍ ، أَمَّا إِذَا اسْتَحَالَ ذَلِكَ ، مِثْلَ أَنْ قَالَ الْجَارِحُ : رَأَيْتُ هَذَا قَدْ قَتَلَ زَيْدًا فِي وَقْتِ كَذَا ، وَقَالَ الْمُعَدِّلُ : رَأَيْتُ زَيْدًا حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ ؛ فَهَهُنَا يَتَعَارَضَانِ ؛ فَيَتَسَاقَطَانِ ، وَيَبْقَى أَصْلُ الْعَدَالَةِ ثَابِتًا . قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ هَهُنَا أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الَّذِي اسْتَنَدَ إِلَيْهِ الْجَارِحُ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ ؛ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْجَرْحَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ؛ فَيَبْقَى التَّعْدِيلُ مُسْتَقِلًّا ، وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ ، غَيْرَ أَنَّ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ ؛ تَكُونُ ثُبُوتُ عَدَالَةِ هَذَا الرَّاوِي ثَابِتَةً بِالْأَصَالَةِ وَتَعْدِيلِ الْمُعَدِّلِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَسَاقُطِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، تَكُونُ ثَابِتَةً بِالْأَصَالَةِ فَقَطْ . قُلْتُ : وَهَذِهِ الصُّورَةُ تُشْبِهُ تَعَارُضَ الْبَيِّنَتَيْنِ وَالْأَمَارَتَيْنِ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ ؛ فِيمَنْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ ، أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ فِي وَقْتٍ عَيَّنَهُ ، وَأَخْبَرَهُ آخَرُ أَنَّ الْكَلْبَ الْمُعَيَّنَ ، وَلَغَ فِي إِنَاءٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ ، وَلَمْ يَكُنِ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِوُلُوغِهِ فِيهِمَا ؛ فَيَتَعَارَضُ خَبَرُهُمَا ، وَيَكُونُ الْمَاءُ طَاهِرًا ، لِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ . قَوْلُهُ : " وَإِنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ فِي الْأَظْهَرِ فِيهِ " ، أَيِ : الْجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ ، عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ لِلنَّاسِ فِيهِ ، أَيْ : فِيمَا إِذَا زَادَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِ ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ قَوْلِ الْجَارِحِ ، إِنَّمَا كَانَ لِتَضَمُّنِهِ زِيَادَةً خَفِيَتْ عَنِ الْمُعَدَّلِ ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ مَعَ زِيَادَةِ عَدَدِ الْمُعَدِّلِ ، وَنَقْصِهِ ، وَمُسَاوَاتِهِ ؛ فَلَوْ جَرَحَهُ وَاحِدٌ ، وَعَدَّلَهُ مِائَةٌ ، قُدِّمَ قَوْلُ الْوَاحِدِ لِذَلِكَ . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : إِنَّ عَدَدَ الْمُعَدِّلِ إِنْ زَادَ عَلَى عَدَدِ الْجَارِحِ ، قُدِّمَ قَوْلُ الْمُعَدِّلِ ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ تُقَوِّي الظَّنَّ ، وَالْعَمَلُ بِأَقْوَى الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ ، كَمَا فِي تَعَارُضِ الْحَدِيثَيْنِ وَالْأَمَارَتَيْنِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُتَعَارِضَاتِ ، وَرُبَّمَا فُهِمَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ، وَإِذَا جَرَحَهُ اثْنَانِ ، وَعَدَّلَهُ اثْنَانِ ؛ فَالْجَرْحُ أَوْلَى ، لِكَوْنِهِ خَصَّ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ بِمَا إِذَا اسْتَوَى الْعَدَدَانِ ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْخِرَقِيَّ لَمْ يَقْصِدْ هَذَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ فِي الْجُمْلَةِ . قَوْلُهُ : " وَاعْتَبَرَ الْعَدَدَ فِيهِمَا قَوْمٌ ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ ، وَعِنْدَنَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ " ، أَيَ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، أَيْ : هَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ اثْنَانِ ؛ فَصَاعِدًا ، أَوْ يَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ ، وَالْمُرَادُ بِالْعَدَدِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا . فَقَالَ قَوْمٌ : لَا بُدَّ مِنْهُمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الرِّوَايَةِ ، قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ . وَقَالَ قَوْمٌ : لَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ فِيهِمَا ، لَا فِي الرِّوَايَةِ ، وَلَا فِي الشَّهَادَةِ . وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ شَهَادَةٌ [ فَيَلْزَمُ فِيهِ الْعَدَدُ ] ، أَوْ رِوَايَةٌ ؛ فَيَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ ، وَعِنْدَنَا - وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْأَكْثَرِينَ - إِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ . قَوْلُهُ : " وَإِلَّا لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ " ، إِلَى آخِرِهِ ، هَذَا دَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ . وَتَقْرِيرُهُ : أَنَّهُ لَوِ اعْتَبَرَ الْعَدَدَ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي الرِّوَايَةِ ، لَكَانَ الْفَرْعُ زَائِدًا عَلَى أَصْلِهِ ، فَإِنَّ التَّعْدِيلَ فِي الرِّوَايَةِ تَبَعٌ لِلرِّوَايَةِ ، وَفَرْعٌ لَهَا ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُرَادُ لِأَجْلِهَا ، وَالرِّوَايَةُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَدَدُ ، بَلْ يَكْفِي فِيهَا رَاوٍ وَاحِدٌ ؛ فَكَذَا مَا هُوَ تَبَعٌ وَفَرْعٌ لَهَا . فَلَوْ قُلْنَا : تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ ، وَلَا يَكْفِي فِي تَعْدِيلِهِ إِلَّا اثْنَانِ ، لَزَادَ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ ، وَزِيَادَةُ الْفُرُوعِ عَلَى أُصُولِهَا غَيْرُ مَعْهُودَةٍ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا ، وَلَا جَرَمَ لَمَّا اعْتَبَرْنَا الْفَرْعَ بِأَصْلِهِ ، اطَّرَدَ لَنَا فِي الشَّهَادَةِ ؛ فَكَمَا اعْتُبِرَ الْعَدَدُ فِيهَا ، اعْتُبِرَ فِيمَا هُوَ فَرْعٌ عَلَيْهَا لَهَا ، وَهُوَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ لِأَجْلِهَا . فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ شَهَادَةً يُعْتَبَرُ لَهَا الْعَدَدُ ؛ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ مَنْ جَعَلَهُمَا رِوَايَةً لَا يُعْتَبَرُ لَهَا الْعَدَدُ ، ثُمَّ هُوَ أَوْلَى ، حَذَرًا مِنْ تَضْيِيعِ أَوَامِرِ الشَّرْعِ ؛ فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَقْبَلْ خَبَرَ الرَّاوِي إِلَّا إِذَا عَدَّلَهُ اثْنَانِ ، قَلَّ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ ، وَلُغِيَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ ، وَخَرَجَتْ عَنْ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُعَارَضٌ ، بِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَدِ احْتِرَازًا مِنَ الْعَمَلِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ ، وَصِيَانَةٌ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ . قُلْنَا : هَذَا مَرْدُودٌ ، بِأَنَّ خَبَرَ مَنْ عَدَّلَهُ مُزَكٍّ وَاحِدٌ يُفِيدُ الظَّنَّ ، وَهُوَ مَنَاطُ وُجُوبِ الْعَمَلِ كَمَا سَبَقَ . فَأَمَّا مَنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا ؛ فَإِنَّمَا يُفِيدُ خَبَرُهُ مِنَ الظَّنِّ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ ، لَكِنَّ زِيَادَةَ قُوَّةِ الظَّنِّ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ هَهُنَا ، وَإِلَّا لَوَجَبَ اعْتِبَارُ تَعْدِيلِ ثَلَاثَةٍ ، أَوْ أَرْبَعَةٍ ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يُفِيدَ التَّوَاتُرُ بِعَدَالَةِ الرَّاوِي ، وَهُوَ مُلْغًى بِاتِّفَاقٍ ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ حُصُولُ مُطْلَقُ ظَنِّ الْعَدَالَةِ ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ تَعْدِيلِ الْوَاحِدِ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية